زاوية حادة المقال الاسبوعي
هدنة بالإيجار… وحرب قابلة للتجديد
بقلم: د. هشام عوكل – أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
في الشرق الأوسط، الأرقام لم تعد أرقامًا؛ أصبحت أدوات تجميل سياسي. حين يقال لنا إن أمام الولايات المتحدة وإيران 60 يومًا من المفاوضات للوصول إلى تفاهم، لا يسعنا إلا أن نسأل: هل نحن أمام مهلة دبلوماسية فعلية؟ أم أمام نسخة جديدة من مسلسل “إدارة الأزمة بدل حلّها”؟
ستون يومًا؟ جميل. رقم دائري يصلح للمؤتمرات الصحفية ويبدو احترافيًا أمام الكاميرات. لكن التجربة تقول إن الستين يومًا في منطقتنا تتحول غالبًا إلى 600 يوم ثم إلى ست سنوات، ثم إلى جيل كامل يعيش على الوعود.
المشكلة ليست في الرقم بل في الافتراض الساذج أن الصراع بين واشنطن وطهران يمكن ضغطه داخل جدول زمني كما لو أنه مشروع هندسي أو خطة تسويق لشركة ناشئة.
الحقيقة أكثر قسوة: الجميع يريد الوقت، لا الحل.
## المحور الأول: لبنان… من ساحة مواجهة إلى ورقة مساومة
لبنان لم يعد فقط ساحة اشتباك حدودي بين إسرائيل وحزب الله بل أصبح جزءًا من دفتر شروط التفاوض الأميركي–الإيراني.
السؤال الحقيقي ليس: هل يوجد اتفاق أولي بين لبنان وإسرائيل؟
السؤال الأهم: **لصالح من يُراد لهذا الاتفاق أن يعمل؟**
واشنطن تدرك أن حزب الله يمثل إحدى أهم أوراق النفوذ الإيراني خارج الحدود. لذلك فإن أي تفاهم يهدف إلى خفض التصعيد جنوب لبنان ليس مجرد مشروع استقرار أمني بل محاولة استراتيجية لسحب ورقة الضغط من يد طهران.
بعبارة أقل دبلوماسية:
أمريكا تريد شرقًا أوسط أكثر انقساما … الذي يجعل إيران أقل قدرة على المناورة.
إذا نجحت صيغة التهدئة اللبنانية فإن إيران تخسر جزءًا من قدرتها على ربط الساحات ببعضها: طهران بغداد بيروت وغزة. بهد ما خسرت دمشق
لكن المفارقة أن لبنان نفسه قد يدفع الثمن. لأن تحويله إلى ملف تفاوض يعني أن استقراره يصبح مشروطًا بتفاهمات الآخرين لا بقرار داخلي سيادي.
كأن اللبنانيين محكوم عليهم أن يكونوا دائمًا “بندًا” في اتفاق لا يكتبونه.
## المحور الثاني: إيران… حين يتحول مضيق هرمز إلى جهاز إنذار عالمي
إيران لا تتفاوض من موقع الضعيف حتى لو كانت تحت ضغط عسكري واقتصادي هائل.
طهران تعرف أن ميزان القوة التقليدي ليس لصالحها أمام الولايات المتحدة لذلك تلعب بورقة الجغرافيا.
وهنا يدخل **مضيق هرمز**.
المضيق ليس مجرد ممر مائي؛ إنه زر إنذار عالمي.
حين تهدد إيران أمن الملاحة هناك فهي لا ترسل رسالة إلى واشنطن فقط بل إلى الأسواق وشركات التأمين وأسعار النفط، وسلاسل الإمداد العالمية
باختصار:
إيران تقول للعالم — إذا خُنقتُ اقتصاديًا فلن يتنفس الاقتصاد العالمي بسهولة.
هذا ما يجعل هرمز أكثر من ورقة عسكرية؛ إنه أداة تفاوض اقتصادية.
المعضلة أن واشنطن تريد ضمان حرية الملاحة دون الانزلاق إلى حرب استنزاف بحرية طويلة. لأن أي تعطيل مستمر للمضيق يعني ارتفاعًا في أسعار الطاقة وزيادة في تكاليف النقل والتأمين وارتدادات تضخمية عالمية
وهنا تظهر السخرية الكبرى.
أمريكا تقول إنها تريد الاستقرار العالمي لكنها تجد نفسها كل مرة مضطرة لإدارة فوضى ساهمت هي نفسها في صناعتها.
بعد الحرب لم تعد واشنطن تقاتل فقط لإضعاف إيران بل أيضًا لاستعادة صورتها كقوة قادرة على فرض الردع.
وهذه نقطة حساسة.
لأن أخطر ما يمكن أن تخسره قوة عظمى ليس المعركة… بل الهيبة.
## المحور الثالث: إسرائيل… بين المكسب التكتيكي والمأزق الاستراتيجي
إسرائيل حققت بعض المكاسب العسكرية المباشرة من التصعيد الإقليمي، لكنها لم تحسم السؤال الأكبر: هل إضعاف الوكلاء يعني إضعاف إيران نفسها؟
هنا يكمن المأزق.
تل أبيب ترى أن تقليص نفوذ حزب الله ضرورة أمنية غير قابلة للتفاوض لكن المشكلة أن الضغط المفرط قد ينتج نتيجة معاكسة.
كلما ارتفع مستوى التصعيد ازدادت حاجة الولايات المتحدة للتدخل المباشر.
وهذا يخلق مفارقة إسرائيلية معقدة.
إسرائيل تريد دعماً أميركياً كاملاً لكنها لا تريد أن يتحول الملف الإيراني إلى صفقة أميركية–إيرانية تُفرض عليها لاحقًا.
لهذا تبدو إسرائيل أحيانًا وكأنها تقاتل في اتجاهين:
اتجاه ضد إيران ووكلائها
واتجاه آخر لضمان ألا تُبرم واشنطن صفقة تعتبرها تل أبيب ناقصة.
إسرائيل تعرف أن أي اتفاق لا يعالج الصواريخ والنفوذ الإقليمي سيعني فقط تأجيل المواجهة القادمة.
وهنا نعود إلى سؤال البداية.
هل نحن أمام 60 يومًا من المفاوضات؟ربما.
لكن الأرجح أننا أمام إدارة ذكية للتأجيل.
الجميع يتحدث عن السلام بينما الجميع يحتفظ بأوراق الحرب.
الجميع يعلن التهدئة بينما يعيد تموضعه للمرحلة التالية.
في الشرق الأوسط المفاوضات ليست دائمًا طريقًا إلى الحل.
أحيانًا تكون فقط استراحة بين جولتين.
ولهذا قد لا تكون المشكلة في الـ60 يومًا.
زاوية حادة تسئل
المشكلة أن المنطقة اعتادت أن تعيش داخل ساعة رملية لا تنتهي، حيث كل اتفاق مؤقت، وكل هدنة قابلة للانفجار وكل وعد بالسلام يحمل في داخله بذور الحرب المقبلة.
ربما لا نعيش 60 يومًا من التفاوض.
ربما نعيش 600 يوم من شراء الوقت… إلى أن يقرر أحدهم أن الساعة انتهت.
