شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_يشكل أمن الملاحة البحرية أحد الركائز الأساسية للاستقرار العالمي، إذ تعتمد التجارة الدولية بشكل رئيسي على مرور البضائع والموارد عبر البحار والمحيطات. وتحدد قواعد القانون الدولي الأطر التي تنظم هذه الملاحة، بما في ذلك حقوق الدول والتزاماتها تجاه السفن التجارية والعسكرية، والحاجة إلى حماية الممرات البحرية الحيوية. ومع تصاعد النزاعات المسلحة والتوترات الإقليمية، برزت إشكالية شرعية العمليات العسكرية في البحر كموضوع رئيسي في الدراسات القانونية والاستراتيجية، حيث لم تعد البحار مجرد فضاءات للتجارة والنقل، بل أصبحت مسارح لصراع القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وتكتسب هذه الإشكالية أهمية إضافية بالنظر إلى الأثر المباشر لأي اضطراب في الملاحة على الاقتصاد العالمي، إذ تمر عبر البحار أكثر من (80%) من التجارة الدولية، بما في ذلك النفط والغاز والسلع الأساسية. ومع تزايد استخدام التكنولوجيا العسكرية الحديثة وظهور الفاعلين غير الدوليين، أصبح تطبيق القانون الدولي البحري أكثر تعقيدًا، مما يستدعي دراسة متعمقة للإطار القانوني، ومتى تصبح العمليات العسكرية مشروعة، ومتى تتحول إلى خرق للقانون الدولي، وصولاً إلى استعراض التطبيقات المعاصرة وتحليل السيناريوهات المستقبلية.
الإطار القانوني الدولي لحرية الملاحة
تعتبر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، التي تم التوقيع عليها في مونتيغو باي عام 1982 ودخلت حيز التنفيذ في عام 1994، المرجع القانوني الأساسي الذي ينظم استخدام البحار والمحيطات. فقد وضعت الاتفاقية نظامًا متكاملًا لتحديد نطاقات السيادة البحرية، بدءًا من المياه الإقليمية التي تمتد حتى (12) ميلاً بحريًا من الساحل، وصولاً إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة التي تمتد حتى (200) ميل بحري، ومن ثم أعالي البحار المفتوحة لجميع الدول. وتؤكد الاتفاقية على التوازن بين حقوق الدول الساحلية في استغلال الموارد البحرية وحقوق الدول الأخرى في حرية الملاحة.
وتشتمل الاتفاقية على بنود تحدد حقوق المرور في المضائق الدولية، وتضمن عدم منع مرور السفن التجارية أو العسكرية من دون مبررات أمنية واضحة. كما تتضمن ضوابط لحماية البيئة البحرية، وحظر التعدي على السفن الأخرى، وتأكيد التزام الدول بقواعد التعاون الدولي في مجال الإنقاذ البحري ومكافحة القرصنة. ورغم وضوح هذه الأحكام، يبرز التحدي في التطبيق، إذ كثيرًا ما تعتمد الدول على تفسيرات موسعة لسيادتها البحرية، مما يؤدي إلى توترات تتعلق بحرية الملاحة، خاصة في الممرات الحيوية.
مبدأ حرية الملاحة
يشكل مبدأ حرية الملاحة حجر الزاوية في القانون البحري الدولي، حيث يكفل لجميع الدول استخدام البحار لأغراض سلمية، بما في ذلك النقل البحري والتجارة والملاحة العسكرية. ويبرز هذا المبدأ في المضائق الحيوية مثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، ومضيق باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويمثل شريانًا أساسيًا للتجارة العالمية. ويضمن هذا المبدأ مرور السفن دون عرقلة، طالما التزمت بالقوانين المعمول بها، بما في ذلك الالتزام بالمرور البريء، وعدم القيام بأعمال عدائية أو أنشطة تهدد الأمن البحري. ورغم وضوح المبدأ، فإن الواقع العملي يظهر تحديات كبيرة، إذ تقوم بعض الدول بفرض قيود على المرور بذريعة الأمن القومي، أو الرد على تهديدات سياسية، ما يطرح تساؤلات حول مدى توافق هذه الإجراءات مع القانون الدولي، ويعكس الحاجة إلى آليات فعالة للرقابة والامتثال.
متى تصبح العمليات العسكرية في البحر مشروعة؟
تكتسب العمليات العسكرية في البحر شرعيتها من مصدرين أساسيين: ميثاق الأمم المتحدة، وقواعد القانون الدولي الإنساني المنطبقة على النزاعات المسلحة في البحار. تمثل المادة (51) من الميثاق حجر الزاوية، إذ تمنح الدول الحق في الدفاع عن النفس إذا تعرضت لهجوم مسلح، ويشمل ذلك حماية السفن الحربية والقطع العسكرية، وقد يمتد ليشمل السفن التجارية التي ترفع علم الدولة، باعتبارها جزءاً من الاختصاص السيادي، شريطة أن يكون الرد العسكري ضرورياً ومتناسباً.
خلال النزاعات المسلحة الدولية، يُعد “دليل سان ريمو بشأن القانون الدولي المنطبق على النزاعات المسلحة في البحار” لعام 1994 المرجع الأكثر تفصيلاً، إذ يحدد العمليات العسكرية المشروعة التي تستهدف “أهدافاً عسكرية” واضحة، وهي القطع التي تسهم فعلياً في العمل العسكري ويكون تدميرها ذا فائدة استراتيجية مؤكدة.
يجوز فرض حصار بحري وفق شروط صارمة تشمل الإعلان المسبق، والفعالية، وعدم حرمان السكان المدنيين من سبل العيش، بما يمنح الشرعية القانونية لاعتراض السفن التي تحمل مواد تساهم في المجهود الحربي. بالإضافة إلى ذلك، تمنح قرارات مجلس الأمن تحت الفصل السابع شرعية إضافية للعمليات العسكرية البحرية، إذ يمكن السماح باستخدام القوة لضمان أمن الملاحة أو تفتيش السفن المشتبه في انتهاكها لحظر الأسلحة، ما يعكس إرادة المجتمع الدولي في حماية الممرات المائية من الفاعلين العدائيين
متى تُعتبر الحرب أو العمليات العسكرية غير قانونية؟
تعتبر العمليات العسكرية غير قانونية عندما تستخدم القوة دون هجوم مسلح مسبق أو تفويض من مجلس الأمن، وهو خرق للمادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة. وتشمل اللاشرعية كذلك استهداف الملاحة المدنية والتجارية، إذ ينطبق مبدأ التمييز المنصوص عليه في البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، ويمنع مهاجمة ناقلات النفط أو سفن البضائع التي لا تساهم في المجهود الحربي.
يحظر القانون الدولي استخدام الأسلحة العشوائية مثل الألغام البحرية غير المثبتة، وفق اتفاقية لاهاي الثامنة لعام 1907، لأنها لا تميز بين السفن العسكرية والمدنية، مما يشكل تهديداً طويل الأمد للملاحة. وتعطيل الممرات البحرية والمضائق الدولية لأغراض سياسية أو الابتزاز الاستراتيجي يفتقر لأي أساس قانوني، إذ تنص المادة (44) من (UNCLOS) على أنه “لا يجوز تعليق حق المرور العابر”. أي عمل عسكري يهدف إلى خنق التجارة الدولية يُعتبر انتهاكاً لحقوق الدول “غير المتحاربة”، ويخول المجتمع الدولي التدخل لضمان حرية الملاحة.
تطبيقات معاصرة وتحولات أمن الملاحة في النزاعات الراهنة
تعكس الحرب في البحر الأسود التحديات الحديثة للقانون البحري، إذ تحولت المياه الإقليمية والدولية إلى ساحات حصار بحري وتلغيم واسع. استهداف الموانئ والبنية التحتية المرفئية أثار نقاشاً حول “الأمن الغذائي العالمي” كحق إنساني يعلو على السيادة، وكشف عن قصور في إنفاذ اتفاقية مونترو لعام 1936، حيث أظهرت التفسيرات القانونية المتباينة أنها تتأثر بالمصالح السياسية، ما يؤثر على موازين القوى البحرية.
وفي الخليج العربي ومضيق هرمز، شهدت المنطقة “حروب الظل” البحرية، بما في ذلك اعتراض السفن التجارية وعمليات تخريبية دون إعلان رسمي عن حالة الحرب، مما يمثل التفافاً على القانون الدولي وخرقاً لقانون علم السفينة، الذي يمنح دولة العلم ولاية قضائية حصرية على سفنها في أعالي البحار. أما البحر الأحمر وباب المندب، فقد واجهت الملاحة تهديدات من فاعلين من غير الدول، تُصنف كأعمال “قرصنة” أو “إرهاب بحري” وفق اتفاقية (SUA) لعام 1988، حيث استخدمت تقنيات الصواريخ البحرية والطائرات المسيّرة، ما يستدعي تطوير قواعد الاشتباك البحري وملاحقة الجهات الداعمة دولياً.
التقييم والقراءة المستقبلية
– تكشف هذه التطورات عن فجوة بين نصوص القانون الدولي وواقع الملاحة، إذ تتفوق المصلحة الأمنية القومية على الالتزامات القانونية. كذلك تبرز الحاجة لتحديث “دليل سان ريمو” ليشمل الأسلحة الذاتية، الطائرات المسيّرة، والحروب السيبرانية المستهدفة لأنظمة الملاحة.
– يظل التعامل مع الفاعلين من غير الدول تحدياً كبيراً، إذ لا يخضعون للمساءلة الدولية التي تُطبق على الدول، ما يستدعي بروتوكولات جديدة تمكن الدول من ممارسة حق الدفاع عن النفس ضد هذه الجماعات دون انتهاك السيادة.
– من المتوقع زيادة عسكرة الممرات المائية الحيوية، مع إقامة قواعد عسكرية دائمة، ما قد يجعل الملاحة التجارية رهينة للتوازنات العسكرية.
– الحل المستدام لا يقتصر على النصوص القانونية، بل يتطلب تعزيز “الوعي بالمجال البحري” من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول والمنظمات الدولية لرصد التهديدات قبل وقوعها.
– يجب تفعيل دور المحكمة الدولية لقانون البحار (ITLOS) للفصل السريع في النزاعات البحرية مع إيجاد آليات ملزمة لتنفيذ أحكامها، بدلاً من الاكتفاء بالاستشارات القانونية.
– يمثل أمن الملاحة البحرية حجر الزاوية في استقرار الحضارة الحديثة، وأي انهيار في النظام القانوني للبحار قد يؤدي إلى فوضى عالمية شاملة. الحفاظ على شرعية العمليات العسكرية وتقييدها بالقانون الدولي ليس مجرد رفاهية، بل ضرورة وجودية لضمان استمرار البحار جسوراً للتواصل البشري لا ساحات للتصادم العنيف.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
