حسن محمد عبداللطيف- ودان ليبييا
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_من أزقة ودان العتيقة، حيث تختلط رائحة النخيل بصلابة التاريخ، ومن كتاتيبها التى حفظ فيها القرآن الكريم، أنطلق شاب يحمل في جعبته إرث الأجداد المجاهدين وعزيمة لا تلين. لم يكن على عبد اللطيف أحميدة، مجرد طالب علم غادر الجنوب الليبي، بل كان سفيراً لذاكرة أمة تأبى النسيان، ومفكراً آمن بأن الأصوات المهمشة هى التي تصنع التاريخ الحقيقي.
من ثنايا الصحراء الليبية، حيث ترسم الرياح حكايات الصمود على كثبان الرمال، أنطلق الفتى عام 1953، لم يكن يحمل في حقيبته سوى إرث أجداده وتراتيل زواياها الصوفية. تأثر في صباه بجده الشيخ أحميدة الصغير وجده المجاهد علي السنوسي، مما صنع لديه جينات مقاومة أنتقلت معه من جامعة القاهرة إلى واشنطن وسياتل.
لم تبدأ رحلة الدكتور على من قاعات المحاضرات الكبرى، بل بدأت من شوارع سبها ومخيمات الكشافة. هناك، فى مفوضية كشاف فزان، تعلم معنى الأنضباط وحب الأستكشاف، لم يكن مجرد فتى عابر، بل كان عازفاً مبدعاً في الفرقة الموسيقية، يطوع آلة “الترامبيت” لتنفث ألحان الطموح في هواء الصحراء. هذا المزيج بين صرامة البدلة الكشفية ورقة النوتة الموسيقية، هو ما منح “على” تلك المرونة الفكرية التى واجه بها لاحقاً أعقد النظريات السياسية؛ فالفنان والشاعر الذي يسكنه لم يغب يوماً عن أبحاثه الرصينة.
في بلاد الغربة، لم تبتلعه الحداثة الغربية، بل طوّع لغتها لتصبح صوتاً للأصوات التي غيبها الاستعمار. وبصفته رئيساً مؤسساً لعلوم السياسة بجامعة نيو إنجلاند، زلزل الرواية الاستعمارية بكتابه عن الإبادة الجماعية في ليبيا، محولاً صرخات الضحايا في معتقلات “العقيلة” و”البريقة” إلى وثائق علمية هزت الأكاديميا الغربية ونالت إشادة كبار المفكرين أمثال نعوم تشومسكي.
رغم حصاده لأرفع الجوائز العالمية مثل كرسي لودكي، ظل الدكتور علي يجد تكريمه الأسمى في عيون أبناء جلدته. وفي خضم صراعه مع الكتب، يعيش حياة إنسانية دافئة؛ فهو الزوج والأب، والرفيق لقطة تكسر بجمالها صمت ساعات البحث. هذا التوازن بين “عالمية الفكر” و”بساطة الروح” هو ما جعل منه نموذجاً للمثقف الذي لا ينسى طين أرضه مهما حلق في سماوات المجد.
إن مسيرة الشريف الدكتور على عبد اللطيف أحميدة، هى الدرس الأبلغ لكل جيل يطمح للعالمية؛ فهي تخبرنا أن التحليق في فضاءات العلم لا يتطلب قطع الصلة بالأرض، بل يتطلب جذوراً راسخة تمد الفكر بالصدق. هو إبن “ودان” الذي ظل قلبه معلقاً بنخيلها بينما عقله يفكك النظريات. سيبقى أسمه منارة تضيء للأجيال دروب الأعتزاز بالهوية، وبرهاناً حياً على أن الفارس الوداني، حين يمتطي صهوة القلم، يفتح العالم بأسره، ويظل وفياً لرمال البدايات التي صنعته وجعل من رمالها مداداً كتب به تاريخ شعبه بحروف من ذهب على جبين التاريخ العالمي. سيظل الدكتور علي عبد اللطيف أحميدة “بوصلة” لكل من أضاع الطريق بين بريق الغرب وأصالة الجذور، مبرهناً أن القلم، حين يحمله فارس مؤمن بقضيته، يكون أمضى من ألف سيف وإن التكريم بالدكتور على عبد اللطيف أحميدة ليس فى الجوائز التى نالها، بل في تلك “الحقيقة” التي أستردها لشعبه. لقد أثبت أن القلم الوداني قادر على أن يكون مِشلحاً للجراح وصرخة في وجه النسيان. سيبقى الشريف، إبن ودان منارةً لكل باحث عن الحق، وبرهاناً على أن من يحمل إرث الأجداد بصدق، يفتح الله له أبواب العالم، ويظل أسمه محفوراً في ذاكرة النخيل والرمال.. إلى الأبد.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
