شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تأتي زيارة سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى موسكو يوم السابع من أغسطس 2025 في توقيت دولي بالغ الدقة، وتُعد امتدادًا لمسار تصاعدي في العلاقات الإماراتية – الروسية، ما يجعل من نتائجها المحتملة أكثر من مجرد بروتوكولات دبلوماسية، بل خطوات عملية تعزز التوجهات الاستراتيجية لكلا البلدين. تشهد العلاقات الإماراتية الروسية نموًا لافتًا، خصوصًا في المجالات الاقتصادية والتجارية والطاقة. فالدولتان تشتركان في تحالف “أوبك+”، ولديهما مصالح مشتركة في تنظيم سوق النفط العالمي، خاصة في ظل اضطرابات الطاقة التي خلفتها الحرب الأوكرانية والعقوبات الغربية على روسيا. وتأتي الزيارة ضمن جهود لتعزيز هذه الشراكة الاستراتيجية، وتوسيع مجالات التعاون في قطاعات أخرى كالتكنولوجيا والاستثمار والقطاع المالي.
تؤدي الإمارات دورًا متصاعدًا كوسيط موثوق به في الأزمات الدولية، لا سيما في الحرب الروسية الأوكرانية. فقد توسطت في عمليات تبادل أسرى بين موسكو وكييف، وحافظت على علاقات متوازنة مع الجانبين. من هذا المنطلق، تحمل زيارة الرئيس الإماراتي إلى موسكو بعدًا دبلوماسيًا مهمًا، إذ يُنتظر أن تفتح قنوات إضافية للحوار، وربما تقدم صيغة أولية لتخفيف التوترات أو تسريع تفاهمات إنسانية إضافية.تأتي الزيارة في أعقاب انضمام الإمارات إلى مجموعة “بريكس” مطلع 2024، وهو تطور استراتيجي يكرّس توجه أبوظبي نحو تنويع شراكاتها الدولية بعيدًا عن الهيمنة الغربية. وتلعب موسكو، باعتبارها أحد أقطاب البريكس، دورًا مهمًا في هذا التوازن الدولي الجديد.
وتُعد هذه الزيارة فرصة لتعزيز التنسيق ضمن إطار البريكس، وتبادل الرؤى بشأن ترتيبات النظام الدولي متعدد الأقطاب. وإن توقيت الزيارة يعكس حرص القيادة الإماراتية على مواكبة التحولات المتسارعة في ميزان القوى العالمي، وعدم الاكتفاء بموقع المتفرج، بل السعي لتكريس الإمارات لاعبًا محوريًا على طاولة السياسة الدولية، عبر الجمع بين الدبلوماسية النشطة والمصالح الاقتصادية والحياد البراغماتي.
أهم الزيارات التي قام بها رئيس دولة الإمارات إلى روسيا
ـ أول زيارة لسمو الشيخ محمد بن زايد كرئيس لدولة الإمارات يوم 11 أكتوبر 2022 ، بعد توليه في مايو 2022. بحث مع بوتين النزاع الأوكراني، وتوسطت الإمارات في تبادل أسرى بعدها مباشرةً .
ـ حضر سمو الشيخ محمد بن زايد، رئيس لدولة الإمارات كضيف شرف في المنتدى الاقتصادي، وأكد حرص الإمارات على تعزيز العلاقات الاقتصادية مع روسيا رغم تأزم العلاقات الغربية معها .
ـ قام سمو الشيخ محمد بن زايد، رئيس لدولة الإمارات بزيارة رسمية في 24 أكتوبر 2024اعتمدت على تعزيز التعاون في الطاقة والتجارة والتقنيات الحديثة، وتزامنت مع قمة البريكس التي عقدت في مدينة قازان.
وكانت زيارة بوتين الرسمية الأولى منذ 2007، وتم التباحث حول التجارة والتعاون الاستراتيجي المتنامي بين البلدين.
دولة الإمارات دورًا متصاعدًا كوسيط موثوق به في الأزمات الدولية
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، وجدت دول العالم نفسها مضطرة لاتخاذ مواقف حادة إما إلى جانب كييف أو موسكو. غير أن الإمارات تبنّت مسارًا مغايرًا، قائمًا على الحياد الدبلوماسي النشط، ما أهلها للعب دور الوسيط الموثوق بين الطرفين.
اتبعت الإمارات منذ اللحظة الأولى للأزمة سياسة متوازنة: فهي لم تصوت ضد روسيا في بعض قرارات مجلس الأمن، لكنها في الوقت ذاته دعمت الجهود الدولية الرامية إلى تخفيف المعاناة الإنسانية في أوكرانيا. هذا التوازن منحها هامشًا استراتيجيًا لتلعب دورًا محوريًا في التوسط بقضايا إنسانية وأمنية بين الجانبين.
هذا الدور ظهر في ملف تبادل الأسرى، فقد رعت أبوظبي أكثر من عملية تبادل بين القوات الروسية والأوكرانية، كان أبرزها في أكتوبر 2022، ثم تكررت في عدة مناسبات لاحقة خلال عامي 2023 و2024. في كل مرة، كانت الإمارات تسهّل العمليات اللوجستية وتوفر الضمانات السياسية للطرفين، بما ساعد في بناء الثقة حول نواياها ونزاهة وساطتها.
الأهمية الكبرى لدور الإمارات لا تنبع فقط من نجاحها في إدارة ملفات تبادل الأسرى، بل من قدرتها على النفاذ إلى طرفين متناقضين سياسياً وعسكرياً. فبينما تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع روسيا، تحافظ أيضاً على شراكة وثيقة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتُعد وجهة آمنة للدبلوماسية الهادئة بعيدًا عن الاصطفافات الصلبة.
حرصت الإمارات على ألا تُقدَّم كوسيط محايد فحسب، بل كمحاور يحظى باحترام كلا الطرفين، ما ظهر جليًا في خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أشاد أكثر من مرة بدور الإمارات في “المساعدة في القضايا الإنسانية”، ووصف علاقاته مع أبوظبي بأنها “علاقات شراكة استراتيجية حقيقية”.
سعت أوكرانيا إلى تعميق التواصل مع القيادة الإماراتية، على أمل أن تسهم أبوظبي في نقل رسائل إلى موسكو، أو على الأقل في تخفيف الأبعاد الإنسانية للصراع، لا سيما ما يتعلق بملف المعتقلين المدنيين، وإعادة الأطفال، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية.
في ظل انسداد الأفق السياسي، وانهيار محاولات التهدئة المباشرة، برزت الإمارات كواحدة من قلائل الدول التي يمكن للطرفين الوثوق بها، دون خوف من انحياز، ودون تحميل أجندة سياسية مسبقة. وهذا ما منحها صفة “وسيط استراتيجي”، لا يُكتفى به في اللحظة الراهنة، بل يُعوّل عليه في المرحلة اللاحقة من إدارة الحرب أو التفاوض على وقفها.
التعاون الأمني بين الإمارات وروسيا
في إطار العلاقات الثنائية المتنامية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وروسيا الاتحادية، يحتل التعاون الأمني مكانة محورية، خاصة في ظل التحديات المشتركة التي تفرضها قضايا الإرهاب الدولي، والتطرف العابر للحدود، والجريمة المنظمة.
وقد شهدت السنوات الأخيرة خطوات ملموسة لتطوير الشراكة بين البلدين في هذا المجال، تمثلت في تبادل الخبرات الأمنية، وتنسيق المواقف في المحافل الدولية المعنية بمكافحة الإرهاب، إلى جانب توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم تتعلق بالتعاون الشرطي وتبادل المعلومات.
وتتقاطع الإمارات وروسيا مصالحهما الأمنية في ملفات حساسة، أبرزها مكافحة تمويل الإرهاب، وملاحقة الجماعات المتطرفة، ودرء مخاطر المرتزقة الأجانب الذين تنقلوا عبر مناطق الصراع مثل سوريا وليبيا وأفغانستان. كما يُنظر إلى التعاون بين الأجهزة الاستخباراتية والشرطية لدى الجانبين على أنه يكتسب طابعًا استراتيجيًا في مواجهة التهديدات غير التقليدية.
وقد تمثلت أبرز صور التعاون الأمني في التنسيق المشترك ضمن أطر العمل التابعة للأمم المتحدة ومجموعة العمل المالي (FATF)، فضلًا عن مساهمة البلدين في تعزيز الأمن السيبراني، ومكافحة الجرائم الرقمية التي باتت أداة مركزية في تمويل الإرهاب وتهريب السلاح والمخدرات.
استفادت الإمارات من الخبرة الروسية في تتبع الشبكات المتطرفة القادمة من آسيا الوسطى، في حين قدمت أبوظبي نموذجًا ناجحًا في سياسات الوقاية من التطرف، وإعادة التأهيل، وهو ما لاقى اهتمامًا روسيًا خلال المشاورات الثنائية. وكانت هناك جهود مشتركة لتأمين الفعاليات الدولية الكبرى، وتبادل التدريب المتخصص في مكافحة الإرهاب، سواء في البيئة الحضرية أو في مواجهة التهديدات الكيميائية والبيولوجية.
إن هذا المستوى من التعاون يعكس رؤية متقاربة بين موسكو وأبوظبي حول طبيعة التهديدات العالمية، وأولوية الأمن كمدخل للاستقرار الإقليمي والدولي، ويعزز مكانة الإمارات شريكًا دوليًا موثوقًا في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة عبر منظومة تعاون تمتاز بالمرونة والتكامل.
تمثل زيارة رئيس دولة الإمارات إلى موسكو محطة جديدة في ترسيخ نهج إماراتي يعتمد على البراغماتية متعددة الاتجاهات، والحياد الإيجابي كأداة لصياغة موقع ريادي في النظام العالمي المتغير. وستبقى العلاقات الإماراتية الروسية مرشحة للمزيد من التوسع، خصوصًا إذا استمرت أبوظبي في لعب دور محوري في التهدئة الدولية، بالتوازي مع تعميق شراكاتها الاستراتيجية في المجالات الاقتصادية والأمنية.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
