زاويا حادة المقال الاسبوعي
انهيار المفاوضات الأمريكية-الإيرانية في إسلام آباد لم تكن مفاجئة
بقلم د٫هشام عوكل أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
حين تتحول الدبلوماسية إلى بلطجة لا يعود العالم محكوماً بالقواعد بل بنزق القوة ولا تعود العلاقات الدولية توازناً بين مصالح بل تتحول إلى ساحة مزاد مفتوح من يدفع أكثر يربح ومن يرفض يُعاقب في هذا المشهد تصبح إسرائيل حالة استثنائية خارج كل المعايير يُضخ لها السلاح بلا حدود ويُمنح لها الغطاء السياسي بلا شروط بينما تُحاصر إيران وتُهدد وتُعاقب فقط لأنها تحاول امتلاك أدوات قوة مشابهة وهنا لا يعود السؤال عن القانون بل عن من يملك حق تفسير القانون وفي قلب هذه الفوضى يقف ترمب بعقلية تاجر لا رجل دولة يهدد مرة ويبتز مرة ويتفاخر بالقوة وكأن العالم شركة خاصة لكن الوقائع لا تُدار بهذه البساطة فالتاريخ مليء بالدروس التي لم يتعلم منها أحد من فيتنام إلى العراق إلى افغانستان كانت القوة الأمريكية كافية لبدء الحروب لكنها لم تكن كافية لإنهائها بانتصار حقيقي واليوم يتكرر المشهد بشكل أكثر فجاجة حيث يتم التلويح بالحصار العسكري وتهديد البنية التحتية وفرض واقع بالقوة بعد فشل مفاوضات إسلام آباد لكن هذه الاستعراضات لا تصنع نصراً بل تؤسس لفوضى أكبر لأن القوة حين تتحول إلى أداة استعراض تفقد معناها وتتحول إلى دليل على غياب الحل
في المحور الثاني لا تبدو إيران كما يُراد تصويرها ضحية كاملة ولا قوة منتصرة بل طرف دخل مواجهة كبرى بهدف كسر المعادلة المفروضة عليه وإنهاء مشروع
استهدافه سياسياً وعسكرياً نعم تعرضت لضربات قاسية وهذا لا يمكن إنكاره أمام قوة كبرى لكن هل يعني ذلك أنها هُزمت استراتيجياً الجواب أكثر تعقيداً لأن الهدف المعلن كان تفكيك البرنامج النووي وإنهاء القدرات الصاروخية وهذا لم يتحقق بالكامل بحسب مجريات التفاوض التي انهارت بسبب تمسك طهران ببرنامجها النووي وهنا تظهر المفارقة الساخرة إيران التي قُصفت لم تُكسر بالكامل والولايات المتحدة التي ضربت لم تحقق أهدافها الكاملة أما دول الخليج وبعض الدول العربية فتقف في موقع أكثر غموضاً حيث تصطف سياسياً مع واشنطن وتدفع أثمان التوتر اقتصادياً وأمنياً دون أن تمتلك رؤية واضحة لمآلات هذا الصراع وكأنها تراهن على نتائج لم تتشكل بعد أو تنتظر مظلة حماية لم تعد مضمونة كما كانت هذه الحالة تعكس أزمة قراءة استراتيجية أكثر من كونها موقفاً سياسياً لأن الاصطفاف دون حسابات دقيقة في صراع بهذا الحجم ليس حياداً بل مخاطرة مفتوحة
أما في المحور الثالث فالمشهد الحقيقي لا يُقرأ في طهران ولا في تل أبيب بل في بكين وموسكو وواشنطن حيث تتشكل قواعد النظام الدولي الجديد الصين وروسيا لم تعودا مجرد داعمين بل أصبحتا شريكين في إعادة توزيع النفوذ العالمي وفي هذا السياق يتحول كل ملف من مضيق هرمز إلى أسعار الطاقة إلى ساحة اختبار لإرادات كبرى المضيق نفسه الذي يمر عبره جزء كبير من طاقة العالم يمكن نظرياً ضبطه أو تأمينه لكنه يُستخدم كأداة ضغط ضمن صراع أوسع على من يتحكم بمفاصل الاقتصاد العالمي ومع ارتفاع أسعار الطاقة تجد أوروبا نفسها في موقف يكشف ضعفها الاستراتيجي رغم ثقلها التاريخي حيث تبدو دول مثل فرنسا والدول الاوروبية عاجزة عن اتخاذ قرار مستقل نتيجة ارتباطها الطويل بالمظلة الأمريكية وهنا تتجلى السخرية بأقسى صورها قارة كانت تضع القواعد أصبحت تبحث عن من يحميها من نتائج تلك القواعد وفي هذا السياق لا يبدو أن تدمير جزء من قدرات إيران يعني انتصاراً بقدر ما يعني فتح باب لفوضى أوسع لأن الصراع لم يُحسم بل انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً حيث لا أحد يملك القدرة على إنهائه ولا أحد مستعد للتراجع عنه
زاوية حادة تسأل
هل تُدار الحروب بعقل أم بنزق سياسي يقوده دونالد ترامب ومن خلفه إسرائيل؟
لماذا تصطف دول عربية مع من يهدد استقرارها ثم تتحدث عن الأمن؟
هل تدمير إيران جزئياً يعني انتصاراً أم بداية فوضى يستفيد منها الآخرون
Read Time:2 Minute, 57 Second
