الشاعر خليفة دربالة -تونس
صفاقس
ماذا اكتب بعد الآن ؟ …
و انا المنفيّ خارج حدود الأوطان…
خارج الزمان و المكان …
كيف سأكتب ؟
و انا المرميّ في مدن النسيان …
مثقّل بأصفاد القهر …
مكبّل بقيود الحرمان…
مُبْعَدٌ كنفاية سامّة …
إلى واحدة من جزر الأحزان …
لا أحد يعرف لها إحداثيات
على الخرائط … او عنوان …
كيف سأكتب بعد الآن ؟
و انا محاط بأسوار عالية البنيان
سجينة مثلي دفاتري و اقلامي…
كلماتي مراقبة …
على مدار الساعة …
حتى احلامي يحاصرها مائة سجّان …
كيف سأكتب…
و انا معصوب العينين
و يداي مكبّلتان…
منبوذ ككلب اجرب … خلف القضبان …
على شعري تنسج العناكب خيوطها…
تقرض من لحمي الجرذان …
اتضاءل… اتهالك… اتلاشى…
تضيع ملامح وجهي …. يخفت صوتي
افقد حتى القدرة …
على تمييز الألوان …
ذات فجر … من واحد من أشهر القهر
في سنة من سنوات الجمر …
دخل السجان…
يعتصر ما بقي في شرايين قلمي …
من قطرات الحبر …
و ألبسه لباس الإعدام الأحمر …
ثم التفت نحوي …
صرخ في وجهي …. انت مُدَانْ …
و صدر بشأنك هذا الأمر …
حاذر ان تكتب حرفا يقلق مزاج
مولانا السلطان …
او ان تتكلم حول الكتب السماوية
و الأديان…
ممنوع ان تبدي رأيا … مهما كان
في التوراة أو الإنجيل او القرآن ….
ممنوع انت من الكتابة
عن المرأة المطحونة …
و لا الطفولة المشردة على أرصفة الطرقات …
و لا حقوق الإنسان …
و عن العدل و الميزان …
و لا الافراح و لا الأحزان …
لا شأن لك إطلاقا … لا بالإنس و لا بالجان…
نظرا في عينيّ … و قال :
لعلمك… هذا آخر تنبيه…
قبل أن تُستأصَلَ منك الذاكرة…
و تُحْقَنَ بمحلول النسيان…
اتم السجان تلاوة بيانه و غادر مهمهما…
لنرى:
ماذا ستكتب بعد الآن !!!
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
