أعلن الاتحاد الأوروبي وأستراليا في الرابع والعشرين من مارس إتمام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة الشاملة بينهما، التي ستُزيل أكثر من 99% من الرسوم الجمركية على الصادرات الأوروبية إلى أستراليا، وتُحسّن الوصول إلى المواد الخام الحيوية، وتُعزّز الروابط الاستراتيجية مع منطقة الإندو-باسيفيك. ويُمثّل هذا الاتفاق انعطافاً استراتيجياً مهماً في توقيت دقيق: إذ تسعى أوروبا لتنويع مصادر المعادن الحيوية اللازمة للتحوّل الأخضر — كالليثيوم والنيكل والكوبالت — بعيداً عن الاعتماد المُفرط على الصين. كما يتضمّن الاتفاق شراكة في الأمن والدفاع تُرسم معالم تحالف جديد في مواجهة التحديات الإقليمية. وكانت المفاوضات قد انطلقت منذ عام ٢٠١٨، وتعثّرت مرات عدة بسبب خلافات حول الزراعة ومعايير البيئة، قبل أن تتسارع وتيرتها في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة.
أوروبا تُسرّع انفتاحها على دول الإندو-باسيفيك في مواجهة التمدد الصيني وتأثيرات التعريفات الأمريكية. الاتفاق مع أستراليا يُفتح بوّابة المعادن الحيوية الضرورية للسيارات الكهربائية وبطاريات الطاقة — هذا هو قلب المعركة الاقتصادية الكبرى.
في جلسة بروكسل المنعقدة بين الخامس والعشرين والسادس والعشرين من مارس، صوّت البرلمان الأوروبي على حزمة تشريعية واسعة: أقرّ أعضاء البرلمان حظراً على أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تُنتج محتوى “تعري غير مرغوب” للأشخاص، إلى جانب تأجيل بعض أحكام الذكاء الاصطناعي عالي المخاطر. كما صوّتوا على أول إطار أوروبي جنائي لمكافحة الفساد يُوحّد التعاريف والعقوبات في جرائم الرشوة والاختلاس والإثراء غير المشروع. وفي ملف الهجرة، صوّت البرلمان على فتح مفاوضات مع المجلس بشأن إصلاح قانون إعادة المهاجرين غير الشرعيين. ويأتي هذا كله في خضم نقاش حادّ حول أزمة الإسكان: إذ تُظهر استطلاعات يوروباروميتر أن 68% من مواطني الاتحاد يرون في غياب السكن الميسور تحدياً وطنياً أول، ويطالب 26% منهم بتخصيص ميزانية أوروبية لهذا الملف.
حظر AI التعري يحمي كل شخص من استخدام صوره دون موافقته. أما قانون مكافحة الفساد الموحّد فسيُعقّد حياة المسؤولين الفاسدين في الدول الأعضاء التي كانت تُوفّر ملاذات قانونية. وقضية الإسكان تُظهر أن البرلمان الأوروبي يلتقط الأجندة الاجتماعية اليومية للمواطن.
أطلق رئيس المفوضية الأوروبية الأسبق خوسيه مانويل باروسو تصريحاً لافتاً مفاده أن “لا شيء يمنع دول الاتحاد الأوروبي الأعضاء من الاجتماع دون المجر” لمناقشة المسائل الحساسة حين ينقصها الثقة، مُضيفاً أن الإجراء السياسي فعّال بالقدر ذاته الذي يكون فيه قانونياً إذا أرسلت الـ26 دولة “رسالة بأنها ذات سيادة أيضاً”. ويأتي هذا التصريح في سياق تصاعد التوترات مع حكومة أوربان في بودابست، التي استخدمت حق الفيتو مراراً لتعطيل قرارات تتعلق بأوكرانيا والعقوبات على روسيا. وتُفاقم الأزمة المجرية أوضاع الاتحاد المُثقل أصلاً بتداعيات الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة. ويرى المحللون أن السيناريو الأكثر واقعية هو تفعيل آلية المادة السابعة من معاهدة الاتحاد التي تُتيح تعليق حقوق التصويت للدول التي تنتهك قيم الاتحاد الأساسية.
مشكلة المجر تكشف عيباً هيكلياً في قرار الإجماع: دولة واحدة تستطيع شلّ 26 دولة. باروسو يُقدّم المسار السياسي البديل — لكن هذا سيُرسي سابقة خطيرة: أوروبا بلا المجر. وهو مسار لا مفرّ منه إذا استمر أوربان في تحدياته.
كشفت توقعات موظفي البنك المركزي الأوروبي لمارس ٢٠٢٦ أن النمو الاقتصادي حافظ على زخمه في الشهرين الأولين من العام، إذ ارتفع مؤشر مديري المشتريات المُركَّب إلى ٥١.٩ في فبراير مدفوعاً بنمو في قطاعَي التصنيع والخدمات معاً، لكن اندلاع الحرب في الشرق الأوسط في مارس أطلق مراجعة تنازلية في التوقعات القصيرة المدى، إذ من المرجح أن صدمة أسعار الطاقة وتصاعد حالة عدم اليقين ستُضرب القوة الشرائية للأسر وثقة المستهلكين والشركات. ويُشكّل هذا التراجع عقبةً أمام خطط البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة بعد موجة التضخم الطويلة. وتُفيد تقارير المفوضية الاقتصادية بأن فرنسا خفّفت إجراءات التقشف في ميزانية ٢٠٢٦ مُعوّضةً جزءاً من ذلك بتشديد دول أخرى.
تأجيل خفض الفائدة يعني استمرار ارتفاع أقساط القروض العقارية والتجارية. وارتفاع أسعار الطاقة يرفع فاتورة الكهرباء والغاز. الخبر الجيد: PMI فوق 50 يعني أن الاقتصاد ينمو — لكن ببطء أكثر مما كان مُتوقّعاً.
تقدّم رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان لمخاطبة البرلمان الأوروبي في إطار تعزيز العلاقات مع الاتحاد قبيل الانتخابات البرلمانية الأرمينية المقررة في السابع من يونيو ٢٠٢٦، والتي يُتوقع أن ترسم مسار انضمام البلاد إلى الاتحاد. وتلتزم الحكومة الأرمينية بتحقيق سلام دائم مع أذربيجان وتطبيع العلاقات مع تركيا والتقارب مع الغرب، وتسعى إلى انضمام محتمل للاتحاد الأوروبي مستقبلاً. وتدور مع أرمينيا حالياً محادثات لتحرير التأشيرة، وقمة خاصة مقررة في الخامس من مايو. وتُمثّل أرمينيا أولى دول الفضاء السوفيتي السابق التي تُقدّم طلب انضمام رسمياً خارج النفوذ الروسي، في علامة على تحوّل جيوسياسي حادّ في جنوب القوقاز.
انضمام أرمينيا يُعيد رسم الحدود الشرقية للاتحاد ويُضاعف الضغط على روسيا التي تخسر نفوذاً متراكماً. وللجاليات العربية في أوروبا: تحرير التأشيرات مع أرمينيا يعني وصولاً أسهل لمنطقة ذات تاريخ ثقافي غني مع العالم العربي القديم.
عقد وزراء الطاقة الأوروبيون نقاشاً سياسياً موسّعاً حول آفاق الطاقة في ظل الصراع الجاري في الشرق الأوسط واضطراب الملاحة البحرية في مضيق هرمز، إلى جانب حزمة تطوير شبكات الكهرباء الأوروبية المطروحة للمناقشة. وفي السياق ذاته، تواصل ألمانيا تسريع مساعي إعادة التسليح في إطار ما بات يُعرف بـ”Zeitenwende 2″ بتمويل يتجاوز التريليون يورو، وسط ضغوط اقتصادية حادة تواجه صناعة السيارات الألمانية من المنافسة الصينية المتصاعدة في سوق السيارات الكهربائية. فقد تآكل النموذج الألماني القائم على الغاز الروسي الرخيص والوصول إلى الأسواق الصينية، في حين تتمدد شركات مثل BYD بقوة في السوق الأوروبية بأسعار أقل بكثير من المنتجين الأوروبيين. وتتصاعد المطالبات بسياسة صناعية أوروبية مشتركة تُجابه ما يصفه البعض بـ”الهجوم الاقتصادي الصيني الهادئ”.
كل أزمة طاقة تاريخياً أسرعت التحوّل نحو الطاقة المتجددة. حرب الشرق الأوسط تُعيد فتح النقاش حول الطاقة النووية أيضاً — وهو ما كان من المحظورات قبل سنوات في ألمانيا وبلجيكا. الضغط الخارجي يُنتج في الغالب إرادة سياسية داخلية لا تُنتجها السياسة وحدها.
