اللواء الركن خالد البياتي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تتسم الحروب التقليدية والحديثة وحتى الالكترونية منها بأن العدو فيها مشخص أن لم يكن معروفا …إلا أن فيروس كورونا ادخل البشرية في حرب مفاجئة طاحنة متجاوزة كل الحدود الجغرافية والسياسية والتنوعات العرقية …فهو عدو خفي وغامض ما زال العالم لايعرف عنه إلا القليل جدا وهذا لايتيح له فرصة محاربته بنفس المستوى والكفاءة والسرعة ، ولكن لو استفدنا من الخبرة الحربية بشكل عام في مواجهة هذه المعركة يمكننا القول أن فايروس كورونا هو بمثابة جيش خفي شن هجوما خاطفاً على الأرض محطما ومخترقا الخطوط الدفاعية لبني البشر ، والتي فشلت بعملية الصد مثلما فشلت خطوط ماجينو وبارليف .وتعرض الأمن البشري العالمي إلى تهديد مباشر، فقد اعتمد جيش الفايروس على إستراتيجية مسرح العمليات المفتوح متخطيا الجغرافية بالاندفاع ومهددا النظام العالمي بحرب غير عادلة محدثا فوضى اقتصادية ومتجاوزأ الحرب الهجينة والناعمة ليقود الموت الى كوكبنا . واكد هذا الجيش انه يمتلك سلاحأ عجزت عنه كل الأسلحة التقليدية وغير التقليدية .وتبين أننا لانمتلك وسائل دفاعية كافية لصد هذا الهجوم .
لذا فقد بدأ العلم بتطبيق أربع استراتيجيات تعمل بشكل متوازي وهي :
ـ إستراتيجية امتصاص زخم الهجوم المقابل : ويقصد بها هنا التباعد الاجتماعي وهو فك الارتباط الجسدي بين المصابين والملامسين وغير المصابين ، فالتباعد الاجتماعي ممارسة تهدف للحفاظ على المسافة الجسدية اكبر من المعتاد عن الأشخاص الآخرين . وتجنب الاتصال المباشر بالأشخاص والأشياء في الأماكن العامة في أثناء تفشي مرض معدي من اجل تقليل الإصابة به . ولكن إذا ما طالت مدة هذا التباعد فأنه سيؤثر على الارتباط الاجتماعي بالإضافة إلى التأثير الاقتصادي .
ـ إستراتيجية إيقاف الخرق : وهي تعمل على الحد من انتشار الفايروس من خلال التحري الميداني و تهيئة البنية التحتية من أماكن الاستقبال وعدد الأسرة والأجهزة الطبية والكادر الطبي المدرب بالإضافة إلى التحول من الصناعات الحربية إلى الصناعات المدنية الصحية . ( أضف إليها إجراءات الوقاية من تعقيم اليدين والكمامة والبقاء في البيت )
ـ إستراتيجية مقاومة الخرق: وهي تتم من خلال العمل على إيجاد دواء مقاوم للمرض للحفاظ على بقاء واستمرار الجنس البشري .
ـ إستراتيجية الهجوم وتدمير الفايروس: وتتم من خلال مراكز الأبحاث على إيجاد لقاح يكون السلاح التدميري لهذا الفايروس .
هذه الاستراتيجيات أعلاه تتطلب تضافر الجهود الدولية والتضامن لتفادي تداعيات حرب على الفايروس والتي يمكن إجمالها بثلاث قضايا مهمة هي :
ـ أن السلوك الاجتماعي الذي يظهر بسبب التباعد الاجتماعي سيؤثر على سلوك الفرد من خلال تكريس مفاهيم وسلوكيات ومشاعر سلبية ستنعكس بالتالي على المجتمع ، فبدلا من قبول الآخر سوف تكرس فكرة الابتعاد عن الآخر لأنه قد ينقل المرض وبالتالي إلى التطرف واللجوء إلى العنف للحماية من المجتمع .
ـ أن الأزمة الاقتصادية التي ستؤثر على سير الحياة بشكل عام والتي ستنعكس بخلق الفوضى والتصادم بين المجتمعات منذرة بحدوث حروب ينتج عنها تغيير في موازين القوى وتغيير جغرافية العالم وولادة نظام القطبين .
ـ أن الفايروس سيكون مدخلا جديدا للتطرف ، فالفراغ الواسع وتقييد الحرية والخوف من المجهول سيجعل الفرد يتوجه إلى الأمور التي يبثها الخطاب الديني المتطرف وهذا بدوره سيزرع التطرف الإنساني والعودة إلى الذات والتمسك بالروحانية والغيبية والخرافات عن طريق منصات التواصل الاجتماعي والعيش في الجو الافتراضي ، هذا الجو الذي تستغله الجماعات المتطرفة لتنفيذ أجنداتها بالتجنيد السياسي والفكري والطائفي والهوية الفرعية التي استخدمتها داعش في السابق وهي اليوم تنشط في إعادة التنظيم مرة أخرى مستغلة انشغال العالم بمحاربة هذا الفايروس .
إن حربنا اليوم لا تقتصر فقط على فايروس كورونا في توجيه وبناء المجتمع ضمن التنمية المستدامه بل حربا على الأفكار الخاطئة أيضا التي تستغل هذا الوباء في زراعة التطرف العنيف بالفرد والمجتمع . وكل هذا يتطلب خططا استباقية لمعالجة منتجات التطرف العنيف بأساليب مستحدثة أكثر سعة وعمقا وذلك لظهور هذا المتغير الجديد الذي يهدد حياة البشر بالفناء
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
