بقلم: د. هشام عوكل – أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في السياسة الدولية لا تُقاس الزلازل بعدد الضحايا ولا بضجيج العناوين بل بقدرتها على كشف ما كان مستورًا خلف لغة القانون والأعراف. عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025 لم تكن مجرد عودة رئيس سابق بل عودة منطق كامل. منطق القوة العارية حيث تُختصر الجغرافيا في الموارد وتُختزل السيادة في الذرائع وتُعرض العدالة في مشهد تلفزيوني مباشر.
منذ الأيام الأولى بدا واضحًا أن عقل ترامب لا يرى العالم كمنظومة دول بل كخريطة مصالح في الشمال أُعيد إحياء ملف غرينلاند ليس بوصفها أرضًا تابعة لدولة ذات سيادة بل بوصفها مخزنًا استراتيجيًا للمعادن النادرة ومفتاحًا للهيمنة في القطب الشمالي بذريعة مواجهة روسيا والصين. رفض دنماركي. لا مشكلة القانون الدولي. تفصيل قابل للتجاوز حين تقتضي “المصلحة القومية”.
لكن الزلزال الحقيقي لم يقع في الجليد بل في حرارة الجنوب. في يناير 2026 نفّذت الولايات المتحدة عملية عسكرية خاطفة انتهت بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الاتهام كان جاهزًا مخدرات إرهاب عصابات أما الرسالة فكانت أوضح من أي بيان رئيس دولة يمكن اختطافه بالقوة خارج أي إطار أممي ودون محاكمة أو تفويض دولي.
وهنا يفرض نفسه السؤال الذي يتجنّب الإعلام الغربي طرحه بوضوح.
هل يمكن أن يكون القاضي والجلاد هو نفسه.
وهل يحق لدولة واحدة أن توجه الاتهام وتصدر الحكم وتنفذ العقوبة بحق رئيس دولة ذات سيادة ثم تطلب من العالم احترام “سيادة القانون”.
هذه ليست سابقة في التاريخ الأمريكي الحديث. قبل أكثر من عقدين بُني غزو العراق على كذبة “أسلحة الدمار الشامل”. دُمّرت دولة كاملة وسُحقت مؤسساتها ثم تبيّن أن الأسلحة لم تكن موجودة أصلًا. في ليبيا تغيّر العنوان وبقي المضمون. تدخل باسم الحماية وانهيار باسم التحرير. وفي الصومال استُخدمت “محاربة الفوضى” لتبرير فوضى أطول وأعمق وصولا الى افغانستان وحين سقطت كذبة أسلحة الدمار الشامل أخلاقيًا لم تتوقف الآلة بل غيّرت لغتها.
اليوم لم نعد نسمع عن نووي وكيماوي بل عن مخدرات وإرهاب وشبكات عابرة للحدود.
التهمة تتبدّل لكن الوظيفة واحدة.
في الحالة الفنزويلية يصبح الربط أكثر وضوحًا عند النظر إلى إقليم إسكيبو الغني بالنفط المتنازع عليه مع غويانا حيث تتقاطع مصالح واشنطن مع شركات الطاقة الكبرى. هنا لا يبدو القبض على مادورو مجرد إجراء أمني بل حلقة في استراتيجية أوسع لإعادة رسم السيطرة على موارد الطاقة في نصف الكرة الغربي تمامًا كما تُستخدم غرينلاند لإحكام القبضة على موارد الشمال.
من منظور القانون الدولي ما جرى انتهاك صريح لمبدأ سيادة الدول وخروج واضح عن ميثاق الأمم المتحدة. أما من منظور الجغرافيا السياسية فهو اختبار جديد لمدى صمت العالم وقدرته أو عجزه عن حماية أبسط قواعد النظام الدولي.
وهنا يبرز الموقف الأوروبي الغامض حدّ الإرباك وكأنه قبول ضمني بمنطق إنزال الكوماندوس وخطف الرؤساء. الرسالة أخطر. لا حصانة بعد اليوم. بوليفيا مرشحة. والمكسيك والبرازيل واردتان. والأبعد أن هذه السابقة قد تُغري روسيا والصين بتقليد النموذج ذاته في أمريكا اللاتينية أو حتى في أوروبا الغربية.
زاوية حادة تسئل ؟
ما جرى مع مادورو لم يكن محاكمة. بل عرض قوة.
ولم يكن عدالة دولية بل منطق الغابة ببدلة قانون
وحين يتحول القانون الدولي إلى ديكور وتُستخدم “مكافحة الجريمة” كغطاء جديد لنهب الموارد ندرك أن المشكلة لم تكن يومًا في الذريعة بل في من يملك حق تعريفها. فهل فتح ترامب الباب أم كسر القفل الأخير في نظامٍ لم يعد يحمي أحدًا.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
