الأحد. مارس 22nd, 2026
0 0
Read Time:2 Minute, 49 Second

تتذوقها : كوثر الفرجاني 

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_من جملة التعبيرات الحضارية المتوارثة، نجد تلك الفرادة التي يتمتّع بها المطبخ الموريسكي الذي ظلت العائلات الأندلسية تحفظ أسراره ووصفاته عن ظهر قلب، كما تحفظ الجدات الأناشيد والترانيم القديمة التي تلحن وتنشد الانتصارات والانكسارات معًا. 

ولعلّ ما يميز هذا المطبخ الوافد على التقاليد الغذائية البربرية والعربية والعثمانية التي كانت سائدة في ليببا بدايات القرن السابع عشر، هي تلك الأطباق من الحلويات المتنوعة والمرتبطة بالمواسم الفلاحيّة والمناسبات الدينية وحفلات الأفراح والتي ذكر أغلبها “ابن رزين التجيبي القرطبي” في كتابه “فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان”، مثل “كعك الورقة” الذي قامت السيدات الأندلسيات بتهريب أساورهن الذهبية والفضية في ثناياه البيضاء يوم الرحيل الكبير، و”السفنج” و”البناضج” و”الرفيس” و”الزلابية” و”الكاشاص” (وهو نوع من العصيدة الحلوة) و”شبابك الجنة” و”القراوش”.. وغيرها.

لكن تظل حلوى “الدبلة” أو “وذنين القاضي”، من أشهر الحلويات الأندلسية المنتشرة في ليبيا من شمالها إلى جنوبها، وتُقدم في جميع المناسبات، ويمكن إعدادها بالمنازل لقلة كلفتها المادية ولبساطة مكوناتها الأساسية (دقيق، بيض، زيت، ليمون، ماء ورد سكر، سمسم..) وسهولة إعدادها، فبعد عجنها والحصول على شكلها الوردي، يتم قليها في الزيت ومن ثمة غمسها في العسل المعد منزليا بالسكر وماء العطر ورشها بـ”الجلجلان” (السمسم). 

ووفقا لما ورد في الروايات الشعبية إن السيدات الأندلسيات يوم الرحيل الكبير، وكي لا يتفطن المفتشون الإسبان لما قام الموريسكيون بإخراجه من البلد، قمن بتهريب مسحوق الذهب في ثنايا “الدبلة” (الحجم الصغير) و”وذنين القاضي” وذلك لأن لونها الذهبي اعمى عيونهم وحجب ما يخفين؛

وحسب ما يشاع، فإن حلوى “وذنين القاضي” تُعرف بتلك التسمية كناية على آذان القاضي العادل الذي يجب أن يُحسن الإنصات إلى المظلومين من أجل إنصافهم بالعدالة، وفي رواية طريفة “يُحكى أن القاضي والفقيه أبو الوليد الوقشي الطليطلي حضر يومًا مجلس ابن ذي النون الذي قدّم للحضور آذان القاضي مع شراب النعناع، فتهافت عليها ضيوف المجلس وتندّروا على القاضي وهم يأكلونها، وكان ذي النون قد قدم معها نوعًا من الفاكهة تشبه حبات الطماطم تسمى عيون البقر، فقال ذي النون للقاضي الوقشي: أرى أن هؤلاء يأكلون آذانك، فرد القاضي وأنا أيضًا آكل عيونهم..”. 

 و”الدبلة” حسب معجم لسان العرب هي الدائرة المعدنية الصغيرة، ومن هذا المنطلق المعجمي يسمّي أهل الشرق الخاتم الذهبي وبالخصوص خاتم الخطوبة “دبلة”.

كما تُعرف حلوى “الدبلة” لدى العديد من الشعوب العربية، ففي مصر تسمى “عمّة القاضي”، وفي المغرب تعرف ب “الدبلج” وفي ليبيا تسمى “دبلة ليبية”؛ تصنعها الليببات في المنزل بمنتهى المهارة والاتقان.

وحلوى “الدبلة” أو “وذنين القاضي” هي من الأطباق الأساسية التي يتميز بها المطبخ الليبي وتتفنّن السيدة الليبية في إعدادها مع المحافظة على شكلها، ويتم الإقبال عليها في رمضان، وتقدّم خلال السهرات مع القهوة التركية، كما يكثر عليها الطلب في محلات بيع الحلويات والمرطبات حتى أن بعض المحلات تختص ب”الدبلة” بركن مميز يتسم بالفخامة؛ وتراها تشع من بعيد بلونها الذهبي ببريق يخطف الابصار؛ وبالاخص في أيام الشهر الكريم؛ كما ان لها مذاقا خاصا في الاعراس حيث توزع مع الشاي الاخضر  يوم الحنة. 

“الدبلة” هي واحدة من مكونات المخزون التراثي للمطبخ الأندلسي الذي تقاطع مع المطبخ الليبي المتوسطي القديم، وبالتالي، لا بدّ من حمايتها وصيانتها واعتبارها هوية ثقافية لا يمكن طمسها او تجاهلها؛ او حتى استبدالها باي نوع من الحلويات مهما كانت جودتها ومذاقاتها المختلفة؛ لتبقى هذه الحلويات موروثا مغرق في المحلية؛ وذا سمات تعبر عن الخصوصية الليببة الغارقة في الاصالة حتى الثمالة؛ حتى لو كانت متمثلة في لقمة او اذني القاضي. 

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code