السبت. يونيو 13th, 2026
0 0
Read Time:8 Minute, 15 Second

عبد الله جمال

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_تشهد منطقة آسيا الوسطى تحولاً جوهرياً في بنيتها الجيوسياسية، يتجلى في تقارب استراتيجي متسارع مع الصين، مما يعكس تغيراً أعمق في موازين القوى الإقليمية والدولية؛ إذ يُعدّ انعقاد “قمة الصين وآسيا الوسطى 2025” في العاصمة الكازاخية أستانة في 17 يونيو 2025، تتويجاً لمسار تصاعدي في العلاقات بين الطرفين، وبمثابة تجسيد لمستوى غير مسبوق من التنسيق السياسي والاقتصادي والاستراتيجي، خاصة في ضوء انعقادها في سياق إقليمي وعالمي متقلب، إذ تتزامن مع استمرار الحرب الأوكرانية وبقاء تبعات التصعيد الإيراني – الإسرائيلي،وتداعيات الانسحاب الغربي من المنطقة، مما خلق فراغاً جيوسياسياً تسعى بكين إلى ملئه بقوة وفاعلية. وفي ظل هذه الديناميكيات، تبدو القمة محطة مهمة في تعزيز تموضع الصين كقوة خارجية رئيسية تمتلك رؤى طويلة المدى تجاه أمن وتنمية آسيا الوسطى، في وقت باتت فيه هذه المنطقة ساحة صراع على النفوذ بين القوى الكبرى.

توافق آسيوي

خلال العامين المنصرمين منذ قمة مايو 2023 الأولى، قطعت العلاقات الصينية مع دول آسيا الوسطى خطوات واسعة، ولا سيما في مجالات التكنولوجيا والتجارة، لتصل إلى مستوى نوعي جديد يبشر بمرحلة أكثر طموحاً. ويمكن فهم أبعاد انعقاد هذه القمة عبر المحاور التالية:

1- احتدام التنافس الدولي على آسيا الوسطى: تحولت آسيا الوسطى، التي طالما وصفت بأنها منطقة هامشية في النظام الدولي، إلى مركز حيوي يشهد صراعاً متصاعداً بين القوى الكبرى؛ فبفضل ما تختزنه من موارد طبيعية هائلة تشمل النفط، والغاز، واليورانيوم، والمعادن الأرضية النادرة، أصبحت آسيا الوسطى في قلب ما يشبه “لعبة كبرى جديدة”، تشارك فيها الصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، وقوى أخرى مثل تركيا والهند. وبينما تظل روسيا لاعباً مركزياً، لا سيما من خلال ترتيبات أمنية تضم دول المنطقة عبر منظمة معاهدة الأمن الجماعي، فإن الاستراتيجية الصينية القائمة على الاستثمارات “غير المشروطة” أثبتت أنها أكثر جاذبية من حيث المرونة والجدوى.

2- محاولة بكين تجاوز الحضور الأمريكي والأوروبي في آسيا الوسطى: انعقدت القمة في وقت تشهد فيه المنطقة تراجعاً في الحضور الأمريكي، حيث تراجعت ميزانيات التنمية الأمريكية، بما في ذلك تقليص تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، فضلاً عن فتور ملحوظ في الانخراط الدبلوماسي لواشنطن. في المقابل، كان هناك اهتمام أوروبي متزيد؛ إذ قامت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بزيارة رسمية للمنطقة في مايو الماضي، كما سبقتها زيارة بارزة لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في أبريل الماضي، ضمن محاولات أوروبية لمنافسة الحضور الصيني المتزايد في قلب أوراسيا.

3- ارتقاء الصين من شريك اقتصادي إلى محور استراتيجي إقليمي: شهدت العلاقات الصينية مع آسيا الوسطى تحولاً نوعياً، من مجرد تعاون اقتصادي إلى استراتيجية شاملة ترتكز على شراكة جيوسياسية أوسع نطاقاً؛ فقد باتت المنطقة تمثل حجر الزاوية في مبادرة “الحزام والطريق”، التي أطلقها الرئيس شي جين بينج عام 2013 من العاصمة الكازاخية نفسها، في دلالة رمزية على الأهمية الخاصة التي توليها بكين لهذه المنطقة. وفي خطابه أمام القمة، أكد الرئيس الصيني على مبادئ أربعة هي: الاحترام المتبادل، والثقة المتبادلة، والمنفعة المتبادلة، والمساعدة المتبادلة، مقدماً رؤية متكاملة لما وصفه بـ”التحديث المشترك” من خلال نمو اقتصادي عالي الجودة. وبهذا، بعثت بكين برسالة واضحة مفادها أنها لم تعد تلعب دور المستثمر فحسب، بل باتت قوة إقليمية فاعلة تصوغ التوازنات وتعيد تشكيل بنية العلاقات في أوراسيا.

4- تنامي العلاقات التجارية بين الصين ودول آسيا الوسطى: أحرزت الصين تقدماً ملحوظاً على الساحة الاقتصادية في آسيا الوسطى، حيث تمكنت من تجاوز روسيا لتصبح الشريك التجاري الأول لدول هذه المنطقة، وهو تحول استراتيجي تسارع مع تصاعد الأزمة الروسية الأوكرانية. فقد حققت العلاقات التجارية قفزة هائلة، إذ بلغ حجم التبادل التجاري في عام 2024 نحو 95 مليار دولار. وتسعى الصين إلى تنويع سلال التجارة الثنائية واستهداف دعم الصادرات ذات القيمة المضافة من دول آسيا الوسطى، وخفض الحواجز التجارية والإجرائية؛ وقد طُرحت ضمن محاور القمة مبادرات لتسهيل إجراءات التأشيرات لرجال الأعمال، بما يسهم في تسريع التبادلات التجارية وتعزيز الحراك الاقتصادي بين الجانبين، وخلق بيئة أعمال أكثر نشاطاً وتكاملاً في الإقليم.

5- شراكة متنامية في مجال الطاقة: خلال اللقاءات الثنائية التي عقدت على هامش القمة، جدد الرئيس الصيني شي جين بينغ التزام بلاده بتوسيع آفاق التعاون مع دول آسيا الوسطى في مجالات الطاقة التقليدية والنظيفة، وذلك في إطار استراتيجية طموحة تهدف إلى ترسيخ النفوذ الاقتصادي الصيني وضمان الأمن البيئي على المدى البعيد. هذا ويعد خط أنابيب الغاز بين الصين وآسيا الوسطى، الذي يمر عبر تركمانستان وأوزبكستان وكازاخستان، أول مشروع من نوعه يربط الصين مباشرةً بمصادر الطاقة في آسيا الوسطى، وقد نقل أكثر من 500 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى الصين منذ بدء تشغيله في 2009.

وفي السياق ذاته، تشهد الشركات الصينية توسعاً ملحوظاً في استثمارات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح داخل آسيا الوسطى، ضمن إطار التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة؛ حيث يعد مشروع “زاناتاس” لطاقة الرياح في كازاخستان نموذجاً رائداً لهذه الشراكة، حيث يولد حوالي 350 مليون كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنوياً، وهو ما يكفي لتغطية احتياجات ملايين المنازل بجنوب كازاخستان.

6- الاستجابة للتحولات الجيوسياسية العالمية: انعقدت قمة الصين وآسيا الوسطى في وقت بالغ الحساسية على الساحة الدولية، وسط تصاعد واضح للتوترات بين إسرائيل وإيران، التي انعكست آثارها بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية وعلى استقرار ممرات التجارة الدولية. وفي ظل هذا المناخ الإقليمي والدولي المعقد، حرصت الصين على أن تكون القمة منصة متكاملة لا تقتصر على توثيق علاقاتها الإقليمية وتعزيزها، بل تتجاوز ذلك لتقديم نفسها كقوة توازن واستقرار قادرة على مواجهة التحديات الأمنية عبر شراكات بناءة بدلاً من اللجوء إلى التدخلات المباشرة أو التصعيد العسكري.

وقد حملت هذه القمة، التي سبقت قمة مجموعة الدول السبع في كندا بعدة أيام، رسالة دبلوماسية تتجاوز الإقليم إلى المستوى العالمي؛ إذ حرصت بكين على تقديم رؤية بديلة لنموذج التعاون الدولي، رؤية ترتكز على مفاهيم التعددية، وعدم الهيمنة، والاحترام المتبادل.

تجديد الصداقة

أفضت القمة بين الصين ودول آسيا الوسطى إلى عدد من النتائج الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1- ترسيخ مبادئ حسن الجوار والتعاون الدائم: من أهم المكاسب السياسية التي نتجت عن القمة توقيع معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون الدائم بين الصين وجمهوريات آسيا الوسطى الخمس، الأمر الذي يعكس نية واضحة لإقامة شراكة استراتيجية طويلة الأجل لا تقتصر على أبعاد التعاون التقليدي، بل تؤسس لتكتل إقليمي مستقر يقوم على توافق المصالح والثقة المتبادلة. كما تكرس هذه المعاهدة التزاماً واضحاً من الدول الست بمبادئ أساسية مثل: الامتناع عن العدوان، وحل الخلافات بالوسائل السلمية، واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، إلى جانب دعم تطلعات كل دولة في تحقيق التنمية المستقلة دون تدخل خارجي. وقد جاءت لغة المعاهدة غير تقليدية، إذ استخدمت تعبيرات مثل “الصداقة الأبدية”، في دلالة على عمق الالتزام السياسي والرغبة في ترسيخ الثقة المتبادلة.

2- التوافق على تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري: أكد وزير الخارجية الصيني أن أبرز ما يميز قمة 2025 هو اتفاق القادة على اعتبار عامي 2025 و2026 بمثابة عامين للتنمية عالية الجودة للتعاون بين الصين وآسيا الوسطى، ما يعكس توجهاً جماعياً نحو تحقيق نمو نوعي ومستدام في العلاقات الاقتصادية. وقد أسفرت القمة عن أكثر من مائة اتفاقية رسمية، تنوعت بين اتفاقيات ثنائية، وأطر تعاون إقليمي، ومبادرات مشتركة في إطار مبادرة الحزام والطريق. وكان من أبرز النتائج توقيع خطة العمل المشتركة للتعاون عالي الجودة ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق، وتُعنى بتوحيد الجهود في مجالات تطوير البنية التحتية، وتنسيق سلاسل التوريد، وتعزيز تجارة الطاقة عبر أوراسيا.

وتضمنت المشاريع التي تم الإعلان عنها في القمة، مشروع خط سكة حديد يربط الصين بقيرغيزستان وأوزبكستان بتكلفة تقدر بـ8 مليارات دولار، ومن المقرر أن يبدأ العمل فيه منتصف عام 2025. كما أعلنت مجموعة “إيست هوب” الصينية عن خطط لبناء مجمع صناعي ضخم لصهر الألومنيوم في كازاخستان باستثمار يقدر بـ12 مليار دولار. إلى جانب ذلك، شملت المشروعات توسعة التعاون مع تركمانستان في مجال الغاز الطبيعي، وتعزيز البنية التحتية المرتبطة بالتحول إلى الطاقة الخضراء، ودعم قطاع التعدين في طاجيكستان، ولا سيما ما يتعلق بالليثيوم والمعادن الأرضية النادرة.

3- طرح مبادرات ثقافية وتعليمية: لم تقتصر فعاليات القمة على الجانب الاقتصادي والسياسي فحسب، بل برزت الدبلوماسية الثقافية والتعليمية كأحد محاورها الجوهرية؛ فقد أعلن الرئيس شي عن افتتاح ثلاثة مراكز تعاون رئيسية تعكس توجهاً صينياً متجدداً نحو الشراكة الناعمة، وهي: مركز للحد من الفقر، ومركز للتبادل التعليمي، ومركز لمكافحة التصحر. وتعهدت الصين بمنح 3000 فرصة دراسية وتدريبية للمهنيين من دول آسيا الوسطى خلال العامين المقبلين، في مبادرة تهدف إلى بناء روابط معرفية وإنسانية تعزز من أواصر التفاهم بين الشعوب.

4- توجيه انتقادات للنهج الأمريكي في فرض التعريفات الجمركية: في معرض كلمته أمام القمة، استغل الرئيس شي جين بينج المنصة لتوجيه انتقاد صريح إلى السياسات التجارية الأمريكية، خاصة ما يتعلق بالحروب التجارية والتعريفات الجمركية التي تفرضها واشنطن على دول عديدة، ومن بينها كازاخستان التي طالتها رسوم جمركية أمريكية بنسبة تصل إلى 27%. وأكد شي أن هذه الممارسات لا تنتج رابحين، بل تضر جميع الأطراف على المدى الطويل.

5- تنسيق آليات التعاون الأمني: على الصعيد الأمني، أفضت القمة إلى إعلان أستانة، وهو وثيقة سياسية مهمة تلزم الدول الست بتكثيف جهودها المشتركة في التصدي لما يُعرف بـ”الشرور الثلاثة”: الإرهاب، والانفصالية، والتطرف. كما شمل الإعلان تعهدات بمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتعزيز آليات التصدي للجرائم الإلكترونية والاتجار غير المشروع بالمخدرات. وشددت الصين على أن تحقيق الأمن الإقليمي يجب أن يتم من خلال إطار تعاوني ومتعدد الأطراف، داعمةً في ذلك دور منظمة شنغهاي للتعاون، إلى جانب إرساء آليات ثنائية جديدة لإنفاذ القانون. وفي السياق ذاته، أكدت بكين دعمها المبدئي لسياسة الحياد الدائم التي تنتهجها تركمانستان، وأعلنت عن التزامها بسيادة طاجيكستان وسلامة أراضيها، كما أكدت استعدادها لتقديم الدعم الفني والتدريب لقوات قيرغيزستان في مجال مكافحة الإرهاب.

6- مأسسة أطر التقارب بين الصين وآسيا الوسطى: أبرزت القمة التوجه الاستراتيجي نحو مأسسة العلاقات بين الصين ودول آسيا الوسطى، من خلال التأكيد على استمرارية آلية “قمة الصين وآسيا الوسطى” كإطار دائم للتشاور والتنسيق. وتم الاتفاق على عقد القمة بصفة دورية كل عامين، بالتناوب بين الصين وإحدى دول المنطقة، على أن تكون القمة المقبلة في عام 2027 داخل الأراضي الصينية، مع الالتزام بمتابعة نتائج هذه القمم عبر الأمانة العامة الدائمة التي تم إنشاؤها في مدينة شيآن، الأمر الذي يعد بمثابة تأسيس لبنية مؤسسية تمكن الصين من الحفاظ على حضور دائم وتأثير منظم في الشؤون الإقليمية.

خلاصة القول، تجاوزت قمة الصين وآسيا الوسطى لعام 2025 مجرد كونها حدثاً دبلوماسياً تقليدياً، لتتحول إلى محطة محورية لإعادة رسم ملامح التوازن الجيوسياسي في الفضاء الأوراسي. فعلى المستوى السياسي، أرست القمة معايير جديدة لبنية إقليمية قائمة على الشراكة طويلة الأمد والتفاهم المتبادل. وعلى الصعيد الاقتصادي، قدمت مجموعة من المشروعات الكبرى التي أعادت تشكيل بنية التجارة واللوجستيات في المنطقة. أما على المستوى الاستراتيجي، فقد كشفت القمة عن توسع نفوذ الصين على حساب قوى دولية منافسة، مقدمة نموذجاً بديلاً للتنمية الإقليمية يتجاوز الشروط الغربية.

انترريجورنال للتحليلات الاستراتيجية

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code