” الوطن “
الوطن ليس خريطةً
ولا حدودًا مرسومةً
بأقلام الجنرالات.
الوطن
هو أن تناديك أمّك باسمك الأول
فتعود طفلاً
ولو كنت في أقصى المنافي.
الوطن
رائحة الخبز عند الفجر،
وصوت الماء
حين يمرّ في ذاكرة الحقول.
هو شجرة زيتون
تتذكّر أيدي الجدود،
وتحفظ في جذورها
حكايات المطر.
نمشي بعيدًا…
لكن الطريق
يبقى معلقًا في قلوبنا
كجرسٍ خفي
كلما دقّ
ارتجف الحنين.
يا وطني،
لسنا غرباء عنك
حتى لو تباعدت المدن
بيننا وبين ترابك.
فنحن نحملك
كما تحمل السماء نجومها:
لا تراها دائمًا،
لكنها هناك
تضيء العتمة.
وإذا سألني الليل
من أنا؟
أقول:
أنا ابنُ تلك الأرض
التي تعلّمتُ منها
أن الكرامة شجرة،
وأن الحب
أولُ أشكال الحرية.
على هذه الأرض
يمشي القلبُ حافيًا
كي لا يوقظ وجع الحجارة.
وأقول للوطن:
تمهّل قليلًا…
فنحن ما زلنا نتعلّم
كيف نحملك
دون أن تنكسر فينا المسافات.
في غزة
يقف البحر حارسًا للذاكرة،
يغسل تعب الأيام
ويعيد للسماء
لونها الذي سرقته الحرائق.
وفي نابلس
يصعد الجبل
كأنه صلاةٌ طويلة،
تحرسها رائحة الصابون
وأغاني العائدين من الحقول.
أما جنين
فتكتب اسمها
بمداد الصبر،
وتعلّق على باب الريح
رايةً من عناد.
وفي الخليل
تمشي الحجارة ببطءٍ
كأنها تحفظ سرّ الأنبياء،
وتهمس للأزقة:
لا تخافي…
فالعمر أقصر من أن يهزم ذاكرة الأرض.
وهناك…
في القدس
تجلس السماء على كتف التاريخ،
وتضيء القباب
كأنها نجومٌ نزلت لتطمئن القلب.
يا وطني،
يا مدن الملح والدمع والخبز،
نحن الذين كلما ابتعدنا
اقتربنا أكثر.
نحملك في الحنين
كما يحمل الغيم ماءه،
لا يراه أحد
لكن المطر يعرف الطريق.
فإذا ضاقت بنا المنافي
فتحنا نوافذ القلب
ودخلت المدن
واحدةً…
واحدة.
وعند الفجر
حين يتعب الليل من الحصار،
سنقول للأرض:
نحن هنا…
مثل الزيتون،
نميل قليلًا مع الريح
لكننا
لا نسقط.
صفوح صادق-فلسطين
