الأحد. فبراير 15th, 2026
0 0
Read Time:12 Minute, 18 Second

شبكة  المدارالإعلامية الأوروبية…_أصبحت العلاقات عبر الأطلسي مختلفة تمامًا منذ الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ضوء تبني الولايات المتحدة استراتيجية مغايرة مع الحلفاء الأوروبيين، بشأن الدفاع العسكري والعلاقات الاقتصادية وحرب أوكرانيا، الأمر الذي أدى لظهور توترات بين واشنطن وأوروبا، وتسبب في غياب الثقة بين الطرفين بشأن القضايا الخلافية الراهنة، في ظل تقارب أمريكي روسي في بعض الملفات، وإصرار الولايات المتحدة على تهميش دور أوروبا في ملف المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا من جانب، والمباحثات مع إيران حول الملف النووي من جانب آخر، ما يهدد مسألة الدفاع الجماعي داخل حلف الناتو، ويعرقل التعاون الاستخباراتي لمواجهة التهديدات.

مكانة الاستخبارات في العلاقة عبر الأطلسي

بدأت اتصالات رسمية بين أجهزة الاستخبارات البريطانية ونظيرتها الأمريكية منذ بداية الحرب العالمية الثانية في 1 سبتمبر 1939، ولكن ظلت هذه الاتصالات محدودة ومحاطة بالشكوك، حتى أربعينيات القرن الماضي. ومع تطوير بريطانيا أجهزة استخباراتها، تمكنت من تزويد الولايات المتحدة بمعلومات تقود إلى تحقيقات في مكافحة التجسس، التي كان من شأنها منع عمليات التخريب النازية في الموانئ الأمريكية. بدأ التنسيق المشترك تدريجيًا في تبادل المعلومات بين البحرية الأمريكية ونظيرتها البريطانية، وبلغت ذروة التنسيق مع قيام سرب المحيط الأطلسي التابع للبحرية الأمريكية بمهام مرافقة للبحرية البريطانية، وعرف وقتها باسم “دوريات الحياد” في الفترة (1940-1941).

وافق رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل على تأسيس مكتب التنسيق الأمني البريطاني “BSC” في نيويورك، الذي عمل على منع التخريب الألماني بالموانئ الأمريكية، وكان بهدف الترويج للسياسات الخارجية والعسكرية لدي الأمريكيين، وجمع المعلومات الاستخباراتية في نصف الكرة الغربي، بجانب إقناع الأمريكيين بدعم بريطانيا ضد ألمانيا. تطورت العلاقة الاستخباراتية بين الولايات المتحدة وبريطانيا بانتهاء الحرب العالمية الثانية في 1945، ووقعت الدولتان اتفاقية سرية رسمية لتبادل المعلومات الاستخباراتية في 1946، لمواجهة التهديد السوفيتي الذي بدأ فرض سيطرته على أوروبا آنذاك. توسعت الاتفاقية لتشمل كندا في 1948، وأستراليا ونيوزيلندا في 1956، وظلت الاتفاقية سرية بين الـ (5) دول، حتى تم الإعلان عنها بشكل علني في يونيو 2010. كان أساس التحالف الذي عرف باسم “تحالف العيون الخمس”، هزيمة الاتحاد السوفيتي بتجنيد الدبلوماسيين الروس لصالحهم، ومحاربة الجواسيس الذين نشرهم الاتحاد السوفيتي في أراضيهم، عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون عبر الحدود.

دخل التعاون الاستخباراتي بين دول الغرب شكلًا مختلفًا مع الحرب الباردة التي بدأت في 1947، وركز على مراقبة تحركات الاتحاد السوفيتي النووية والتقليدية، ولجأت واشنطن لأراضي أوروبية لنشر الدعاية المضادة ضد الاتحاد السوفيتي. وبتأسيس حلف الناتو في 1949، وضعت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية أساسًا عسكريًا استخباراتيًا بشكل رسمي، وتضمن لجان تبادل المعلومات الدفاعية، والتنسيق الاستخباراتي بين الحلفاء، ووضع السياسات الاستخباراتية للحلف. كانت هجمات 11 سبتمبر 2001، نقطة تحول في التعاون الاستخباراتي بين واشنطن وأوروبا، وتطور من التنسيق العسكري التقليدي، إلى شراكة قانونية معقدة تشمل المال والسفر والفضاء الرقمي، لتنظيم تبادل البيانات الحساسة من أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات. بعد مفاوضات صعبة بين واشنطن والمفوضية الأوروبية، وقع الجانبان على اتفاقية “سويفت” في 28 يونيو 2010، لتمكين وزارة الخزانة الأمريكية من الوصول إلى بيانات مالية أوروبية، ما يؤكد على دخول التعاون الاستخباراتي بينهما إلى مرحلة شديدة الخصوصية والأهمية.

 أزمة الثقة في ظل إدارة ترامب

 تسريب المعلومات: أفقدت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة في 5 ديسمبر 2025 أوروبا، الثقة في التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة، كونها تمثل تحولًا جذريًا في نظرة واشنطن إلى الحلفاء، وتضمنت هجومًا حادًا على أوروبا، بوصفها قارة مهددة بالزوال، جراء سياسات الهجرة وتراجع الاقتصاد وتقييد الحريات. وأكدت الوثيقة على العمل بشأن “تنمية المقاومة لمسار أوروبا الراهن”، وتراجع أوروبا في أولويات واشنطن. أوضحت صحفية “إندبندنت” البريطانية، أن التعاطف الحالي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لروسيا، قد يؤدي إلى تخلي واشنطن عن كييف، ما يعرضها ودول أوروبا والناتو للخطر. بات ثابتًا لدى الأوروبيين، أن هدف واشنطن إضعاف أوروبا، ما يسهل التعامل مع دولها المنقسمة، بتقوية الحركات القومية ومنع أوروبا من أن تصبح قوى جيوسياسية مستقلة.

قد تتسبب هذه المخاوف في حدوث أزمة بشأن التعاون الاستخباراتي بالناتو، عبر نقل معلومات حساسة خارج القنوات التقليدية، وفي مايو 2017 خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب، أشارت تقارير إلى أن ترامب كشف معلومات استخباراتية حساسة، لوزير الخارجية والسفير الروسيين بالبيت الأبيض. في فبراير 2026، زعم مُبلغ استخباراتي، أنه تم اعتراض تقريرًا لوكالة “ناسا” تضمن مكالمة لعنصر مرتبط بجهة استخبارات أجنبية، حول شخص مقرب من ترامب، وأن مدير مكتب الاستخبارات القومية تعامل مع الشكوى، بطريقة أثارت اتهامات بتأخير أو حجب المشاركة مع لجان الكونغرس. تشير هذه الوقائع، إلى احتمالية تراجع العمل الاستخباراتي التكتيكي بالناتو، ما يضعف قدرة الحلفاء بشأن توقع التهديدات، والكشف المبكر عن هجمات إلكترونية أو هجمات إرهابية، خاصة مع اختلاف تقييمات واشنطن وبروكسل وبرلين ولندن وباريس، لطبيعة المخاطر ومصادر التهديدات الأمنية.

 التعامل مع روسيا والصين: كان مؤتمر “ميونيخ للأمن” في الفترة (14-16) فبراير 2025، بداية لإثارة الشكوك لدى الأوروبيين، حول تغير سياسة واشنطن تجاه الصين وروسيا. اتهم نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، قادة أوروبا بممارسة الرقابة، ما يجعل التهديد من الداخل أخطر على أوروبا بدلًا من روسيا والصين. دافع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، عن حزب “البديل من أجل ألمانيا AfD”، مهاجمًا تصنيف الاستخبارات الألمانية للحزب كمنظمة متطرفة. تعد تصريحات المسؤولين الأمريكيين تدخلًا غير مسبوقًا في الشؤون الداخلية لأوروبا، ورسالة واضحة بأن واشنطن منحازة لخصوم على حساب أوروبا.

أشار تقرير لصحفية “لوموند” الفرنسية في 22 أبريل 2025، إلى قلق حقيقي لدى أجهزة الاستخبارات الغربية، بشأن التعاون المستقبلي مع واشنطن، بعد تأكيدها على تسريع التوجه نحو آسيا، وتعليق البنتاغون لدعمه الاستخباراتي لأوكرانيا في مارس 2025. تصدرت هذه المخاوف الاجتماع السنوي لهيئة تحليل المعلومات الاستخباراتية الموحدة “SIAC”، وهي هيئة تجمع المعلومات الاستخباراتية من الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، لصالح الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، لاسيما وأن هذه الهيئة تفتقر وجود قدرات تشغيلية خاصة بها. استخدمت وثيقة الأمن القومي الأمريكي، لغة متواضعة تجاه خصوم الولايات المتحدة، بما في ذلك روسيا والصين، ما يعني أن واشنطن تتجه لإعادة توازن العلاقات مع الصين، وتمنح روسيا الغلبة في مفاوضات إنهاء حرب أوكرانيا. لاسيما وأن الإدارة الأمريكية قللت من وزن تهديدات روسيا في الفترة (2017- 2019). وأشارت تقارير في (2025 و2026)، إلى تغير أولويات في وثائق وتقييمات بعض أجهزة الاستخبارات الأمريكية، ما قد يؤدي لتباين التقديرات بين واشنطن وبروكسل حول التهديدات الروسية والصينية.

 قلق أوروبي من “تسييس” المعلومات الاستخباراتية: أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 12 يناير 2026، بشأن ضم جزيرة غرينلاند، مخاوف الأوروبيين من تبادل المعلومات الاستخباراتية، لاسيما وأن ترامب وصف السيطرة على غرينلاند، بأنها ضرورة مطلقة للأمن القومي الأمريكي. يربط ترامب بين الاستحواذ على الجزيرة، بخطته لبناء نظام دفاعي صاروخي يسمى “القبة الذهبية”، لحماية بلاده من الصواريخ الباليستية وفرط الصوتية، الأمر الذي يشير إلى تعارض المصالح الأمريكية مع المصالح الأوروبية. رغم تراجع ترامب عن الخيار العسكري لضم الجزيرة، واللجوء إلى فرض رسوم جمركية على بضائع الاتحاد الأوروبي، في حال معارضة الدنمارك التنازل عنها، فإن تقارير تحدثت عن خطوات لأجهزة استخبارات أوروبية، لبناء آليات داخلية وثنائية، لتقليل الاعتماد على قنوات الشراكة مع واشنطن، في حال استمرار هذا النهج الأمريكي ضد أوروبا. 

التعاون الاستخباراتي داخل الناتو

 تأثير الخلافات على تبادل المعلومات: ظهرت تبعات التوترات الحالية بين واشنطن وأوروبا، في خفض المشاركة المباشرة بشأن تبادل المعلومات، أشارت تقارير أوروبية في 2025، إلى إعادة تقييم للتعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة، وطرح بناء قدرات إقليمية بديلة لهذا التعاون، وفي أكتوبر 2025 أفاد مديرا جهازي الاستخبارات والأمن العام الهولندي “AIVD”، والاستخبارات العسكرية “MIVD”، تقليص مشاركة بعض المعلومات مع واشنطن، لأسباب تتعلق بالمخاوف من استخدام المعلومات لأغراض قد تنتهك حقوق الإنسان أو تستغل سياسيًا، ما يعد نموذجًا ملموسًا لدولة حليف تقلل الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن.

ناقشت ألمانيا وفرنسا، في أغسطس 2025، خطوات للتنسيق الاستراتيجي، ولاسيما في مجال الإنذار المبكر والقدرات الفضائية، ووضعتا أسس مبادرة “JEWEL”، التي تُبنى على مشروع القمر الصناعي للإنذار المبكر “ODIN’S EYE”، لبناء آليات ثنائية للقدرات الاستخباراتية والأمنية، وتعميق التعاون في البحث والدفاع الإلكتروني، وحماية السيادة الرقمية والبيانات الحساسة، نظرًا لأن مشاركة الاستخبارات تتم عبر شبكات وخدمات سحابية. وفي 15 أكتوبر 2025، وقعت الدولتان مذكرة تفاهم واتفاقيات تقنية لإطلاق المشروع على أساس ثنائي، بهدف استبدال قنوات تبادل المعلومات التقليدية بقنوات ثنائية مراقبة. على المستوى الأوروبي، بدأت المفوضية الأوروبية في 11 نوفمبر 2025، مناقشة تأسيس جهاز استخبارات جديد، لتحسين استخدام المعلومات التي تجمعها وكالات التجسس الوطنية بالاتحاد الأوروبي. ويعد الجهاز استكمالًا لدور مبادرة “SIAC” وخلية “Hybrid Fusion” لتعزيز التعاون المدني والعسكري، وتوفير تحليل شامل للمعلومات الاستخباراتية لدعم سياسة الأمن والدفاع المشتركة.

تفاوت الثقة بين الدول الأعضاء: تثير تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة، بشأن التخلي عن أوروبا في حال شن روسيا هجومًا ضدها، قلق الحلفاء بالناتو. في 24 فبراير 2025، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، إن “الأمريكيين لا يهتمون كثيرًا بمصير أوروبا”، ويمثل هذا التصريح تحولًا في نبرة ألمانيا تجاه الاستقلال عن واشنطن. أكد المسؤولون بالاستخبارات الهولندية، في 18 أكتوبر 2025، مشاركة معلومات أقل مع الولايات المتحدة، في حين تصاعد العمل مع الشركاء الأوروبيين. أوضحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في 17 ديسمبر 2025، موقف مؤسسات التكتل من مسألة تعزيز القدرات الأمنية والاستخباراتية، مشددة على أن أوروبا أصبحت مسؤولة عن أمنها الخاص، وأن هذا لم يعد خيارًا، بل ضرورة.

جاءت إعلان دونالد ترامب، في 18 يناير 2026، بشأن فرض رسوم جمركية بنسبة (10%) على (8) دول أوروبية، تشمل “الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا”، محاولة للضغط على أوروبا للموافقة على بيع غرينلاند، وهدد برفع الرسوم لـ (25%) بحلول يونيو 2026. أشارت صحفية “فايننشال تايمز” الأمريكية، في 6 فبراير 2026، إلى استعداد الخارجية الأمريكية لتمويل مراكز أبحاث وجمعيات يمينية بأوروبا، للتوافق مع توجهات حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى MAGA”. كشفت استطلاعات رأي خلال (يناير وفبراير 2026) عبر مؤسسة “يوغوف”، أن (84%) من الشعب الدنماركي لديه رأي سلبي عن واشنطن، بينما لدى (16%) من البريطانيين رأي إيجابي تجاه ترامب، و(39%) من الإسبان، و(41%) من الألمان، و(53%) من الفرنسيين رأي إيجابي تجاه واشنطن. وتعد هذه المؤشرات الأسوأ لتقييم الولايات المتحدة في أوروبا منذ 2016.

الانعكاسات على الأمن الجماعي: لا يتمكن حلف الناتو من الحفاظ على الأمن الجماعي، دون التعاون الاستخباراتي والالتزام العسكري والاستخباراتي الأمريكي، إذ ينص مبدأ الدفاع الجماعي بالناتو على المادة (5) من ميثاق الحلف، والتي تنص على أن أي هجوم مسلح على أحد أعضاء الحلف، يعتبر هجومًا على الحلف. ومن أجل تطبيق هذه المادة، يجب الاستمرار في تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنبؤ المبكر والاستجابة السريعة لأي تهديد. عند تراجع الثقة بين الأعضاء، تصبح هذه الخطوات أقل فاعلية ويصعب الرد الجماعي، والحفاظ على أمن الحلف، لاسيما وأن دور واشنطن ضروريًا، للمساهمة بنسبة (62%) من الإنفاق الدفاعي للحلف.

أدرك مسؤولو الاتحاد الأوروبي، أن أوروبا لم تعد مركز الثقل الرئيسي لواشنطن، وأن هذا التحول هيكلي وليس مؤقتًا. وأكد الأمين العام للناتو مارك روته، أن أوروبا ستحتاج زيادة الإنفاق الدفاعي إلى (10%) لتعويض المظلة الأمنية الأمريكية. ودعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، إلى أن يصبح الناتو أكثر أوروبية للحفاظ على قوته. عند انخفاض الثقة، لن ينهار الناتو فجأة، ولكن ستضعف المصداقية والتنسيق في تفعيل الرد الجماعي، ما يجعله أكثر عرضة للمناورة والابتزاز الهجين من الخصوم، وتصبح ردوده متأخرة وأقل حسمًا. في 5 مارس 2025، علقت واشنطن جزءًا من مشاركة الاستخبارات مع كييف، ما يدل على تباين الرؤى بين الحلفاء، ويدفع أوروبا لاتخاذ قرارات فردية، وإذا وثقت في تقاريرها الداخلية، قد تظهر قرارات متباينة، نتيجة ربط المعلومات الاستخباراتية بالتغييرات السياسية بالحلف.

الاستخبارات الأوروبية.. بين سياسات واشنطن والسيادة

يطور الاتحاد الأوروبي مركز ” SatCen“، لتحليل صور الأقمار الصناعية التابعة للاتحاد، والمعطيات الفضائية لصالح صناع القرار الأوروبيين. واتجه الاتحاد إلى برنامج الاتصالات الحكومية عبر الأقمار الصناعية “GOVSATCOM”، لتوفير خيارًا أوروبيًا معزولًا تمامًا عن مقدمي الخدمات الأمريكيين. تستهدف المفوضية الأوروبية بناء كوكبة حكومية قمرية “IRIS”، لتضم (290) قمرًا صناعيًا بحلول (2030)، ما يمثل خطوة لسيادة أوروبا وتأمين اتصالها. رغم ذلك، تواجه أوروبا إشكاليات سياسية وقانونية، لتحقيق الاستقلالية عن واشنطن، بشأن العمل الاستخباراتي، إذ يبطئ مطلب الإجماع بالاتحاد اتخاذ القرارات المتعلقة بالدفاع والأمن، وتتفاوت قدرات دول أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية، في العمل الاستخباراتي والاستطلاع والمراقبة، بجانب الانقسامات الداخلية بين الدول، حول تقليص التعاون مع واشنطن.

مستقبل التعاون الاستخباراتي داخل الناتو

سيناريو المسار المزدوج: تمثل خطوات أوروبا للاستقلال في العمل الاستخباراتي، وقرارات واشنطن الفردية، حول تقليل التعاون الاستخباراتي مع كييف، مؤشرًا على بناء آليات استخباراتية على مستوى الاتحاد الأوروبي، موازية لقنوات الناتو والولايات المتحدة. هذا يعني استمرار العمل داخل الحلف على قضايا محددة، واستقلالية لتحليل قضايا أوروبية، ما يضع الحلف في خطر تكرار الجهود وازدواجية التقييم. ويُعد هذا السيناريو الأقرب في الوقت الراهن.

سيناريو التراجع: قد يواجه الناتو ضعفًا في العمل الاستخباراتي، لتراجع الدول عن مهمة تبادل المعلومات الحساسة تدريجيًا، وتباين الرؤى بين واشنطن وأوروبا في قضايا متعددة. تراكم الفجوات وفقدان المصداقية بين الحلفاء، قد يستغله الخصوم مثل الصين وروسيا، ما يجعل الناتو عرضة للهجمات الهجينة ضد أهداف استراتيجية والتضليل المعلوماتي، ويفقده القدرة على الردع والأمن الجماعي. ويٌعد هذا السيناريو الأكثر خطورة على مستقبل الحلف، وقد يصبح واردًا في حال استمرار الانقسامات بين الأعضاء.

سيناريو التوافق: قد تدفع مخاوف قادة الناتو، من تآكل الثقة بين الدول الأعضاء، أو حدوث هجومًا ضد أحد الأعضاء، إلى الاعتراف بالحاجة إلى الإصلاحات وإعادة التعاون الاستخباراتي بين الدول، باستعادة قدرات الإنذار المبكر، وتنسيق الاستخبارات التكتيكية بوتيرة أسرع، لمواجهة التهديدات في إطار تقاسم الأعباء داخل الحلف. ويُعد هذا السيناريو مستبعدًا في ظل التوجه الأمريكي الأخير.

تقييم وقراءة مستقبلية

– تتجه العلاقات بين الحلفاء داخل الناتو إلى مسارٍ معقدٍ، لتزايد الضغوط الأمريكية على أوروبا بشأن حرب أوكرانيا والقبول بشروط روسيا، بجانب فرض رسوم جمركية مع التلويح بضم غرينلاند، في حين تواجه أوروبا أزمة جيوسياسية، في مسألة الاستقلال الاستراتيجي في العمل الاستخباراتي والدفاع، خاصة وأن الرؤى والمصالح باتت متباعدة الآن مع واشنطن، ما يرجح تراجع التعاون الاستخباراتي بين الحلفاء، وزيادة الشكوك بينهم في نقاط دعم كييف، والتعامل مع روسيا والصين.

– بات مرجحًا أن تخفض بعض دول أوروبا، درجة التعاون الاستخباراتي مع واشنطن، خاصة بعد أن أشارت تقارير إلى محاولات أمريكية، لتغيير الحكومات الأوروبية الحالية إلى حكومات ذات توجه يميني متطرف، في ظل دعم سياسي ومالي واضح من جانب المنظمات اليمينية الأمريكية، لأحزاب ومنظمات يمينية أوروبية.

– رغم أن التحولات في سياسة واشنطن، مرتبطة بالولاية الثانية لدونالد ترامب، إلا أن وثيقتي الأمن القومي والدفاع الأمريكي، ترسخ لسياسات ممتدة تجاه أوروبا، قد تؤدي إلى فقدان الثقة بشكل كبير داخل الناتو، وتدفع أوروبا للبحث عن شركاء آخرين، لاسيما وأن وثيقة الدفاع أكدت على تعديل وضع القوات الأمريكية في المسرح الأوروبي، لمراعاة التهديد الروسي للمصالح الأمريكية فقط، وأن واشنطن لن تعوض أي قصور أمني من جانب الحلفاء.

– من المتوقع أن تطور الدول الأوروبية قدراتها الاستخباراتية، وتنوع شراكاتها الدفاعية، عبر سد الثغرات في مجالي الاستطلاع والمراقبة، وتطوير أصول فضائية مستقلة لجمع المعلومات الاستخباراتية. وتتوجه أوروبا إلى الاستثمار في التقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لأغراض دفاعية واستخباراتية، لضمان الأمن في إطار “السيادة الرقمية”، وتقليل الاعتماد على التقنيات الرقمية والسيبرانية والاتصالات الأمريكية.

– من المرجح أن تراجع أوروبا علاقاتها مع روسيا والصين، تفاديًا لأي تهديدات محتملة من جانبهما، بهدف كسب الخصوم لصفها، وبغرض قطع الطريق على واشنطن بشأن المواءمات السياسية، التي تعقدها خلف الأبواب المغلقة مع موسكو وبكين، وبقدر ما تمثل هذه النقطة تعويضًا لتراجع التعاون الاستخباراتي داخل الناتو، ستصبح نقطة خلاف أيضًا مع الولايات المتحدة.

– تميل التوقعات إلى أن يواجه الاتحاد الأوروبي أزمة داخلية، لتسريع وتيرة العمل الاستخباراتي، ولبناء الثقة بين الدول المنقسمة، لتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، لذا سيواجه الاتحاد هذه العقبات، بتعزيز التعاون مع بريطانيا بشأن العمل الاستخباراتي، لاسيما وأن الاستخبارات البريطانية ستمثل عنصرًا فعالًا، لخبرتها القديمة في العمل مع نظيرتها الأمريكية منذ عقود، ولقدرتها على التنبؤ بسياسات واشنطن المقبلة في القضايا الخلافية.

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code