الأربعاء. مارس 11th, 2026
0 0
Read Time:6 Minute, 4 Second

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_نشبت أزمة سياسية بين تركيا وفرنسا على إثر انتقاد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في 10 يناير 2025، الموقف الفرنسي المعارض للتحركات العسكرية للفصائل الموالية لتركيا ضد الإدارة الذاتية الكردية شمال شرق سوريا، ومطالبتها فرنسا باستعادة مواطنيها من الدواعش المقيمين بمخيم الهول السوري، وهو ما دفع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو للرد في 11 يناير 2025، وتأكيده أن هؤلاء المقاتلين الفرنسيين “ينبغي إبقاؤهم حيث ارتكبوا جريمتهم، في ظل مراقبة الأكراد”. وفي دلالة على توتر العلاقات بين البلدين بشأن الملف السوري، وتباعد المواقف السياسية بين الطرفين، أبدت أنقرة امتعاضاً من تحذير باريس الحكومة السورية الجديدة من أن تعيينها “مقاتلين أجانب” ضمن الهياكل العسكرية الرسمية أو مناصب أمنية عليا، يمثّل مصدر قلق أمنياً ويسيء لصورتها، ويضع محاذير أمام جهود لإقامة علاقات مع دول أجنبية.

أبعاد التوتر

ثمة جملة من الأبعاد المحورية المرتبطة بتصاعد حدة التوتر بين تركيا وفرنسا في التوقيت الحالي، ويتمثل أبرزها فيما يلي:

1- سعي تركيا لتهميش شرعية الموقف الفرنسي بشأن أكراد سوريا: سعت تركيا خلال الآونة الأخيرة إلى تهميش الحضور الفرنسي بشأن ملف العناصر الكردية شمال شرق سوريا، وتجلى ذلك في توجيه انتقادات شديدة إلى السياسات الفرنسية تجاه الإدارة الذاتية الكردية. وعلى ضوء ذلك، يمكن فهم تصريحات وزير الخارجية التركي في 9 يناير 2025، والتي عبرت عن رفض أنقرة للتحركات الفرنسية في شمال سوريا، ولا تريد لها دوراً في مناطق قسد، باعتبار ذلك يمثل عائقاً أمام أيّ حلٍ عسكري شامل، ويخلق مزيداً من الحواجز السياسية والعسكرية أمام الأتراك للقضاء على “قسد” والوحدات الكردية. وكان وزير الخارجية التركي قد أكد أن بلاده لا تعطي اعتباراً للدول التي تحاول تعزيز مصالحها في سوريا، في إشارة إلى باريس. وأضاف أن الولايات المتحدة تشكل “المُحاور الوحيد” لبلاده بشأن التطورات في شمال شرقي سوريا.

2- الضغط على باريس لسحب مواطنيها من الدواعش: تمارس تركيا ضغوطاً على فرنسا في التوقيت الحالي لسحب مقاتليها المنتمين إلى تنظيم “داعش”، والمحتجزين في مخيم الهول شمال شرق سوريا. وأكدت أنقرة طوال الأيام التي مضت أن فرنسا لا تأخذ في الحسبان أمن تركيا بشأن قضية الإرهابيين الأجانب في سوريا، كما أكد وزير الخارجية التركي أن ساسة باريس “لديهم سياسة لا تقوم على إعادة السجناء من داعش إلى بلدهم، لا يأبهون لأمننا، يجعلون الأولوية دائماً لمطالبهم الخاصة”.

3- انتقاد باريس السياسات التركية على الساحة السورية: تنظر فرنسا إلى مساعي تركيا لتحييد تحركاتها على الساحة السورية، وبخاصة بشأن ملف الإدارة الذاتية الكردية، بقلق وتوتر، كما تعتبر باريس ضغوط تركيا عليها لاستعادة المقاتلين المنتمين لــ”داعش” إشارة تركية لمحاولة تشويه الصورة الذهنية لفرنسا، وربما دفع ذلك باريس في 11 يناير 2025 إلى تصعيد الأزمة مع الجانب التركي، ولا سيما في ظل حرص السلطات الفرنسية على تأكيد شرعية تحركاتها تجاه الإدارة الذاتية الكردية.

وهنا، يمكن فهم تصريحات وزير الخارجية الفرنسي، الذي قال: “إن هؤلاء المقاتلين الفرنسيين المحسوبين على داعش، ينبغي إبقاؤهم حيث ارتكبوا جريمتهم، في ظل مراقبة الأكراد”، وتابع: “أن مصالح بلاده وتركيا تكمن إلى حد بعيد في ضمان استقرار سوريا وسيادتها ووحدتها”.

4- تحركات باريس لزيادة وجودها العسكري في مناطق سيطرة “قسد”: يعتبر التقارب الفرنسي مع مجلس سوريا الديمقراطية شمال شرق سوريا أحد المحاور الرئيسية للتوتر بين باريس وأنقرة، والذي وصل إلى الذروة بعدما كشفت عدة تقديرات عن توجه باريس خلال الآونة الأخيرة وبعد سقوط نظام الأسد نحو زيادة حضورها العسكري والسياسي في قواعدها وفي مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” شمال شرق سوريا، وتطوير قدرات قاعدتيها “كونيكو” و”العمر” في ريف دير الزور الشمالي، إلى جانب قواعد أخرى في الحسكة، وذلك في محاولةٍ لتحييد التحركات العسكرية للفصائل الموالية لتركيا التي أطلقت عملية “فجر الحرية” منذ 30 نوفمبر 2024 ضد قوات “قسد”، أو على الأقل فرض منطقة عازلة بين الجانبين. ويشار إلى أن “قسد” أعلنت في يناير 2025 وللمرة الأولى عن امتلاكها طائرات مسيرة قاذفة فرنسية الصنع، تُستخدم في المعارك الحالية في محيط سد تشرين وجسر قرقوزاق بريف حلب الشمالي الشرقي.

5- تناقضات العلاقات بين باريس وأنقرة في ملفات مختلفة: ساد توتر مكتوم بين الطرفين خلال الفترة الماضية؛ إذ أشارت تقارير عديدة إلى انتقاد فرنسا للتحركات التركية شرق المتوسط، كما اعتبرت التحركات التركية للتنقيب عن مكامن الطاقة قبالة سواحل قبرص واليونان وقبالة السواحل الليبية غير قانونية. وفي المقابل، انتقدت تركيا الرفض الفرنسي للحاق أنقرة بالعضوية الأوروبية.

مآلات محتملة

يشير التوتر الحاصل بين أنقرة وباريس إلى أن ثمة جملة من التداعيات المحتملة على أكثر من صعيد. وبوجه عام يتوقف مستقبل العلاقات بين الطرفين على بعض المحددات المتمثلة في:

1- استمرار الدعم الفرنسي للأكراد في سوريا: تشير العديد من التقديرات إلى أنه في حال فشل تقريب وجهات النظر بين البلدين فيما يخص الملف الكردي في سوريا، فربما يدفع ذلك نحو تصعيد محتمل خلال الفترة المقبلة، وهو ما يعني زيادة الضغوط التركية لمحاصرة الوجود الفرنسي على الساحة السورية. ويبدو هذا السيناريو مرجحاً لثلاثة اعتبارات مهمة، أولها: أن باريس في رؤية أنقرة تمثل جبهة ضغط على المصالح التركية شمال شرق سوريا، وهو ما يفسر إعلان تركيا صراحة رفض أي دور فرنسي بخصوص الملف الكردي. وثانيها: زيادة الاهتمام الفرنسي بملف “قسد” من خلال تأكيد الرئيس إيمانويل ماكرون أن بلاده “لن تتخلّى عن المقاتلين الكرد الذين كانوا شركاء في الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي”. وثالثها: كثافة التحركات الفرنسية بعد سقوط الأسد لتثبيت الوجود السياسي للإدارة الذاتية الكردية، وهو ما تجلى في دفع باريس بعدد من المعارضين السوريين إلى الانخراط في الحراك السياسي مع “مجلس سوريا الديمقراطية”، الذراع السياسية لـ”قسد”، لتشكيل جسم سياسي للمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني المزمع عقْده في دمشق قريباً.

2- حدود تأثير ملف الاقتصاد والهجرة على العلاقات الثنائية: قد يتجه البلدان خلال المرحلة المقبلة، نحو ضبط الخلاف الحالي بشأن الملف الكردي، وعدم الوصول بالعلاقة إلى حد القطيعة بالنظر إلى المصالح المشتركة في العديد من الملفات الاستراتيجية، وفي الصدارة منها العلاقات الاقتصادية المشتركة، والتي تصل إلى أكثر من 20 مليار دولار، بالإضافة إلى قضايا الهجرة غير النظامية التي تمثل تحدياً مشتركاً. فضلاً عن زيادة زخم التعاون بين البلدين في مجال المناخ، بعد توقيع تركيا في نهاية العام 2021 على اتفاقية باريس للتغيير المناخي.

3- تأثير التعاون الدفاعي وقضية الوجود في أفريقيا على العلاقات الثنائية: إذ إن ثمة تعاوناً دفاعياً بين البلدين في إطار حلف الناتو. علاوة على ذلك، فإن باريس ربما تبدو بحاجة خلال المرحلة المقبلة لتعزيز فرص التعاون مع تركيا في القارة الأفريقية بعد تراجع نفوذ فرنسا على خلفية الانقلابات العسكرية التي شهدتها بعض دول الساحل والصحراء في العامين الماضيين، والتي انتهت بطرد القوات الفرنسية مقابل صعود لافت للنفوذ التركي.

4- مدى إمكانية توصل الدولتين إلى توافق بشأن شمال سوريا: من المتوقع أن تساهم رغبة البلدين في تعزيز حضورهما على الساحة السورية الجديدة، وتأمين مصالحهما بعد سقوط نظام الأسد، في أن يتجها معاً إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة في شمال سوريا، من خلال وقف العمليات العسكرية ضد قوات قسد الكردية، والاتفاق على بناء منطقة عازلة بين مناطق نفوذ الفصائل الموالية لتركيا ومناطق الإدارة الذاتية الكردية.

ويبدو هذا السيناريو محتملاً في ظل تراجع باريس عن دعم صياغة حكم ذاتي للأكراد مقابل دعمها لانخراط الكرد في معادلة الحكم الجديدة في سوريا، وأن يكونوا جزءاً من دولة سوريا الموحدة. كما أن تركيا رغم إصرارها على تقطيع أوصال مشروع الإدارة الذاتية الكردية، فإنها تعي مخاطر الاستمرار في عسكرة الأزمة شمال سوريا، باعتبار ذلك يزيد من الضغوط المالية والعسكرية على الموازنة والجيش التركي.

احتواء التوتر

ختاماً، يمكن القول إن الأزمة الحالية بين باريس وأنقرة بشأن الملف الكردي السوري، ستُلقي بظلالها على آفاق ومجالات التعاون المشترك المستقبلية على كافة المستويات، وهو ما سيكون لها تداعيات مباشرة على حجم وكثافة التنسيق البيني بين البلدين، إلا أن ذلك لا يعني وصول العلاقة إلى حد القطيعة، فثمة مصالح مشتركة قد تدفع البلدين نحو معالجة الملفات الشائكة على الساحة السورية.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code