**عبدالسلام الفقهي ((ليبيا ))
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_في ديوانه الجديد «أنا وعطرها»، الصادر عن دار الرواد، اختار الشاعر والكاتب الليبي فرج العربي اقتفاء خرائط الروح وفق مظلة الإلهام الشعري، تلك المسالك التي منحت للنفس منصات مصارحة واختبارا وأحاديث جوانية عن الحب والخذلان، لذا كان لابد من تعميد ذات تحتمل ثقل المكاشفة، وتهيئتها للسير في اتجاه اللامتوقع، وكان لابد أيضا من ترك المجال للمزاج الشعري حرية الحركة والتمدد في مناطق النزاع الوجداني، مدفوعا بلهيب الأمنيات، ومشدودا بمخالب الكره والحرب.
نصوص الديوان تنطلق عبر مسارين للمكاشفة، الأول رومانسي والثاني واقعي وصفي. يتابع الأول مناداة ذاته المتشظية، ولملمتها على وقع الآخر (الرفيقة)، حيث تعمل مهمة استدعائها على جعل المواقف العاطفية إنسانية من منظور عام يواسي الشرخ الذاتي، ويمنح الإحساس بالوحدة تضامنا جامعا من خلال شيوع اللقيا مع الآخر، ومناداته باسمه، لإزالة كل سواتر التأويل والتحفظ الذي ينتعش على أرضية الاختباء والرمزية.
كائن سحابي وموديل «يوتيوبيي»
الأنثى لا يجرى تخيلها هنا ككائن سحابي، وموديل «يوتيوبيي» لا يمكن تحسسه بالصيغة المتصورة شعريا، بل رفيق فيزيائي وروحي مكمل للجسر الوجداني الناشئ على منصة الاعتراف والمناقشة والبوح: «رائحتك مزيج من نكهة – فاخرة.. أزهار ونباتات برية.. لها لون لا يوجد في ذاكرتي أو في ألوان عرفتها منذ طفولتي».
إذا فالرائحة مرموز كيمياء داخلي مضاف لكيمياء الذات هي أنسنة مشفوعة بوشائج الصمت، وبحياة دلالتها الأزهار والنباتات، وبسخاء اللقاء الذي يعبر عن روح التجربة، ورحلة لم تكن بالتأكيد وليدة يوم ولحظة.
في محطة أخرى، تترجم الرحلة مسارات البوح، وتأكيد وثوقيتها َمن بوابة الجغرافيا. ولتكن إذا طريق الحرير دالة زمنية حاضرة بقدسيتها التاريخية. ولأنها منحوتة في ذاكرة الوصل الخالد، يجرى استحضارها لخدمة النفس الوجداني لخرائط الروح: «سرنا إلى ساحة كبيرة للرقص.. وسط المدينة.. رقصنا بجنون حتى الصباح.. مع صيادين حمقى وسواح ملثمين».
مسرح الحركة يخدم مشهد الألفة
هكذا يبدو مسرح الحركة في خدمة مشهد الألفة، حيث تمضي منابت الذكريات متصلة ببعضها البعض حتى في جغرافيا غير جغرافيا الأم، فمدينة «مرو» كشاهد تاريخي على قوافل الحرير، يستنطقها النص كفخامة مكانية ورومانسية تحتفي بشقائق الروح العابرة منها وإليها، عدا أنها تمضي بالذات إلى مدارات التأويل العديدة فالمدينة الإنسان، شكلها كل حالات العبور (الفرح، الأمل، البكاء، الكره، الحب)، ممر العشاق والمغامرين، والفرسان والحالمين.
ومن «مرو» ستكون هناك نقاط تلاق عديدة، ومفازات ينسج فيها الخيال الشعري أقاصيص وحكايات وتأملات الفيض الإنساني مع الشوارع والشخوص والمدن. وهنا تكون القصيدة حاضرة، لتسجل ومضات من أثر سارب إلى مدارج النسيان، ذلك لأن «السنوات التي نعبرها نراها في أعمارنا، ودون اهتمام منا، قد تهرب من وقتنا دون أن نمسك بها، ويذهب معها الأصدقاء والذكريات والأماكن، وصوت يهمس أحيانا بطفولتنا البعيدة».
منعطف آخر لشقائق الروح
ومن الفضاء الرومانسي الخالص تتجه بوصلة الترحال مع الآخر إلى منطقة الواقع الليبي، ولا يجرى ذلك بمعزل أيضا عن الدفق الوجداني، بحيث لا ينجرف بكامل حمولته في دائرة العاطفة أو يرتمي في أحضان الرثاء، لتستوضح الذات الشاعرة معالم الطريق المتهالكة ببصيرة العقل والحب، وتحاول أن ترسم عبر هذين الخطين وجهة نظرها فيما حدث ويحدث داخل فضاء ملبد بالغيوملا«الربيع العجوز وقف مذهولا.. أمام دموع هطلت دماء في الوديان.. ودخان متصاعد من حدائقنا وبيوتنا.. وهي تحترق من الوجع».
مع ذلك، تتجاوز الرؤية الشعرية تخوم التشاؤم، فهي مهمومة إضافة لتحسس أرضية الواقع بتبين ملامح المستقبل ولو على استحياء. فالفيض الشعري هنا مقاوم بطبيعته الشغوفة بالحياة والأحلام «نخاف أن يسرق الحلم من عيوننا.. والنهار يأخذنا إلى ريبة نفق طويل.. مع ذلك.. هناك طريق طويل يقود إلينا».
يمضي كشاف الأحاسيس بروح الذوات المكلومة في رصد تحولات دنيا سراق المستقبل. إنه يعرفنا بليبيا التي اكتسحها طوفان الحرب، وقرر القدر أن تنازل الكلمات بشاعة الواقع. «الحياة هنا تشبه الموت تقريبا.. دون مبادرة من أصحاب الوصايا.. نرى الجيران وهم يركضون بعنف.. والتوابيت على اكتافهم.. دون أن يعرف أحد منهم.. لماذا اشتعلت الحرب؟».
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
