فضل صالح
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تعتبر القصة القصيرة مكانا مثاليا، وخصبا للكشف عن الأنساق الثقافية المضرة، واستراتيجيات التواصل بين النص والمتلقي باعتبارها أداة أدبية مكثفة، ومركزة، والاهتمام بالأنساق الثقافية المضمرة، واستراتيجيات التواصل بين النص والمتلقي في القصة القصيرة يمثل نقطة تحول مثيرة للاهتمام من وجهة نظري.
وفي هذه القراءة لقصة “زآر” للقاصة صوفيا الهدّار التي ستتناول استراتيجيات التواصل بين النص والمتلقي، والأنساق الثقافية المضمرة في النص.
تسلط هذه القراءة الضوء على الاستراتيجيات التي يُشرك من خلالها نصُّ “زآر” المتلقي للتفاعل مع أحداثه، وكيف يتم من خلالها توصيل الأفكار والمشاعر، والمعاني.
وفي هذه القراءة سنقدم فهما أعمقا لاستراتيجيات التواصل بين النص والمتلقي، والأثر التي تحدثه هذه الاستراتيجيات في تجربة استجابة المتلقي.
ومن المهم -أيضا- أن ننظر إلى الخلفية الثقافية المحملة في النّص التي نفحص من خلالها الأنساق المضمرة الكامنة التي تعكس وتعبر عن القضايا والتوترات الثقافية المعقدة، ويمكن أن تؤثر في استقبال المتلقي، وتفاعله مع النّص.
ومن خلال النّظر في أسلوب المبدعة، والأدوات الأدبيّة التي استخدمتها في هذا النص سنكشف عن الطرق التي يتم بها توصيل الأفكار، والمشاعر، والمعاني إلى المتلقي. فالقصة تتحدث عن رقصة زآر وهي تبدو بسيطة في البداية، ولكنّها تحتوي على طبقات معقدة من أنساق التواصل الرمزي، والثقافي المضمر.
سننظر أيضا في كيفية تأثير هذه الأنساق على تواصل المتلقي وتفسيره للنص، والتفاعل معه، كما نطّلع إلى فهم كيف يمكن للأنساق الثقافية المضمرة أن تكشف عن القضايا الاجتماعية والثقافية في مجتمع القصة.
وسنحاول الكشف عن استخدام القاصة الرقص كوسيلة للتواصل بين النص والمتلقي، من خلاب الطرق التي تستخدم بها الشخصية الرئيسية الرقص للتعبير عن مشاعرها، وتجاربها.
ونطمح من خلال هذه القراءة إلى الكشف عن فهم أعمق للقوى المعقدة التي تشكل تجربة القراءة، وكيف يمكن للأدب أن يكشف عن الأنساق الثقافية المضمرة في مجتمعاتنا.
وجاء اختيارنا على نص “زآر” لما يتميّز به أسلوب صوفيا الهدّار من فاعليّة حسية ومضمرة في وصف الشخصيات والأحداث، ويعزز ذلك الأسلوب استخدامها للتفاصيل الدقيقة، والصور الحية المليئة بالدهشة والدلالات، والألفاظ الغنية بالإيحاء في المشاهد التي تقدمها في سردياتها.
وتكمن القوة الرئيسية في أسلوب صوفيا السارد من خلال خلق جو من التفصيل الفني، واستخدامها للصور البصرية، والصوتية والحسية.
فتعمل على إشراك المتلقي في الحدث، مما يشعره بانتمائه للحدث، ويؤثر على عواطفه فيسمح له بالتفاعل مع ما يجري في الأحداث السردية، فالاستخدام المتقن للغة وألفاظها، وتراكيبها تعزز من تفاعل المتلقي، وتدعوه للغوص في جمالياتها.
بشكل عام أسلوب صوفيا يتمتع بالقوة والرشاقة، والسلاسة في نفس الوقت، وفي التفصيل والتصوير الحسي.
أولا: استراتيجيات التواصل بين النّص والمتلقي:
من خلال المقدمة السابقة تحدثنا عن أهمية التواصل بين النص والمتلقي، ودورها الفاعل في خلق جو من الألفة، والاغتراب، وتنشيط ذهن المتلقي للتفاعل مع النص والإسهام في إعادة إنتاجه، فالنص لا يقدم نفسه بسهولة للمتلقي، إذ يتحدث عن رقصة “زآر” وهي تبدو بسيطة في البداية، ولكنها تحتوي على طبقات معقدة من أنساق التواصل، فالمتلقي أول ما يقرأ العنوان زآر يذهب في خياله إلى عالم من السحر والشعوذة، وبمجرد أن ينتهي من قراءة النص كاملا يشعر بصدمة أفقه السابق، ليبدأ تشغيل وجهة نظره الجوال بحثا عن دلالة العنوان، فيجد أن معاني متعددة للزار، فالزآر مصطلح يشير إلى طقوس دينية شعبية تنتشر في مناطق مختلفة من العالم العربي، وشمال وشرق أفريقيا، غالبا ما تتضمن هذه الطقوس الرقص والموسيقى، وأحيانا الاستحضار الروحي؛ بهدف الشفاء الروحي أو النفسي، وفي النص يمكن اعتبار “زآر” وسيلة للتعبير عن الألم والحزن، والغضب، والخروج من القيود الاجتماعية، إنه يعكس النضال الداخلي للشخصية الرئيسية، ورغبتها في التحرر من القيود التي تحيط بها.
ومن خلال قراءتنا للنص فإنا سنحاول الكشف عن استراتيجيات تواصله مع المتلقي من خلال:
1- التفسير الشخصي للرموز:
النّص مليء بالرموز، مثل الطبل، والرقص، والثوب الأحمر، وكل منها يحمل معانٍ ضمنية يمكن للمتلقي أن يفسر هذه الرموز بناءً على تجربته الشخصية وتوقعاته.
وهذه الرموز يمكن تأويلها من المتلقي، بطرق مختلفة، فالثوب الأحمر قد يرمز إلى العاطفة أو الغضب، وإثارة انتباه الآخر، والرقص الذي يرمز إلى الانفعال، ومحاولة التحرر من القيود النفسية أو الاجتماعية، والطبل الذي قد يرمز إلى السيطرة والتحكم، يمكن للمتلقي أن يفسر كل حركة وكل تفصيل في النص بطريقة تتناسب مع تجربته وتوقعاته، وثقافته.
٢- التفاعل مع العاطفة:
النص يثير مشاعر قوية، مثل التوتر، الإثارة، والانهيار، الشفقة، والرحمة فيمنح المتلقي مشاركته من خلال التفاعل مع هذه المشاعر ومحاولة فهم ما تشعر به الشخصية الرئيسية.
فالقارئ قد يتساءل عن سبب الحقد الذي شعرت به المرأة نحو العروس، هل أخذت العروس حبيبها؟ أم زوجها؟ وقد يربط هذا الشعور المتلقي بتجربة الشخصية الرئيسية، مثل الغيرة أو الفقدان، مما يجعله يشكل تفسيراً شخصياً لما يحدث في النص.
٣- ملء الفجوات السردية:
النص يترك بعض التفاصيل غير واضحة، مثل سبب الحقد، أو العلاقة بين المرأة والعروس، وهذا يمنح المتلقي تخيُّل الخلفية التي قد تكون وراء هذه المشاعر.
مثلا المتلقي قد يفترض أن هناك خيانة حدثت بين العروس والشخصية الرئيسية، أو أن العروس تمثل جزءاً من ماضي الشخصية الرئيسية الذي تحاول الهروب منه من خلال الرقص.
٤- إعادة بناء الحكاية النفسية:
المتلقي يمكن أن يحلل الحالة النفسية للشخصية الرئيسية، وكيف تتغير مشاعرها عبر النص من البداية إذ تتحكم في جسدها وحركاتها، إلى النهاية حتى تنهار جسدياً وتحرر نفسها نفسياً من الحقد.
المتلقي قد يفسر الرقص بأنه يمثل رحلة نفسية من الانضباط والتحكم إلى الانهيار والتحرر، فيعكس صراعاً داخلياً تحاول الشخصية تجاوزه.
٥- إسقاط تجارب شخصية على النص:
المتلقي قد يربط تجاربه الشخصية بالنّص، فيعزز من تفسيره للأحداث، ربّما يربط النص بتجربة شخصية معقدة مر بها، مثل الصراع العاطفي أو التحرر من مشاعر سلبية.
وقد يتفاعل مع مشاعر الحقد التي تتحول إلى نوع من السلام الداخلي بعد الانهيار، ويشعر بأن هذا النص يعكس تجربته في تجاوز مشاعر الغضب أو الانتقام.
٦- إعادة تفسير النهاية:
ينتهي النص بتوقف الحقد نحو العروس، فيترك المتلقي أمام مجموعة من الأسئلة حول ما حدث بالضبط، وهذا يمنحه إعادة تفسير النهاية بطريقة تناسب تلقيه للنص.
قد يرى المتلقي أن الرقص يمثل وسيلة للشخصية الرئيسية لتحرير نفسها من الحقد، وأن سقوطها الجسدي يرمز إلى انتصارها النفسي على مشاعرها السلبية.
٧- البحث عن الرسالة الأخلاقية أو الاجتماعية:
النص قد يحتوي على رسائل ضمنية حول الحرية والتحرر من القيود الاجتماعية أو العاطفية، فيأخذ المتلقي في رحلة استكشاف للرسائل العاطفية، والاجتماعية وإعادة تشكيلها في ذهنه.
فالمتلقي يمكن أن يرى في النص رسالة حول القوة الداخلية والتحرر من الغضب والكراهية من خلال مواجهة الصعاب بطريقة مختلفة.
ثانيا: الأنساق الثقافية المضمرة:
قراءة الانساق الثقافية المضمرة في نص “زار” يتطلب فهم السياقات الاجتماعية والثقافية التي تتجلى من خلال اللغة والأحداث والشخصيات، فالنص يقدم صورة غنية تعكس العديد من الأنساق الثقافية، نذكر منها:
١- الثقافة الشعبية والطقوس:
من خلال الرقص والموسيقى يشير النص إلى الطقوس التي تدور حول “زار” وهو تقليد شعبي له دلالات روحانية، وسحرية، وعلاجية في بعض الثقافات، هذا يبرز أهمية العلاقة بين الجسد والمكان، إذ يُعتبر الرقص وسيلة للتعبير عن المشاعر، ووسيلة للتحرر من الضغوط النفسية والاجتماعية.
٢- الأزياء والتعبير عن الهوية:
وصف الراوي للأزياء، مثل الثوب الأحمر الشفاف، تعكس الرموز الأنثوية والجاذبية والحياة الاجتماعية، فالثوب في هذه الحالة يمكن أن يمثل لحظة من الفخر والاحتفال بالأنوثة، في حين أن الخمار يعكس قيود المجتمع المفروضة على المرأة، هذا التناقض بين القوة والضعف يقدم رؤية عن كيفية تعامل الثقافة مع موضوعات الهوية والحرية.
٣- الجسد كمساحة للتعبير:
تركيز الراوي على وصف حركات الرقص، وكيف أن الجسد يتحرر من القيود هذه المفاهيم تعكس عمق حرية التعبير وتحرر المشاعر المكبوتة، فالرقص -هنا- يمثل تحررًا روحيًا وجسديًا، يتيح للشخصية استكشاف هويتها الحقيقية.
٤- المنظور النسوي:
الأدوار الاجتماعية للمرأة يمكن رؤية تباينها الاجتماعية الموجهة للمرأة في النص، إذ يُظهر مركزية المرأة في حلبة الرقص، ولكن أيضًا يقف أمام قيود ومراقبة المجتمع التي تظهر من خلال “نظرات الشفقة والفضول” هذا الانقسام يمثل صراع المرأة في المجتمع الذي يعكس قواعد الذكورة والأنوثة.
٥- اللغة والمفهوم الثقافي:
الأغنية التي ترتبط بالرقص تتحدث عن الغدر والخيانة، مما يعكس تجارب إنسانية جماعية وتحذيرات ثقافية، هذا الاستخدام للأغاني يعكس تراكم الأحداث والتجارب، ويعطي النص عمقًا تاريخيًا وثقافيًا.
٦- الحالة النفسية والاجتماعية:
يبرز الراوي الصراع النفسي للشخصية الرئيسية في النص من خلال التركيز على الصراع الداخلي للمرأة، وعلاقتها بالعروس وكيفية تفاعلها مع مشاعر الحقد والألم، وهذا يعكس الأزمة الثقافية التي تعاني منها النساء في المجتمع.
وحالة الاستسلام للرقص ثم التخلي عن مشاعر الحقد تمثل رحلة نفسية وثقافية تعكس البحث عن السلام الداخلي رغم الضغوط الاجتماعية.
٧- تأثير المجتمع على الفرد:
يبرز النّص -أيضًا- كيفية تأثر الفرد بنظرة المجتمع، فمشاعر الشفقة، والفضول يسيطران على الحضور من قبل، وعلى تجربة الشخصية، هذا يدعو المتلقي أن يتأمل بعمق في كيفية تشكيل المجتمع للهوية والأفعال الشخصية، وكيف يتم ضغط الفرد ليكون وفقًا لمعايير تخدم السياق الثقافي للمجتمع.
وهكذا من خلال تفاعل استراتيجيات التواصل بين النص والمتلقي، يتحول المتلقي إلى شريك نشط في إنتاج النص وتفسيره، فلا يقتصر على تلقي النص كما هو، بل يملأ الفجوات برؤيته الخاصة ويعيد إنتاج النص بما يتناسب مع تجاربه وتوقعاته.
كما يتناول النص بذكاء مجموعة متنوعة من الأنساق الثقافية المضمرة، مما يتيح للقارئ استكشاف معاني عميقة تتعلق بالهوية والحرية والصراع الاجتماعي. من خلال الأزياء، والطقوس، والصراعات الداخلية والخارجية، ويعكس النص تجارب إنسانية غنية ومتنوعة تتجاوز حدود زمنها ومكانها، وتدعو القارئ إلى التفكير في قضايا الهوية الفردية والجماعية في إطار ثقافي أعمق.
……
نص الاديبة القديرة صوفيا الهدار
زآر
وقفت منتصبة في حلبة الرقص بثوب أحمر يشف عن جسد أسمر ممتلئ، على وجهها خمار أحمر شفاف شدته بكلتا يديها.
ضرب الطبل، دقت بقدمها اليمنى الأرض ثلاثا مع إيقاعه، سحبت قدمها اليسرى في حركة شبه دائرية، استدار معها كامل الجسد، واستمرت حركاتها بارعة رصينة تحاكي الإيقاع.
صون المرأة الذي رافق الطبل الصاخب كان رفيعا، وحكت الأغنية عن الغدر والخيانة.
أغمضت عينيها، وأسلمت روحها للرقص.
تحر. جسدها شيئا فشيئا من قيوده، لكنه لا يزال منقادا لصوت الطبل.
استمر قرع الطبل والغناء، أصبحت حركاتها هستيرية قليلا، لكنها لا تشذ عن الإيقاع أبدا. امتزجت خطوط العرق بخط الخضاب، واختلطت رائحة الكاذي برائحة الجسد.
خفتت الزغاريد وتوقف التصفيق، وأطلت نظرات الشفقة والفضول من عيون النساء، ورسمت ملاح الذعر على وجوه الصغار.
انسحبت شريكة الرقص، لكن الطبل لا يزال يقرع، وهي لازالت في غمرة الرقص.
ثلاث خطوات نحو الأمام، ثلاث خطوات إلى الخلف، ثلاث خطوات نحو الأمام، ثلاث خطوات إلى الخلف.
أبطأت الخطوات، ثم توقفت، وسقط الجسد منهكا، حينها توقف الطبل.
عندما استفاقت لم تعد تشعر بالحقد نحو تلك العروس.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
