الأربعاء. ديسمبر 10th, 2025
0 0
Read Time:8 Minute, 18 Second

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_يشهد المشهد الأمني الأوروبي تحولات متسارعة بفعل تصاعد التهديدات غير التقليدية، وفي مقدمتها أنشطة التجسس الروسي التي باتت تستند بشكل متزايد إلى أدوات تقنية متطورة مثل الطائرات المسيّرة والاختراقات السيبرانية. ولم يعد التهديد مقتصرًا على جمع المعلومات، بل تعدّاه إلى استهداف مباشر للبنى التحتية الحيوية والمؤسسات الدفاعية والقطاعات الاقتصادية الحساسة. وتأتي هذه التطورات في سياق جيوسياسي يتسم بارتفاع مستوى التوتر بين روسيا والاتحاد الأوروبي على خلفية الحرب في أوكرانيا، وما ترتب عليها من إعادة رسم أولويات الأمن القومي الأوروبي. إن خطورة هذه التهديدات تكمن في طبيعتها المركّبة التي تمزج بين الوسائل التقنية والعمل الاستخباراتي التقليدي، وتستهدف في الوقت نفسه تقويض الثقة بين الحكومات والمجتمعات عبر نشر الذعر وإرباك المنظومات الدفاعية. ولذا، باتت الحاجة ملحّة إلى مقاربة شاملة تتجاوز الحلول التقنية المحدودة لتشمل أبعادًا قانونية، استخباراتية، ومجتمعية، بما يضمن تعزيز المناعة الأمنية الأوروبية أمام هذا النمط الجديد من التهديدات.

تستخدم روسيا طائرات بدون طيار في ألمانيا ودول أوروبية أخرى للتجسس على شحنات أسلحة سرية للغاية إلى أوكرانيا. هذا ما ذكرته صحيفة “نيويورك تايمز” في 28 أغسطس 2025، نقلاً عن معلومات من ثلاث وكالات استخبارات غربية. ويشمل ذلك أيضًا شحنات معدات عسكرية أمريكية. أحد أهداف عمليات التجسس هو استكشاف مسارات النقل العسكري الأوروبي المتغيرة باستمرار. يشمل ذلك اكتشاف الأسلحة التي ستصل إلى أوكرانيا وموعد وصول الذخيرة الجديدة إلى الجبهة. تُعد ألمانيا متأثرة بشكل خاص، نظرًا لكونها مركزًا لصادرات الأسلحة من بلجيكا وإسبانيا وفرنسا. تفترض وكالات الاستخبارات الغربية أن روسيا على دراية تامة بالشركات والمجموعات التي تُنتج الأسلحة لأوكرانيا. قد يُشكّل هذا خطرًا على موظفي إدارات هذه الشركات، إذ يتوقع المتضررون أن يكونوا في مرمى نيران العملاء الروس. على سبيل المثال في العام 2024، تم تفادي هجوم على الرئيس التنفيذي لشركة “راينميتال”، أرمين بابرغر.

طائرات بدون طيار روسية تتجسس على الجيش الألماني

أفادت مجلة “فيرتشافتس فوخه” الاقتصادية أن الطائرات الروسية المسيّرة تستكشف القواعد العسكرية الألمانية، ويشمل ذلك القواعد التي يتدرب فيها جنود أوكرانيون، بالإضافة إلى قواعد عسكرية أمريكية. وقد سُجّل بالفعل عددٌ من تحليقات الطائرات المسيّرة يتجاوز المئات في العام 2025.يستخدم الجانب الروسي مجموعة متنوعة من الطائرات، بدءًا من نماذج “أمازون” وصولًا إلى طائرات مسيرة بطول عدة أمتار. ويُعتقد أن النماذج الأصغر حجمًا يقودها هواة جندهم الكرملين في ألمانيا. ووفقًا لـ “فيرتشافتس فوخه”، تخطط الحكومة الألمانية لإطلاق حملة في سبتمبر 2025 للتوعية بالعقوبات المحتملة.أكّد الجيش الألماني تحليق الطائرات المسيّرة، وأوضح أن عدد هذه الطلعات قد ازداد بشكل ملحوظ منذ احرب أوكرانيا في فبراير 2025، لكنه رفض التعليق على أرقام محددة.

معلومات استخباراتية أمريكية تؤدي إلى اعتقالات

أمر الجيش الألماني عشرات مما يُسمى بطائرات الشبكة المُسيّرة لاعتراض طائرات التجسس، وأنشأ الجيش الألماني فرقة عمل الطائرات المُسيّرة في العام 2023. تجري مناقشات حول ما إذا كان سيُسمح للجنود بإسقاط الطائرات المُسيّرة بالبنادق فوق المناطق العسكرية المحظورة. تكمن المشكلة في أن هذه الطائرات قد تُسبب أضرارًا في حال سقوطها، وربما حتى في المناطق السكنية. استُخدمت الطائرات الروسية المُسيّرة حتى العام 2025 لأغراض التجسس فقط. ومع ذلك، يُمكن أيضًا تحويل هذه الأجهزة إلى أسلحة تخريبية بسهولة.

لم يُبدِ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس دهشته من التقارير، وعندما سُئل بعد اجتماعه مع نظيرته الإسبانية مارغريتا روبلز في برلين، أكّد: “أن مراقبة المناطق المدنية أو وصلات الطرق في ألمانيا ليست من مسؤولية الجيش الألماني”. وأضاف: “لكن لا ينبغي أن يكون تحليق الطائرات المسيرة فوق الموانئ وخطوط السكك الحديدية أمرًا مفاجئً، ولكن لا توجد إجراءات كافية لمواجهتها”. أفادت صحيفة “فيرتشافتس فوخه” أن وكالات الاستخبارات الأمريكية تُزوّد الوكالات الأوروبية والألمانية بمعلومات وتحذيرات موثوقة حول الأنشطة الروسية. وأدّت هذه المعلومات إلى اعتقال 3 أوكرانيين في زيورخ وكولونيا وكونستانس في مايو 2025، بتهمة إرسال طرود مفخخة نيابةً عن الكرملين.

مقاربة أمنية

الكشف المبكر عبر رادارات قصيرة المدى وأجهزة استشعار للترددات اللاسلكية وكاميرات حرارية في محيط القواعد والمرافئ، ثم التعطيل غير التدميري من خلال وسائل التشويش والاستيلاء على الاتصال أو استخدام شبكات اعتراض خاصة بالمناطق الحضرية لتقليل المخاطر، وأخيرًا التحيد الصلب باستخدام وسائل إسقاط دقيقة في نطاقات عسكرية مغلقة.

وفي موازاة ذلك، برزت الحاجة إلى إنشاء شبكة إنذار مبكر تربط بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والجيش وهيئات الطيران المدني، بما يتيح لوحة موقف مشتركة لرصد أي مسارات مشبوهة في الوقت الفعلي. ويُفترض أن يتم توسيع هذا التعاون على المستوى الأوروبي عبر اليوروبول وفرونتكس وربط نقاط المراقبة مع دول الجوار، بما يسمح برسم خريطة ديناميكية لحركة الطائرات غير المصرح بها عبر الحدود. 

يبرز الجانب القانوني كأحد أعمدة المواجهة، إذ تسعى عدة دول إلى تحديث تشريعاتها بما يمنح السلطات صلاحيات واضحة للتحييد الفوري داخل مناطق محمية، مع فرض عقوبات مشددة على تشغيل الطائرات المسيّرة قرب البنى التحتية الحساسة. وفي السياق نفسه، تتجه الجهود نحو تعزيز أمن الشركات الدفاعية وسلاسل الإمداد، من خلال معايير إلزامية للأمن المادي والرقمي، وتدريب الكوادر على تقنيات الأمن التشغيلي، إضافة إلى تنظيم تمارين مشتركة تحاكي سيناريوهات استهداف بالطائرات المسيّرة أو الطرود المفخخة.

وتتسع دائرة المواجهة لتشمل الشراكة مع القطاع الخاص، إذ يجري العمل على بروتوكولات موحدة للإبلاغ عن أي نشاط جوي مشبوه، مع تقديم حوافز مالية وضريبية للشركات التي تستثمر في أنظمة الكشف والتعطيل. أما على المستوى الاستخباراتي، فتركز الجهود على تفكيك شبكات الأفراد الذين يعملون كوكلاء بالوكالة، ورصد عمليات شراء المكوّنات الحساسة، إلى جانب تحليل الأدلة الرقمية لمسارات الطيران وربطها بالجهات الراعية.

ولا يقل البعد المتعلق بالتواصل العام أهمية عن الأبعاد التقنية والقانونية، حيث يجري العمل على توعية المواطنين بطرق الإبلاغ السريع والآمن عن الحوادث، والتقليل من أثر الدعاية الروسية التي قد تسعى إلى استغلال مثل هذه الهجمات لبث الذعر أو زعزعة الثقة في قدرة المؤسسات الأمنية على الحماية.

تُظهر خارطة الطريق التنفيذية أن الخطوات الأولية تركز على إعلان مناطق حظر مسيّرات في المواقع الحساسة، وإنشاء غرفة عمليات مشتركة مزودة بخط اتصال ساخن مخصص، إلى جانب إطلاق تجارب ميدانية للأنظمة الجديدة. وعلى المدى المتوسط، يُتوقع توسيع نطاق النشر ليشمل مواقع إضافية وتطوير التشريعات ذات الصلة، فيما يذهب المدى البعيد نحو بناء شبكة أوروبية متكاملة مدعومة بالذكاء الاصطناعي للتحليلات التنبؤية وتدريب الكوادر الأمنية على أساليب المواجهة الحديثة.

ويمكن قياس نجاح هذه السياسات عبر مؤشرات أداء واضحة، مثل تقليص زمن الاستجابة، وزيادة نسبة التحيد غير التدميري، وانخفاض عدد التحليقات غير المصرح بها، إلى جانب رفع مستوى امتثال الشركات الدفاعية للمعايير الأمنية الجديدة. وبذلك، فإن مقاربة المواجهة لا تنحصر في الجانب التقني وحده، بل تشمل الأبعاد القانونية والاستخباراتية والمجتمعية، في محاولة لبناء جدار أمني متماسك يحد من التهديدات الروسية المتنامية.

النتائج

ـ  مخاطر متزايدة:  من المتوقع أن تواجه ألمانيا في المرحلة المقبلة مخاطر متزايدة نتيجة تصاعد أنشطة التجسس بالطائرات المسيّرة الروسية. ويُتوقع أن تستهدف هذه الأنشطة البنية التحتية الحيوية، الشركات الدفاعية، وخطوط الإمداد العسكري، مع احتمال تطورها إلى استخدام هجومي مباشر. هذا النوع من التهديدات لا يقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد إلى تقويض الثقة المجتمعية، وإرباك الاستجابة الحكومية بسبب التحديات القانونية المرتبطة بإسقاط المسيّرات فوق المناطق المدنية. إن استمرار هذه الظاهرة من شأنه أن يحوّل ألمانيا إلى ساحة مواجهة استخباراتية مفتوحة، ما يتطلب تعزيز الدفاعات الجوية القصيرة المدى، وتطوير الأطر التشريعية، وتكثيف التعاون الاستخباراتي مع الحلفاء الأوروبيين والأطلسيين، لتجنب تحول التهديد إلى أزمة أمن قومي شاملة.

ـ تطور نوعي في الحرب الهجينة الروسية: يمثل استخدام روسيا للطائرات المسيّرة في مهام التجسس تحولًا استراتيجيًا في أسلوب الحرب الهجينة، حيث لم تعد العمليات مقتصرة على أدوات التجسس التقليدية أو الهجمات السيبرانية، بل أصبحت تشمل تكنولوجيا الطائرات غير المأهولة التي تتيح مراقبة دقيقة للممرات اللوجستية الأوروبية ونقاط الضعف الأمنية. هذا يعكس قدرة موسكو على الدمج بين الأدوات العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية في إدارة صراع طويل الأمد ضد الغرب.

ـ تهديد مباشر للأمن القومي الأوروبي والألماني: إن رصد الطائرات المسيّرة لمسارات شحنات الأسلحة والمعدات العسكرية الموجهة إلى أوكرانيا يجعل ألمانيا – بحكم موقعها ودورها كمركز رئيسي لتجميع ونقل هذه الأسلحة – هدفًا أساسيًا في الاستراتيجية الروسية. ويضاعف ذلك من التهديدات الموجهة ضد الشركات الدفاعية الألمانية والعاملين فيها، بما يفتح المجال أمام أعمال تخريب أو هجمات تستهدف شخصيات قيادية في القطاع الصناعي العسكري.

ـ تصاعد وتيرة الأنشطة مستقبلًا: مع استمرار الحرب الأوكرانية وتنامي الدعم العسكري الغربي لكييف، من المرجح أن تزداد وتيرة هذه الأنشطة، سواء من حيث العدد أو من حيث مستوى التطور التقني للطائرات المستخدمة. سيجبر ذلك الحكومات الأوروبية على ضخ استثمارات كبيرة في أنظمة الدفاع الجوي القصير المدى، وتقنيات الحرب الإلكترونية، وحلول التشويش على الطائرات المسيّرة، إلى جانب إصدار تشريعات جديدة تتيح التدخل السريع لإسقاط أو تعطيل هذه الأجهزة حتى فوق مناطق مأهولة.

ـ انعكاسات دبلوماسية وأمنية: إن استمرار عمليات التجسس بالطائرات المسيّرة قد يؤدي إلى أزمات دبلوماسية متكررة بين روسيا والدول الغربية، خصوصًا في ظل غياب قنوات اتصال فعّالة لاحتواء التصعيد. كما قد تترتب عليها اتهامات متبادلة بخرق السيادة، وهو ما يُقوّض ما تبقى من الثقة المتبادلة ويزيد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مباشرة غير محسوبة.

ـ إمكانية تحول الطائرات من التجسس إلى التخريب: يبقى الاحتمال قائمًا أن تنتقل هذه الطائرات من مجرد أداة استخبارية إلى وسيلة هجومية تستهدف منشآت حساسة، مثل مراكز الطاقة، أو السكك الحديدية، أو المطارات العسكرية والمدنية. هذا التطور سيُدخل الأمن الأوروبي في مرحلة جديدة من المواجهة غير التقليدية، تُشبه “حرب الظل” ولكن بأدوات علنية يصعب ردعها بشكل كامل.

ـ تجنيد العملاء داخل ألمانيا: يتم عبر طيف من الأساليب التقليدية والحديثة، استغلال شبكات الجالية، الاستقطاب عبر الحاجة الاقتصادية أو الضعف القانوني، مزيج من الوسائل المالية المباشرة وغير المباشرة، وتقديم تدريب مبسّط أو توجيه عن بُعد لتنفيذ مهام مثل إطلاق أو تشغيل طائرات مسيّرة.

ـ  التجارب والاعتقالات الواقعية في ألمانيا خلال 2023–2025  : تُظهر أن الأهداف تتنوع بين التجسس على سلاسل الإمداد، المسح الاستخباري للقواعد والمرافق، وتمهيد أعمال تخريبية إذا لزم الأمر؛ وهو ما يستلزم من صناع القرار تعزيز الوقاية المجتمعية، وتحصين الشركات الحساسة، وتكثيف التعاون الاستخباراتي والعدلي مع الشركاء الأوروبيين.

ـ الحاجة إلى تنسيق أمني أوسع: لمواجهة هذه التهديدات المتصاعدة، بات من الضروري أن يعمل الغرب والدول الأوروبية على تطوير مقاربة أمنية متكاملة تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل فوري، وتنسيق التشريعات الوطنية مع الأطر الأوروبية والأطلسية، إلى جانب بناء قدرات استباقية قادرة على الردع والتعامل مع التهديد قبل أن يتحول إلى أزمة أمن قومي تهدد الداخل الأوروبي.

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

🌍
ترجمة / Translate
🇬🇧 English 🇳🇱 Nederlands 🇫🇷 Français 🇪🇸 Español 🇨🇳 Chinese 🇷🇺 Russian