ماريا معلوف
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_شكَّلت زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى السعودية نقطة تحول ملموسة في تاريخ العلاقات العربية الصينية، وفي تاريخ المنطقة بوجه عام، التي اعتبرت أنها تمثل نفوذاً حصرياً للولايات المتحدة بسبب حضورها العسكري الكبير هناك، على مدار العقود العديدة الماضية.
ففي 7 ديسمبر الجاري، شارك الرئيس الصيني خلال زيارته للسعودية، في 3 قمم هي: القمة الأولى “سعودية-صينية”، والثانية “قمة الرياض الخليجية الصينية للتعاون والتنمية”، والثالثة “قمة الرياض العربية الصينية للتعاون والتنمية”، والتي اعتُبرت جميعُها تأسيساً لمرحلة جديدة في العلاقات العربية الصينية. فقد تم توقيع عشرات الاتفاقيات التجارية والاقتصادية والعسكرية التي تصل قيمتها إلى عشرات المليارات من الدولارات.
على الرغم من أن العلاقات الصينية مع السعودية ومنطقة الخليج، بدأت منذ عقود لتأمين احتياجات بكين المتنامية من الطاقة، إلا أن العلاقة تعمقت بقوة خلال السنوات الأخيرة لتمتد إلى مشاريع البنية التحتية ونقل التكنولوجيا ومبيعات الأسلحة. وتُعد الصين أكبر شريك تجاري للمملكة العربية السعودية، إذ تجاوزت الصادرات السعودية إلى الصين 50 مليار دولار العام الماضي، وهو ما يُمثل أكثر من 18% من إجمالي صادرات المملكة. كما نمت تجارة الصين مع جميع الدول العربية إلى 330 مليار دولار العام الماضي بمعدل نمو سنوي بلغ 37%.
وتشارك غالبية الدول العربية في مبادرة “الحزام والطريق”، كما أن الكثير من رؤى التنمية العربية ترتبط بتلك المبادرة. على سبيل المثال رؤية مصر 2030، وكذلك رؤية المملكة العربية السعودية، وهذا محور مهم للتعاون مستقبلاً.
وتحتل بكين المركز الأول كأكبر شريك تجاري لدول مجلس التعاون منذ عام 2020، فيما تتصدر دول الخليج قائمة الموردين للطاقة، وتحتل مكانة مهمة في مبادرة الحزام والطريق الصينية ولا سيما بامتلاكها موانئ نقل المنتجات الصينية نحو العالم، بالتزامن مع وجود رؤى اقتصادية خليجية توازي الخطة الصينية وترغب في الاستفادة منها. وتعد مبادرة الحزام والطريق، التي تم إطلاقها في عام 2013 باعتبارها استراتيجية السياسة الخارجية المميزة للرئيس شي، هي الإطار الأساسي لتوسيع النفوذ الصيني في الشرق الأوسط.
ورغم أن العلاقات الاقتصادية الخليجية مع الصين لا تزال ترتكز على المصالح ذات الصلة بالطاقة، فقد اتسعت العلاقات الثنائية في ظل النهضة الخليجية فيما يتعلق بالبنية التحتية والتكنولوجيا، وهي جزء من خطط التنويع التي تكتسب أهمية مع سعي العالم للابتعاد عن الوقود الأحفوري.
وعلى هذا النحو، أبرمت الصين اتفاقية تعاون نووي مع المملكة السعودية في عام 2012، “للأغراض السلمية”، بما في ذلك تطوير المفاعلات وبناء محطة للطاقة.
وبشكل عام، ترى الدول العربية أن الصين شريك قوي في التحديات، فعندما وقعت جائحة كورونا كانت الإمارات شريكاً قوياً للصين في تصنيع وتوزيع اللقاحات، وكذلك الحال بالنسبة لمصر التي صنّعت اللقاح الصيني.
في ظل توجه السياسة الخارجية الأميركية الراهن لجعل الشرق الأوسط أقل أولوية مع تركيز قدرات واشنطن الدبلوماسية والعسكرية على آسيا وأوروبا، وتزايد التقارب الصيني مع المنطقة؛ أثارت زيارة الرئيس الصيني الأخيرة للسعودية حفيظة البيت الأبيض، ممَّا دفع الولايات المتحدة لتحذير السعودية كشريك استراتيجي لها بالمنطقة، من أن محاولة بكين توسيع نفوذها في العالم لا تتناسب مع النظام الدولي القائم.
ويرى الكثير من محللي العلاقات الدولية أن العلاقات العربية تتجه في مسار متوازٍ مع الصين والولايات المتحدة، وتحاول الدول العربية الحفاظ على مساحات متوازنة مع الدول الكبرى، ولا تميل لطرف على حساب آخر. ويعني ذلك أن التعاون العربي-الصيني لن يكون على حساب التعاون مع الولايات المتحدة، لأن التعاون مع بكين يركز بشكل كبير على الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية والتنموية، وهذا الأمر بعيد عما تتشاركه الدول العربية مع الولايات المتحدة التي تركز على الجوانب الاستراتيجية والأمنية في الشرق الأوسط.
وبتتبع المسار الصيني في المنطقة، يُمكن القول إن الصين تطور علاقاتها مع دول منطقة الشرق الأوسط ليس من أجل تحقيق الهيمنة السياسية أو المواجهة مع دولة أخرى في هذه المنقطة، بل لتعزيز تعاونها التجاري مع دول المنطقة في المجالات المختلفة على أساس المساواة والمنفعة المتبادلة.
فقد تمكنت الصين بمهارة من بناء علاقات دبلوماسية واقتصادية قوية مع الدول المعادية لبعضها البعض في المنطقة مع تجنب الانزلاق إلى تحدياتها السياسية. وتحتفظ بكين بعلاقات جيدة مع خصم الرياض الإقليمي طهران، كما أنها لا تكترث بالانخراط في معالجة المخاوف السياسية أو الأمنية السعودية في المنطقة.
فعلى الرغم من الأحداث الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في العقود الأخيرة وتمكن إيران من توسيع نفوذها في المنطقة العربية، مما جعل الولايات المتحدة حليفاً غير موثوق به، بالإضافة إلى ما حدث عام 2019 عندما استهدفت إيران 20 موقعاً بترولياً في عدة مناطق بالمملكة العربية السعودية؛ فإن العلاقات السعودية الأميركية ليست قابلة للمقارنة. وحتى في ظل نمو العلاقات السعودية مع الصين مؤخراً بسرعة أكبر بكثير من العلاقات مع الولايات المتحدة لتحقيق مكاسب اقتصادية دون التوترات التي انعكست على العلاقات مع واشنطن؛ إلا أن علاقات الرياض مع بكين لم تصل إلى مرحلة العلاقات مع واشنطن من حيث التعقيد والتاريخ والتفاهم.
ونظراً للعلاقات التاريخية والاستثمارات المتعددة بين الدول العربية وواشنطن، فإنه من الصعب أن تحل بكين محل واشنطن كقوة عسكرية عالمية، بل إنَّ تطور العلاقات يمكن اعتباره تكيفاً مع الواقع العالمي الراهن، للاستفادة من قدرات كل الأطراف، بما يضمن النماء والتقدم الاقتصادي، إضافة إلى تعزيز الأمن الاستراتيجي. وبشكل عام، ترحب دول الخليج بالخيارات البديلة، لكن العلاقة مع واشنطن من الصعب استبدالها.
وفي الختام، لا شك أن نفوذ الصين في المنطقة يتزايد في ظل اتجاه الولايات المتحدة لجعل الشرق الأوسط أقل أولوية، مع تركيز مواردها وقدراتها الدبلوماسية والعسكرية نحو آسيا وأوروبا. وقد مثَّلت القمم الثلاث الأخيرة بالرياض أهمية قصوى لتعزيز العلاقات الصينية العربية في إطار الواقع العالمي المعاصر الذي يميل نحو القطبية المتعددة بشكل متزايد.
سكاي نيوز
