دكتور محمود الأغا
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تناول باحثون ومفكرون عدة، في أوقات مبكرة، ظاهرة الاكتفاء بالتدين الشعائري التي تسيطر على مجتمعات شرقية وعربية، ويتركز الاهتمام فيها بالمظاهر والشكليات الدينية على حساب الجوهر الأخلاقي والقيمي للدين، من خلال التركيز المفرط على ممارسة الشعائر والطقوس على حساب إغفال المقاصد الكبرى للدين مثل العدل والرحمة والتسامح والتحرر الفكري.
بعض هؤلاء المفكرين ربطوا هذه الظاهرة مع مشكلات الفقر والاستبداد السياسي، لتشكل هذه الظواهر مجتمعة ثلاثية من المصائب التي تثقل كاهل المجتمعات العربية وتعيق حركتها نحو التطور واللحاق بركب التقدم الحضاري. حيث يستخدم الاستبداد السياسي الخطاب الديني الشكلي لتبرير سلطته وإلهاء الناس عن المطالبة بحقوقهم، بينما يدفع الفقر إلى تبني أشكال دينية طقوسية كتعويض عن الحرمان المادي والاجتماعي.
المفارقة أن بعض الدول العربية والإسلامية أدركت خطورة هذه الظاهرة، وبدأت تكافح من أجل الحد من تداعياتها، وهناك حكومات تبنت بالفعل سياسات جريئة برفع الحظر عن التدخل في المظهر الخارجي للناس ولملابسهم، كعلامات أساسية للتدين والتركيز بدل ذلك على مبدأ حرية العبادات الفردية وتقوية الاتجاهات الاجتماعية والأخلاقية للدين، والحد من المبالغة في الأمور الخلافية والفقهية الثانوية، فيما نجد أن بعض المهاجرين القادمين من هذه المجتمعات يريدون فرضها هنا في المجتمع السويدي، بدعوى خصوصية العائلات المسلمة، مستخدمين الحريات التي يمنحها المجتمع السويدي للجميع كذريعة للترويج لهذه الخصوصية.
لا أحد هنا في السويد يمنع أحداً بأن يؤمن أو لا يؤمن بأي شيء، لا أحد يمنع أحداً من أن يمارس عباداته وطقوسه الدينية بالطريقة التي يريدها طالما أنه لا يؤثر على الآخرين، القانون يضمن لك ولي ولكل شخص أن يختار نمط حياته وتوجهه الديني والفكري وحتى ميوله الجنسية، لكن أن يتحول الأمر أحياناً إلى ترويج كاذب على وسائل التواصل الاجتماعي لحجة الخصوصية بطريقة هجومية وفوقية، فهذا من المؤكد ليس في صالح المسلمين في السويد ولا في صالح المجتمع ككل.
بهذه الحالة الاستعراضية يصبح الموضوع تجارة بحتة بالدين، وتحديداً تجارة بظاهرة الاكتفاء بالتدين الشعائري التي تعاني منها المجتمعات العربية وتحاول التخلص منها.
لا أحد ينكر أن النزعات العنصرية موجودة في المجتمع السويدي، وربما تزايدت في الفترة الأخيرة، مع تنامي الأفكار اليمينية المتطرفة، لكن التصدي لهذه النزعات لا يمكن أن يكون من خلال ممارسة ما يشجع عليها، ولا من خلال إعطاء الذرائع على تعميقها، خصوصاً أن العنصرية هي ظاهرة غريبة ومنبوذة من قبل الأكثرية في السويد، وهناك قوى سياسية ومجتمعية كبيرة تقف بوجه انتشارها وتفاقمها، لذلك فإن المعرضين للضرر من التصرفات العنصرية هم الأولى بالوقوف ومساندة هذه القوى ودعمها، أما أصحاب تجارة ظاهرة التدين الشكلي والظاهري، والمدافعين عن خصوصيات انعزالية، فهم من حيث يدرون أو لا يدرون يدعمون العنصريين ويقفون إلى جانبهم.
حق المرأة في الحجاب
كما شاهدنا ونشاهد، يدافع من يقف بوجه العنصريين بشراسة عن الحريات الشخصية، بما فيها حق المرأة باختيار ملابسها ومنها الحجاب، وإلى حد الآن لا توجد مشكلة عامة في المجتمع السويدي ضد مسألة الحجاب، خاصة عندما تختار النساء والفتيات هذا الزي كنوع من الالتزام الديني أو الهوية الثقافية، رغم محاولات بعض القوى اليمينية المتطرفة وضع قوانين تمنع الحجاب في المدراس.
وحتى الآن لا يوجد قانون أو عرف يعارض نقاب النساء في الأماكن العامة، مع أنها ظاهرة أصبحت تبدو غير مألوفة حتى في دول عربية وإسلامية. فيما ذهب بعض أصحاب نظرية الدفاع عن “خصوصية العائلة المسلمة” إلى الادعاء بأن المجتمع السويدي يتقبل المرأة شبه العارية في الشارع ولا يتقبل المرأة المنقبة في نفس الشارع، هؤلاء يريدون فرض خصوصيات التدين الظاهري على حساب خصوصيات المجتمع الذي يعيشون فيه، ويتناسون أن هناك ذوقاً وأعرافاً عامة بكل مجتمع تتجاوز القوانين الموضوعة، فمن المؤكد أنه لا يوجد قانون يمنع المرأة بأن تمشي شبه عارية في الشارع لكن الناس قد يتخذون موقفاً ضد هذه المرأة بكلماتهم ونظراتهم حتى في السويد، وقد تتعرض المرأة إلى الاعتداء في دول أخرى.
لعدة قرون ولأسباب كثيرة تأخرت دول عربية وإسلامية عدة بسبب عدة عوامل ومنها انتشار ظاهرة التدين الشعائري، وساهم هذا الانتشار في إفراغ الدين من محتواه الأخلاقي والاجتماعي، وأدى إلى انتشار النفاق الاجتماعي وازدواجية المعايير بين المظهر والجوهر، وكانت النتيجة تعطيل العقل النقدي والاجتهاد الفقهي، وإعاقة التقدم العلمي بسبب التركيز على الشكليات على حساب القيم المنتجة.
لذلك نحن لا نريد لهذا الفكر الانعزالي أن يتحدث باسمنا ويفرض شروطه علينا، خصوصاً مع تصاعد الخطاب العنصري المتذرع بخطر إقامة مجتمعات إسلامية موازية في الغرب.
نحن جزء من هذا المجتمع لنا هويتنا الثقافية والدينية الخاصة نمارسها بما لا يتعارض مع مفهوم المواطنة السويدية الشاملة، وضمن الحفاظ على مجتمع متسامح ومتعدد الثقافات، نحن جزء من المجتمع لذلك نحن جزء من الدفاع عنه ضد النزعات العنصرية وضد الكراهية وفي الوقت نفسه ضد النزعات المتخلفة والظلامية. لا نريد أن نكون ضحية مرتين، مرة على يد الخطاب العنصري المتطرف في المجتمع السويدي، ومرة أخرى على يد الخطاب الانعزالي المتطرف من داخلنا، خطابان موجهان إلى رؤوس الناس البسيطة التي تركت أوطانها طمعاً بحياة كريمة لها ولأولادها.
الكومبس
