أ. خيرية فتحي عبد الجليل
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ العشرات يعبرون الشارع الطويل الملتوي وأنا بينهم، هرولت عند بداية الشارع ثم سرت ببطء، خطوات جريئة، متسارعة، أقرأ عناوين وأسماء المحال التجارية ومكاتب خدمات الحاسوب والإنترنت، هذا الشارع يتميز بإنتشار مكاتب خدمات التقنية والحاسوب، دورات تعليمية، صيانة أجهزة، بيع وشراء قطع غيار وغيرها من الخدمات الإلكترونية الحديثة.
الشارع يلتهب بالحركة بعد منتصف النهار، دخلتُ أول درجة قادتني إلى عنوان كبير، قرأت الأسم ثم دخلت ” أكاديمية الرائد للمعلوماتية “، تقدمتُ نحو مكتب الإستعلامات بخطى مترددة، حائرة كأنها ترجع إلى الخلف بدل أن تتقدم، رائحة المكان تشي بالكثير، هادئة، منعشة، متطايرة في الجو، فكرت كم أنا بحاجة إلى تعلم ذلك المجال !
كان هذا الهاجس يلح علي في التقدم، تهلل وجه الشاب المبتسم خلف الجدار الزجاجي العازل ووقف مرحباً بي.
– مرحبا …
بادرته مستعجلة
– ما هي الدورات التعليمية التي تقدمها الإكاديمية هذه الفترة؟
أنحنى خلف الجدار الزجاجي السميك من خلال شباك صغير مفتوح قدم إلي مطوية تزدان بقائمة طويلة من الدورات التدريبية، مدتها وأسعارها.
جلت ببصري اقرأ القائمة الطويلة وأنشغل الشاب عني ببعض الأمور، لم أجد ما أبحث عنه، وضعت المطوية، دسستها من خلال الشباك الصغير وخرجت إلى الشارع في هدوء.
عند عتبة المكتب الأخر أستقبلتني الأستاذة بزيها الطويل وحجابها، قادتني إلى الداخل حيث قاعة الدروس الواسعة والسبورة وحيث عطرها الكثيف، أرضية المكان مفروشة بعناية فائقة، أجهزة الحاسوب تصطف في طابور طويل ومنظم، سلمت عليها فمدتْ يداً أختفت معظم أصابعها خلف كم الجلباب الطويل.
– لا أعتقد أنني سأجد ما أبحث عنه هنا ( قلت في ذات نفسي ).
للمرة الثانية أخرج إلى الشارع الطويل بخفي حنين
– قد أجد ما أبحث عنه في مكاتب صيانة الحاسوب حيث دورات صيانة وتركيب الأجهزة وربط المنظومات بقواعد البيانات.
هكذا قرأت في إحدى المواقع الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية، دخلت محلاً للبيع والصيانة.
كانت تسريحة شعري الشبابية تشي بسنوات عمري، مكياجي، ملابسي، حقيبتي الصغيرة، هاتفي، كل شيء يتحدث عن فوضواي المثيرة للشك.
انحنيت، همستُ بما أريد للرجل الواقف خلف المكتب الضخم، لم أفسر شكل حيرتي والهوواجس التي أنتابتني عندما مسحت نظراته شكلي وملابسي ببطء شديد ومن أعلى إلى الأسفل هاتفاً بصوت مرتفع:
– ماذا؟
بلعت ريقي بصعوبة، لم أتحدث بشيء يستوجب كل هذا الهلع، قلت هامسة.
عبس مهندس الصيانة، ثبت نظراته على حقيبة يدي أو لعل طلاء أظافري صارخ اللون هو ما جذب بصره، قال:
– نحن لا ندرس مثل هذه الأمور.
غمز أحدهم قائلاً:
– “ باسوود ” أحد صفحات الشخصيات المهمة على الفيس قد يتطلب منك الكثير.
و كتب مبلغاً على قصاصة ورق صغيرة مبتسماً، هالني ضخامة المبلغ، لكنني لا أريد ذلك
لا أريد سوى أن أتعلم كيف أسترد ملفاتي المسروقة من جهازي عندما كان متصلاً بالشبكة العنكبوتية، أريد إسترجاع صوري قبل أن تنالها أيدي العابثين وتتلاعب بها فساداً بالفوتوشوب، خرجت، ألتهمني الشارع الطويل، خلفي تتساقط قهقهات مهندس الصيانة طليقة، متناثرة، تتقافز حولي ونظراته تطارد اللون الصارخ الذي يخضب أناملي.
شارعاً فشارعاً كنتُ أنهب كل طرقات مدينتي باحثة عن ضالتي ولكن عبثاً وكانت الشوارع تخرج من جوفها كلمات عزاء مبعثرة وتنظر إلى هيئتي في سهوم.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
