الثلاثاء. فبراير 10th, 2026
0 0
Read Time:3 Minute, 19 Second

بقلم:أحمد سليمان أبكر


شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_باهرة الجمال، مطبوعة على البراءة واللطف، جزمت أمها بأنها لن تزوجها إلا لمن يدفع مهرها ذهبًا خالصًا لا تشوبه شائبة، وليس ذلك فحسب بل لابد له أن يأتي بأمور خارقة كأن يمشيء على حبل مشدود بين بنايتين.
في ذلك المساء جاء لخطبتها رجل يبدو غريب عن الحي بل عن المدينة كلها، كان في الأربعين من عمره، قويًا مهيبًا، ذا لحية رشيقة وعمامة حمراء عالية، وجبة مزركشة أنيقة، وعينين كحلتين لامعتين ثاقبتي النظرة، يمد صوته الملئ عند الكلام، ويرسله على مهل وهدوء. وضع بين يدي أمها النشب والذهب، وأتي بمجموعة من الأشياء الخارقة كأن مشى على حبل مشدود بين بنايتين وجلس القرفصاء في الهواء.
مشت ساعات طويلة في دهليز شديد الظلام، تلتمس طريقها خطوة خطوة، تتذكر قصصًا غريبة تُروى عن سلالات البشر المتوحشة، وكيف أنها تفتك بمن يقع في قبضتها، ثم لم تلبث أن بدأت آلاف التصورات الغامضة تجثم على صدرها وترهقها، وكان أفظع ما في هذه التخيلات صورة بنتها التي تتراءى لها بين الفينة والأخرى، وقد اشتد الظلام كثافة لدرجة لم تعد تعرف فيها في أي اتجاه تسير، وفي الوقت نفسه بدأ الاستغراق في النوم يفعل فعله فيها، وقد أخذ يزيد حدة اهتمامها بأبسط الأشياء: باختلاج أوراق ملصقة على جدارن الدهليز، بتمازج الألوان في لوحات غريبة الشكل، بروائح الدم التي تنبعث من المكان، هذه الأشياء مثلت لها عالمًا كاملًا من الإيحاءات وطائفة من التخيلات والأفكار غير المتماسكة، التي جعلتها في حيرة من أمرها، لكن الأحداث التي تلتها كانت أكثر منها إثارة للحيرة والدهشة والرعب، إذ سمعت قرقعة غريبة كما لو أنها صادرة من وقع أقدام، ثم اندفع أمامها شبح إنسان، يركض بسرعة خاطفة، وقد اقترب منها حتى شعرت بأنفاسه الحارة على وجهها، وما كاد يختفي في ثنايا الظلام اللامتناهي، حتى اندفع وراءه وحش وقد فغر شدقه، واندلع الشرر في عينيه، عرفته فورًا، فقد كان ذئبًا، زادت رؤية الوحش في مخاوفها، هبت من هجعتها، استعادت وعيها أطاحت بها الوساوس والظنون، حاولت تقنع نفسها أنها كانت تحلم، لكنها لم تفلح في ذلك.
الليل في هزيعه الثاني، ساد الشقة هدوء مطبق استمر نصف دقيقة، كان سقوط ورقة أو تحرك ريشة صوتًا مسموعًا، وقطع ذلك الصمت صرير خفيف مخنوق كأنما ينبعث من جميع زوايا البناية نهضت المسكينة من مرقدها، وإذ لم تجرؤ على التأوه، وبعد أن التقطت أنفاسها، وجدت نفسها تصعد قسر إرادتها إلى شقة بنتها في الطابق الثاني، بلغت باب الشقة، طرقته عدة طرقات، لا أحد بالداخل، أخذت تتلقى أحاسيس مبهمة غير سارة، ويزيد من تعاستها غرابة الأمر الذي جعلها تشعر بأن حدثًا غير عادي قد حدث، ولجت باب الشقة ، إذ وجدته مفتوحًا نصف فتحة، وجدت نفسها تعبر قاعة تضيئها مصابيح زرقاء، صممت لتلوح كمسرح مسحور، وكانت رائحة شديدة هنالك، ولاح أنها كانت تنبعث من اللوحات الغربية التي كانت معلقة في فضاء الغرفة الأزرق، تبعتها تلك الرائحة إلى غرفة البنت وزوجها، الباب مفتوح لا أحد هناك تسمرت عيناها عند موقد ومصباح غريبي الشكل فوق منضدة تتوسط الغرفة، وفي تلك اللحظة بدأ يتضاءل الضوء المنبعث من المصباح حتى انطفأ، ولم يبقَ في الغرفة إلا ضوء الموقد المنبعث من لهيب النار الذي غيّر ألوان الأشياء، وأكسبها صبغة جعلتها كأنها خيالات لا حقائق، ثم لم تلبث أن تراءت لها لوحة كبيرة مركوزة على جدار الغرفة، تبدو لرأس مقطوع الودجين تسيل منه دماء غزارة وإلى جواره جسد مسجى صكت ركبتاها، وسيطر على روحها كلها رعب لا يطاق ولا يفسر، تنهدت بتشنج، حدقت في ملامح الرأس بتمعن، حدثتها نفسها بأنه رأس بنتها، تفشى في صدرها ضيق وكدر، تابعت دخولها للغرفة بخطى ثابتة، انتشرت في هواء الغرفة رائحة غريبة رجّحت أنها رائحة دم، تناهت إلى مسامعها دمدمة خفيفة، لكنها متواصلة تشبه الصوت الذي يتصاعد من جدول بطيء الجريان؛ وكانت هذه الدمدمة تبلغ أذنيها ممزوجة بصوت بشري، وقفت في وسط الغرفة، تبين لها أن هذه الدمدمة قادمة من خلف الستارة التي على يمنيها، وبحالة من الانفعال المخيف، أزاحت الستارة لتجد نفسها أمام غرفة ثانية فيها بنتها مسجاة على الأرض مقطوعة الودجين وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة وبجانبها كؤوس ملطخة بالدم، ورقعة صغيرة مكتوب عليها تحبون الذهب والنشب ولا تكترثون لهوية من طلب النسب.

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_


Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code