الثلاثاء. أبريل 7th, 2026
0 0
Read Time:5 Minute, 39 Second

فارس إيغو

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_الجزائر بعد الوفاة المفاجئة لرئيس الأركان أحمد قايد صالح
اللافت أنه منذ الإعلان الرسمي لوفاة أحمد قايد صالح بأزمة قلبية ناتجة عن إرهاق كبير تعرض له في الأشهر الأخيرة، أن الإعلام الجزائري الرسمي وشبه الرسمي المسيطر عليه من قبل الدولة العميقة تفرغ 24/24 ساعة للتمجيد بالقائد الكبير الذي أوصل الجزائر خلال العشرة الأشهر الأخيرة إلى بر الأمان. ويمكننا بناء على معاينة ما جرى ويجري في الإعلام الجزائري منذ إعلان خبر الوفاة في صباح الـ 24 من ديسمبر على التأكيد على أمرين:
1ـ الأمر الأول، مدى قوة وتغلغل الجيش الشعبي الجزائري في كل مفاصل السلطة ومؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية.
2ـ أما الأمر الثاني، فهو استغلال المؤسسة العسكرية الجزائرية بشكل كبير الجنازة لتحسين صورة الجيش الوطني الشعبي ومحاولة استرجاع الشعبية التي فُقدت نتيجة الفساد وسوء إدارة البلاد والمال العام خلال 60 عاماً من سيطرة الجيش على السلطة.
وفي نفس الوقت فإن غياب أحمد قايد صالح عن الصورة السياسية والعسكرية في الجزائر سيريح المؤسسة العسكرية والمؤسسة السياسية المدنية على حد سواء، وبالخصوص الرئيس الجديد، بعد الانتقادات التي وجهت له من قبل الحراك في الشارع. هي فرصة للنخبة العسكرية لكي تبدأ بعمل نقدي عن المرحلة السابقة منذ الاستقلال تكون نتيجتها العودة الى الثكنات والتخلي عن أي طموح سياسي، وبالخصوص أن رئيس الأركان الجديد المعين بالنيابة من قبل الرئيس عبد المجيد تبون يبدو من خلال التسريبات العديدة أنه من المحبذين لهذ الاتجاه. أما الرئيس الجديد المطعون بشرعيته من قبل الحراك وفئات واسعة من الشعب الجزائري فسيكون لديه الفرصة لكي يقوم بالإصلاحات التي وعد تحت شعار ” الجزائر الجديدة “، وبالتالي تكون رئاسته هي بمثابة الورشة للمرحلة الانتقالية نحو التحول الحقيقي للديموقراطية في الجزائر.
الحراك في الشارع
إن الأصوات المسؤولة التي تتحدث من داخل الحراك كثيرة وهي تعطينا الثقة بصعوبة قيام بعض المتطرفين لحرف مسار الحراك عن سلميته بحجة بطء مسار الانتقال أو لا جدية السلطة القائمة التي يدعمها الجيش بقوة. يقول البعض من المراقبين السياسيين للوضع الجزائري بأنه يجب على الحراك الانتقال من المطالب السلبية أو اللاءات إلى الاقتراحات الإيجابية؛ لكن، ربما يكون هذا ليس في وارد المنتفضين في الشارع الذين يضعون نصب أعينهم تحقيق المطالب وليس ممارسة السياسة التي سوف يتركون إدارتها الى أحزاب المعارضة التي أثبتت مصداقيتها وصدقيتها تجاه الحراك الشعبي في الشارع، فهؤلاء هم الأقدر على معرفة دواليب المساومات السياسية وصيغ التوافقات السياسية بحسب كل مرحلة.ويجب الإنتباه الى هذه النقطة المهمة التالية: إن الديموقراطية بحد ذاتها تكون نتيجة الإصلاح وليس نتيجة عمل ثوري. إن العمل الثوري يزيل النظام ولكن لا يُنشئ ديموقراطيات، فالبعض يتصوّر أن الثورات تأتي بالديموقراطية، وهذا خطأ تاريخي فادح، فقط في أمريكا حدثت الديموقراطية، ولكن إطلاق لقب الثورة على ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية لا يعبر عن الحقيقة التاريخية الفعلية، وهي كون الديموقراطية الأمريكية نشأت نتيجة وجود نخبة سياسية كانت مؤمنة بالديموقراطية، ولم تبنى نتيجة ضغط الشارع. أما الثورة الفرنسية فقد سقطت في عصر الإرهاب الأعمى منذ عام 1791، ولم تبدأ عملية بناء الليبرالية إلا في عهد الملك لويس فيليب في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر. الثورات تزيل أنظمة ولا تنشئ ديموقراطيات، من ينشئ هذه الأخيرة هو عمليات الإصلاح والنخبة السياسية ذات الثقافة الديموقراطية القوية كما توفرت في الولايات المتحدة في الثلث الثالث من القرن الثامن عشر. وهناك ديموقراطيات نشأت بالإصلاح وحده، إصلاح من أعلى، كما حدث في بعض دول أوروبا الشرقية، لكن في بعض الحالات كان هناك حدث ثوري أعقبه انتقال ديموقراطي بالاتفاق بين نخب ذات ثقافة ديموقراطية ولديها المرونة الكافية للقيام بمساومات وتوافقات، كما حدث الأمر في تونس، وفشل في مصر بسبب الاستقطاب الحاد لقطبي المعارضة المصرية للنظام، الإسلامي والعلماني، والدور السيئ الذي لعبه الإخوان المسلمين وحزب النور السلفي في تخريب عملية الانتقال الديموقراطي وتسهيل عمل الجيش المصري في إعادة عقارب الساعة الى الوراء. اليوم الحراك في الجزائر على مفترق الطرق، وأمامه خيارين، بناء على الجواب على السؤال التالي: هل الحراك خسر كل شيء؟ أم لقد نجح نسبياً؟ وكيف سنتعامل مع المستقبل بعد انتخاب رئيس الأمر الواقع؟
1ـ الخيار الأول، يقوم على القول إن الحراك لم يستطع بعد 10 أشهر أن يغير شيئاً في الوضع الجزائري، وأنه خسر كل شيء، فإنه ينبني على هذه النتيجة أمرين:
. إما الرجوع إلى البيوت، وترك البلد للرئيس والسلطة المحيطة به.
. أو الذهاب إلى الرفض المطلق للتحاور واعتبار هذا الرئيس غير شرعي، والذهاب إلى العصيان المدني وإدخال الجزائر في المجهول.
2ـ الخيار الثاني، وهو أفضل مسلك وينبني على القول بأن الحراك استطاع خلال العشرة شهور التي مضت على انطلاقته أن ينجح نسبياً في أن يحقق أمور كثيرة، ومنها إنهاء النظام البوتفليقي القائم، وهو عليه مهمة ثانية هي تحويل أجهزة ومؤسسات الدولة الجزائرية لتعمل لصالح المواطن الجزائري وللحفاظ على الحريات السياسية والمدنية.
على كل فئات المعارضة الجزائرية الحقيقية أن نحول هذه الطاقة والوعي الكبيرين اللذين تجليا في الحراك منذ 10 أشهر، إلى قوة سياسية تعمل يداً بيد مع أحزاب المعارضة الحقيقية والشخصيات المعارضة المستقلة، والقوة السياسية هذه لازم تعمل لكي تسترجع الدولة الجزائرية. على الجماهير التي نزلت إلى الشارع مطالبة بالكرامة والحرية ألا ترى في الدولة ومؤسساتها عدواً أمامها لإسقاطها، بل عليها أن ترى فيها آليات وأدوات سياسية لتسيير المجتمع ويجب من خلال ديموقراطية حقيقية استرجاع هذه المؤسسات لكي تعمل لصالح خيارات تلبي مطالب وطموحات جميع الجزائريين إلى الحرية والكرامة وبالخصوص المطالب المحقة للشرائح المتوسطة والضعيفة من الشعب الجزائري في الشغل والعدالة الاجتماعية.
هناك الآن نافذة مفتوحة، النظام السياسي انهار، والدليل أن عدد كبير جداً من رموزه في السجون، والأحزاب السياسية التي كانت تستعمل من قبل النظام منذ بداية التسعينيات كأدوات لدوام حكمه أي جبهة التحرير الجزائرية وحزب الرئيس السابق اليمين زروال (الذي تولى الرئاسة بين 1994 ـ 1999) أي التجمع الوطني الديموقراطي هم في حالة يرثى لها، وليس لديهم أي قيمة في الشارع.
إذن، هناك مساحة سياسية كبيرة ستفتح أمام الأحزاب السياسية المعارضة الحقيقية، ولكن يجب أن تتنظم، أن تتقوى شعبياً، أن تتحالف، وأخيراً أن يكون هدفها في المراحل الانتقالية هو تثبيت العملية الديموقراطية والمؤسسات التي تحميها لا المصالح الحزبية الضيقة.
ويجب التفريق بين النظام القائم و الدولة العميقة القائمة منذ الاستقلال، أي منذ عام 1962.
النظام القائم انتهى، ولكن الدولة العميقة ما زالت موجودة ويجب علينا تغييرها تدريجياً، هنا عمل المرحلة الانتقالية في كل التحولات الديموقراطية في العالم، وخصوصاً في البلدان ـ مثل بلداننا ـ التي تنتقل من الاستبداد إلى الديموقراطية دون أن تمر بمرحلة ليبرالية كما كان عليه الحال في الدول الغربية. وأساس هذا العمل أن تضع كل التشكيلات وتيارات المعارضة نصب أعينها المهمة الوحيدة التي تتجلى في ترسيخ التحول الديموقراطي وعدم إعطاء أي فرصة لعناصر الدولة العميقة لكي يستغلوا تفكك وتشتت عناصر المعارضة في معارك جانبية وينقضوا عليها كما جرى الأمر في مصر حيث أجهضت الثورة التي كانت سيشكل نجاحها تحولاً عظيماً في المشهد السياسي في العالم العربي.
اليوم على الرئيس الجديد في السلطة ومؤسسة الجيش أن تبادر إلى التهدئة وإعادة الثقة مع الشارع الجزائري المنتفض، وذلك بتلبية سلسلة من المطالب وأولها إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، والدعوة إلى حوار وطني مفتوح لإصلاح النظام الجزائري والدفع التدريجي نحو تحييد المؤسسة العسكرية سياسياً، أما الطريق الآخر فهو طريق الدفع بالجزائر نحو المجهول والانزلاق من جديد نحو دورة عنف جديدة لا نعرف كيف يمكن الخروج منها وهو ما لا ترغب فيه كل أطراف الصراع في الجزائر.

الحوار المتمدن

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code