ألطاف موتي–(كاتب باكستاني باحث سياسي واقتصادي)
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_كان من المفترض أن يغلق موت جيفري إبستين في زنزانته الفيدرالية عام 2019 صفحة مظلمة من الانحراف الجنائي، لكنه بدلاً من ذلك فتح “صندوق باندورا” من الأسئلة الجيوسياسية التي لا تزال تؤرق المؤسسة الأمريكية. لعقود من الزمن، نشط إبستين في نقطة التقاطع بين الثراء الفاحش، وعالم الموضة، والسياسة العالمية. ومع ذلك، تشير الإفصاحات والتقارير الاستقصائية الأخيرة إلى واقع أكثر خطورة وتعقيداً من مجرد انحراف سلوكي؛ إذ تشير الأدلة المتزايدة إلى عملية استخباراتية محكمة صُممت لاختراق “الدولة العميقة” في أمريكا لخدمة مصالح خارجية، وتحديداً مصالح إسرائيل.
هندسة الاستدراج والإيقاع
لفهم ظاهرة إبستين، يجب النظر إلى ما وراء عناوين الصحف الصفراء؛ فالعملية اتبعت المخطط التقليدي لما يُعرف بـ “مصيدة العسل” (Honey Trap). وهذا تكتيك استخباراتي يتم فيه استدراج الشخصيات إلى مواقف جنسية مخلة، ليتم تسجيل هذه اللقاءات واستخدامها لاحقاً كأداة للابتزاز. بالنسبة لجهاز استخباراتي، لا يتعلق الأمر بالأخلاق، بل بالقدرة على النفوذ والسيطرة.
من خلال استضافة قادة العالم، وأباطرة التكنولوجيا، ورؤساء سابقين في جزيرته الخاصة، أنشأ إبستين قاعدة بيانات مركزية لنقاط الضعف البشرية. وإذا كان هؤلاء المتنفذون قد سُجلوا بالفعل في أوضاع مخلة، فإن قراراتهم المتعلقة بالسياسة العامة لم تعد مستقلة، بل أضحوا أدوات في آلية سيطرة خفية وصامتة.
ظلال الموساد
إن الربط بين إبستين وجهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) ليس مجرد نظرية مؤامرة، بل يستند إلى روابط موثقة. فقد كانت “غيسلين ماكسويل”، الشريكة الرئيسية لإبستين، ابنة “روبرت ماكسويل”، إمبراطور الإعلام الذي دُفن بمراسم رسمية في إسرائيل. وقد صنف العديد من قدامى رجال الاستخبارات ماكسويل الأب كأصل استخباراتي رفيع المستوى لصالح الموساد.
وقد زادت ملفات مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) والمذكرات التي رُفعت عنها السرية مؤخراً من مصداقية هذه الطروحات، حيث ذكرت المذكرات “مصادر بشرية سرية” تزعم أن إبستين كان “جاسوساً مدرباً” و”عميلاً مستقطباً”. كما أن الزيارات المتكررة لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك لمساكن إبستين — والتي بلغت نحو 30 مرة خلال فترة وجيزة — تشير إلى علاقة تتجاوز الدوائر الاجتماعية. في عالم الاستخبارات رفيع المستوى، يعد هذا القرب بين رئيس دولة ومتهم بجرائم جنسية أمراً يثير الريبة بشكل كبير.
توجيه القوة العظمى الأمريكية
يتمثل الهدف الأساسي لعملية كهذه في تطويع السياسة الخارجية الأمريكية لتتماشى مع المصالح الوطنية الإسرائيلية. وهناك مجالات رئيسية شهدت فيها السياسة الأمريكية تحولات حادة ومفاجئة لصالح إسرائيل خلال ذروة نفوذ إبستين:
* استراتيجية إيران: طالما اعتبرت إسرائيل إيران أكبر تهديد وجودي لها. وبينما سعت إدارة أوباما إلى مسار دبلوماسي عبر الاتفاق النووي، كان هناك ضغط هائل من داخل “حكومة الظل” الأمريكية للتخلي عن الاتفاق. وعندما تولت إدارة ترامب السلطة، فعلت ذلك تماماً، حيث انتقلت إلى حملة “الضغط الأقصى” التي كانت انعكاساً لمطالب الحكومة الإسرائيلية.
* الصراع السوري: في سوريا، كان الهدف هو إزاحة نظام الأسد. وتشير التقارير إلى أن إبستين عمل كـ “ميسّر” أو حلقة وصل بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية والروسية، لضمان أن تكون أي حكومة تأتي بعد الأسد محايدة أو صديقة لتل أبيب.
* رابط “سليكون فالي”: كما تكتسب علاقات إبستين العميقة مع قادة التكنولوجيا مثل بيل غيتس أهمية بالغة؛ فمن خلال التأثير على قادة العصر الرقمي، يمكن لجهاز استخبارات خارجي الحصول على وصول غير مباشر للبيانات العالمية وتكنولوجيا المراقبة.
خرق السيادة والثقة
إن تداعيات هذه الروابط تبدو كارثية على مفهوم السيادة الوطنية. فإذا تمكنت قوة خارجية من السيطرة على سلوك الطبقة السياسية الأمريكية عبر الابتزاز، فإن العملية الديمقراطية تصبح هيكلاً فارغاً. وفي هذا السيناريو، لا تصبح “الدولة العميقة” كياناً محلياً، بل شبكة مخترقة تعمل لصالح عاصمة خارجية.
ويرى النقاد أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل هي “صداقة خاصة”، لكن التاريخ يثبت أنه في عالم التجسس لا توجد صداقات، بل مصالح فقط. لقد أثبتت قضية “جوناثان بولارد” في الثمانينيات أن إسرائيل كانت مستعدة لسرقة أسرار أمريكية رفيعة المستوى. ويبدو أن قضية إبستين والموساد هي تطور حديث وأكثر خبثاً لهذا النهج؛ فبدلاً من سرقة الوثائق، ركزت العملية على “سرقة” ولاء الأفراد.
الوضع الراهن
اعتباراً من عام 2026، لا تزال المعارك القانونية المحيطة بتركة إبستين وإدانة ماكسويل تسرب تفاصيل جديدة. ويطالب الجمهور بمعرفة هويات الشخصيات المرموقة (John Does) المذكورة في وثائق المحكمة. وتواجه هذه المطالب مقاومة هائلة، ناتجة على الأرجح عن حقيقة أن العديد من هؤلاء الأفراد لا يزالون يشغلون مناصب في السلطة.
تمثل ملفات إبستين أكثر من مجرد قصة جريمة؛ إنها خارطة طريق توضح كيف يمكن لدولة صغيرة أن تمارس نفوذاً يتجاوز حجمها بكثير من خلال استغلال السقوط الأخلاقي لنخبة القوة العظمى. إن صمت وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية عن الجانب الاستخباراتي في هذه القضية هو أمر لافت، ويوحي بأن النفوذ المكتسب من هذه العملية قد لا يزال فعالاً.
لم يبنِ جيفري إبستين إمبراطوريته من النفوذ في فراغ؛ فالحجم اللوجستي لعملياته — من طائرات خاصة وعقارات دولية وحصانة رفيعة المستوى — يتطلب دعم جهة حكومية. وتشير الأدلة بشكل متزايد نحو جهد مدروس من قبل الاستخبارات الإسرائيلية للحصول على مقعد دائم على طاولة السلطة الأمريكية.
إن هذا يعد بمثابة إنذار لأولئك الذين يؤمنون بالشفافية في الحكم. فعندما تُمتلك الحياة الخاصة للمسؤولين العموميين من قبل أجهزة خارجية، تكون المصلحة العامة هي الضحية الأولى. إن ملحمة إبستين والموساد هي تذكير صارخ بأن أقوى الأسلحة في الجيوسياسة الحديثة ليست الصواريخ أو الدبابات، بل التسجيلات الخفية لـ “وسيط” في قصر بنيويورك.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
