السبت. فبراير 14th, 2026
0 0
Read Time:5 Minute, 39 Second

رياض حسن محرم

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_كان ذلك في صيف 1967 حين وقعت الكارثة، التي زلزلت كل الواقع العربي، وسببت وما تزال تغيرات عميقة الجذور في أكثر من جيل ، تلك التي سماها هيكل لعبد الناصر” نكسة”، في محاولة منه للتخفيف من هول ما حدث، أو ربما سعيا منه لتخفيف المسؤولية عن سيده وولى نعمته، بإدعاء أن شعوبا كثيرة قبلنا تعرضت لما هو أخطر، على كل حال تلك قصة أخرى ربما أعود إليها وتحتاج لأكثر من مقال ولكن في ظرف آخر.كان العام الأول لي بمدينة الإسكندرية، كنا في نهاية العام الدراسي ( إعدادي طب) في كلية العلوم بالشاطبى، ذلك الحي الراقي الهادئ، كنت وزميل الطفولة جمال عبد الفتاح نسكن معا بشارع تانيس بكامب شيزار، كان الوالد يرسل لي عشرة جنيهات شهريا يقتطعها كما يقولون من اللحم الحي، أدفع منها أربعة للسكن، وتبقى ستة جنيهات للمأكل والملبس ومصاريف الدراسة، كنا نطوى أوراق الدراسة استعدادا لامتحان نهاية العام في منتصف يونيو حينما بدأت الأحداث بالتصاعد، عبد الناصر يؤمر بإغلاق خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية، طلب مصر إلى الأمم المتحدة بسحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء، حشد القوات المصرية في سيناء، تصاعد محموم فى المواقف والتصريحات، ونذر الحرب تلف المنطقة.الحشد الإعلامي يتصاعد إلى الذروة، معنويات المصريين في السماء، الأغاني الثورية تملأ المكان، ” أحلف بسماها وبترابها”، ” عبد الناصر ياحبيب ..بكرة ندخل تل أبيب”، ” في البحر حنحدفكم في البحر”، وصوت أحمد سعيد يجلجل في صوت العرب، رسائل التأييد تنهال على عبد الناصر، فجأة يصل إلى القاهرة الملك حسين بعد طول عداء، ليوقع اتفاقية بوضع قواته المسلحة تحت تصرف عبد الناصر، ويعود إلى الأردن بصحبة عدوه اللدود أحمد الشقيرى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، كانت القناعة الوحيدة لدى الجميع بنصر حاسم وسريع وإزالة الكيان العنصري،واعتبار أن هذه الحرب مجرد نزهة. كان نظام السكن المفروش للطلبة بالإسكندرية من شهر سبتمبر إلى نهاية شهر يونيو، ويترك الطلبة السكن في أشهر الصيف لكي يستمتع به أصحابه أو يؤجرونه مصيف، كانت امتحانات الجامعة لهذا العام تنتهي قبل منتصف يونيو، كنا خمسة أفراد بالشقة، أنا وجمال في غرفة، الثانية بها طالبين من بورسعيد، أما الثالثة فكان فيها موظف في شركة المقاولين العرب، آثر الزملاء في الشقة أن نغادرها في منتصف الشهر تقليلا للمصاريف، بحيث يتم دفع إيجار نصف شهر فقط، وافق البواب (المؤجر)على ذلك، ولكن في صباح 5 يونيو اشتعلت الحرب، وأعلن عن توقف الدراسة والامتحانات، قرر الزملاء مرة أخرى الرحيل المباشر إلى مدنهم وقراهم، تم استدعاء البواب على عجل، ودفع إيجار الخمسة أيام، وغادروا مسرعين، بينما قررت أنا وحدي البقاء.
في الطريق إلى الجامعة كانت المظاهرات صاخبة، كلما اقتربت من مبنى الإعدادي بالقرب من مبنى اتحاد طلاب الجامعة بالشاطبى كانت التجمعات تكبر والمظاهرات تزداد حدة، انضممت إلى إحدى المظاهرات، كانت الشعارات المرفوعة تزداد هستيرية مع كل إعلان عن إسقاط طائرة إسرائيلية جديدة، بلغ العدد المعلن عنه 75 طائرة، الحناجر تزداد التهابا، أنزلت الجموع احد المتظاهرين الذي يردد” عبدالناصر يا حبيب..بكرة حندخل تل أبيب” ورفعت آخر أكثر استعجالا يردد”عبدالناصر يا حبيب..دلوقتى إحنا في تل أبيب”، توجهت الجموع وأنا معهم إلى داخل المبنى لتسجيل الأسماء في كشوف التطوع، تم تقسيم المتطوعين إلى مجموعات، جاء أسمى في مجموعة للتدريب بمبنى مدرسة النصر للبنين بالشاطبى.
كان عددنا حوالي الثلاثمائة فرد تقريبا ويقوم على تدريبنا عميد من الدفاع المدني مع عدد من الضباط والصف ضباط، تم تسليمنا بنادق آلية ورشاشات بورسعيد، وذخيرة حية، وبدأ تدريبنا النظري على فك وتركيب البندقية مع دراسة مكوناتها، بالإضافة لمحاضرات نظرية عن المقاومة الشعبية، وبرامج تعبئة معنوية، بعد يومين تم تقسيمنا إلى مجموعات صغيرة للقيام بالحراسة الليلية لبعض المنشآت الحكومية، كانت مجموعتي مكلفة بحراسة مصنع بيرة الأهرام”ستيللا” بكامب شيزار.
كنا مجموعة مختلفة المشارب والانتماءات، وكان معنا متطوعون من الطلبة العرب الدارسين فى مصر، لكن تجمعنا معا الروح الوطنية المتوقدة، والرغبة في تقديم أي شيء من أجل المعركة، بعد مرور اليوم الثاني بدأت بعض الأخبار غير المطمئنة، حديث عن الانسحاب إلى خط الدفاع الثاني، كلام عن صد هجوم إسرائيلي مدرع شمال العريش، بدأت الهواجس والأفكار تحوم حول شيء ما غير طبيعي يحدث، لكن العقول المفعمة بالحماس والواثقة من قيادتها حتى النخاع تأبى أن تصدق هذه الإشارات، لابد أن هنالك شيء ما يدبر لا نعلمه، ربما ما يحدث تكتيك حربي سرعان ما نعرف كيف تم التخطيط له، لكن بقى في النفس شيء.يوم الثامن من يونيو سهرنا حتى الصباح أيضا، قضينا ليلتنا في الشارع في نوبة حراسة، حاول البعض كسر حدة الموقف ببعض السمر، لكن البهجة تجمدت في العيون، سرعان ما لف الجميع نوبة صمت.في اليوم التالي استمرت التدريبات في المعسكر، كان الجميع يتحرك بآلية، دون القدرة على النظر في عيون بعضنا، توقفت الإذاعة والتلفزيون عن اللقاء البيانات العسكرية الحماسية، بدأت إذاعة أغاني وطنية ومارشات عسكرية، أغاني معظمها تمجد الروح الوطنية مثل”مصر التي في خاطري” و”وقف الخلق جميعا” لأم كلثوم، و مثل “وطني أحببتك يا وطني” و” أخي جاوز الظالمون المدى”، واختفت أغنيات الحرب “والله زمان يا سلاحي” وشبيهاتها.في حوالي الثالثة بدأ يذاع بيان يتكرر كل 5 دقائق عن حديث للرئيس عبد الناصر في الثامنة مساءا، بدأت القلوب ترتجف، كان خيط الأمل الضعيف الباقي أن يعلن عبد الناصر الانتصار العظيم على إسرائيل، بدأ قائد المعسكر في التهيئة للحدث، طلب منا التجمع في قاعة التلفزيون للاستماع إلى الخطاب، منذ السادسة بدأنا في التحولق جميعا حول الشاشة الصغيرة، لم يتأخر عن الموعد، أطل بوجه مكفهر مهزوم، بصورة لم نتعودها سابقا، وبعبارات حزينة وصوت مجروح ليعلن الهزيمة، أو “النكسة”وكما سماها وحاولوا ترويجها، وليعلن عن تنحيه وتكليف”زكريا محيى الدين” برئاسة الجمهورية، لحظتها بدأ جميع الحاضرين بالنحيب بصوت مسموع، سرعان ما تحول النحيب إلى عويل، حدثت حالات إغماء، وحاول أحدهم إطلاق النار على نفسه، لكن قائد المعسكر تصرف بشكل حازم ومسئول، بصوت عال وحاسم خاطب الجميع، أن يتوقفوا عن هذا الانفعال ويتصرفوا كرجال، وطلب منا أن ننتظم في طابور العلم، حيّا العلم وهتف بحياة الجمهورية العربية المتحدة وبحياة رئيسها زكريا محيى الدين، كانت أصوات الجماهير فى الشوارع تعلو، وسمعنا أصوات مظاهرات من بعيد، أدرك قائد المعسكر خطورة الموقف، قال إننا لا نعرف ما يحدث الآن في الشارع، ولا نعرف ردود فعل الناس، ربما يحاولون الهجوم علينا للحصول على السلاح، وطلب منا الانصراف في هدوء، وتجنب السير في الشوارع الرئيسية خوفا من غضب الجماهير، على أن نعاود التدريب صباح الغد.سرت في شوارع الإسكندرية حاملا بندقيتي على كتفي في طريقي إلى البيت، الشوارع مظلمة تماما لحظر الإضاءة، هدير الجماهير ينساب من كل الجهات، الصراخ يختلط بالعويل بالهتاف بالبكاء، حالة من الهستيريا لا يمكن وصفها، وشعور بالتعب والإرهاق والإعياء يسيطر على، فكرة واحدة تلح على بقوة، هذا الرجل هو المسئول عن كل ماحدث، فليذهب إلى الجحيم، لقد خدعنا جميعا ولا يمكن أن يخدعنا ثانية.وصلت إلى المنزل في شارع تانيس، الشارع مظلم، البيت مظلم، السلالم مظلمة، أجّر قدمي بالبيادة الثقيلة على السلم، أتحسس ثقب المفتاح في الظلام، أدلف إلى الشقة مغلقا الباب بقدمي، أتقدم إلى غرفة نومي، ألقى بنفسي على السرير بملابسي الميري والحذاء، وأنهار في بكاء طويل.لا أعرف كم من الوقت بكيت، ولا متى غلبني النوم، فتحت عيني على نور النهار يملأ المكان، وصوت المظاهرات في الشارع لا ينقطع، شعرت برأسي ثقيل، وضعت رأسي تحت الحنفية لمدة، تحركت ببطء لألبس ملابسي، وجدتني في محطة مصر، ركبت القطار عائدا إلى قريتي.

الحوار المتمدن

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code