د. حسن جبريل المقصبي
اللوحة ..التشكيلية مريم العبانى ((ليبيا ))
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_ في شارعنا القديم، في الحي اللي كانت أبوابه مفتوحة قبل القلوب، عاشت خمس أمهات عرفتهن المنطقة كلها بالمحبة والستر
والفزعة.الناس كانت تناديهن “الخمس السعادي”، ومن بينهن أمي … المرأة اللي كانت تشوف الناس بعين الرحمة قبل أي شيء.
ما كانش في زمانهن فرق بين بيت وبيت، ولا بين جار وقريب؛ الفرح كان فرح الجميع، والحزن ينزل على الحوش كله .. أول ما تسمع وحدة منهن إن فيه مناسبة أو عرس، تلقاهن من الفجر مجتمعـات، هذه تنقي، وهذه تطيب، وهذه ترتب الصحون، وهذي تبعث الصغار يعطوا الأكل للجيران، لا مواعيد، لا تنسيق، لا تصوير، ولا مكتب طبخ ، ولا حتى انتظار كلمة “شكراً” ……! كل شيء كان يطلع من القلب.
ريحة الطبيخ كانت تعمر الشارع كله … ريحة كسكسي، وعصبان، ومرق، وخبز طايب واصفر الكعك يطلع ساخن من مخبز بوزغيبة .. حتى اللي ما عنده مناسبة كان يفرح بالريحة وكأنه معزوم. كانت البركة في كل شيء، والقليل يكفي الجميع.
ومن أجمل الحاجات اللي كانت في زمانهن “القفة”…………
القفة ما كانتش مجرد كيس نخيل كبير … كانت عنوان للمحبة، وللفزعة، وللرزق اللي يطلع من القلب، يوم تفزع الأم لقريبتها أو لأختها أو حتى لجارتها، تعبي القفة بكل خير البيت، قطعة لحم كبيرة، علبة طماطم، علبة زيت، شوية رز، خضرة خفيفة من طماطم وبطاطا وكسبر ومعدنوس… مصروف كامل يمشي في القفة وكأنه عيد صغير داخل بيت محتاج.
وكانت القفة توصل للناس بالخفاء والحياء، لا تصوير ولا منه .. مجرد فرحة تقول:
“رانا منكم ومعاكم.”
مجرد ما تشوف المرأة قريبتها جايتها وهي شايلة القفة، تفرح كأن الدنيا كلها جتها، لأن القفة ما كانتش أكل فقط … كانت أمان، وكانت مواساة، وكانت شعور إنك مش وحدك.
غابت اليوم القفة … وغابت معها أشياء كثيرة كانت جميلة في الناس.
حتى الملابس كان لها حكاية أخرى من الكرم. والدي، الله يرحمه ويحفظ سيرته، كان يسافر لسويسرا وبعض مناطق أوروبا، ويجيب لنا ملابس جميلة وغالية؛ وحين تصغر علينا الملابس، أمي ما كانتش تخزنها ولا ترميها … كانت تغسلها، وتكويها بعناية، وتطيب ريحتها، ثم تعطيها للجيران أو لأطفال العائلات البسيطة.
وكأنها تقول:
“الرزق ما يحلاش إلا يوم يتقسم”
ولا مرة حسسونا إن الشيء هذا اسمه صدقة أو فضل … بالعكس، كان يتم بمحبة وستر واحترام، حتى اللي ياخذ اللباس يحس بروحه معزز ومقدر.
كنا نعيش في زمن الناس فيه تخاف على خاطر بعضها، الجار يسأل على جاره قبل نفسه، والأخت سند لأختها، والقريب ظهر لقريبه … لو مرضت وحدة، وقفن الباقيات معها .. ولو فرحت وحدة، فرحت البيوت كلها.
وفي ليالي الشتاء، يوم ينقطع الضي وتبرد الدنيا، كانت الأمهات يجتمعن قدام البيوت، يديرن الشاي على الفحم، ويحكن قصص الزمن، والأطفال يلعبوا قدامهن بأمان، لا خوف، لا قلق، فقط دفء الناس.
كبرنا… وتغيرت الأزقة، واختلفت الحياة، لكن صورة الخمس أمهات السعادي ما زالت ساكنة في الذاكرة، ما زالت رائحة الخبز، وصوت الصحون، ولمعة القفة وهي داخلة للحوش، تسكن أرواحنا.
الخمس أمهات لم يكن مجرد نساء في حي قديم … كن وطن صغير من الرحمة، وصورة حقيقية لليبيا الطيبة، ليبيا التي كانت القلوب فيها أوسع من البيوت.
ومن بينهن أمي …
التي كلما تذكرتها، شعرت أن جزءاً من دفء الدنيا ما زال يعيش بداخلي.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
