السبت. فبراير 14th, 2026
0 0
Read Time:12 Minute, 40 Second

عبدالرحمن إبراهيم محمد

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تتجه أنظار العالم اليوم الخامس من يونيو إلى كولومبيا في أميركا اللاتينية التي تستضيف احتفالات يوم البيئة العالمي لعام 2020 والذي سيكون التركيز فيه على موضوع التنوع البيولوجي. وقد سبق ووصلتني صورة من مقترح رابطة خريجى جامعة الخرطوم بأميريكا الشمالية لإصحاح البيئة، وهو واحد من المشاريع التي عزم الرهط على الإسهام بمقترحاتهم فيها عساهم يردوا بعض الجميل لمؤسستهم وللوطن الذي أغدق عليهم ليتبوأ المكانة العلمية التي بلغوها في ديار العم سام، ومواقع عدة من أوجه الحياة والعلوم.فطافت في نفسي خلجتان. أولاهما أنني شعرت لأول مرة بأن “متعلمينا” قد عقدوا العزم على أن يكونوا “مثقفين”. فشكرا لثورة شبابنا العظيمة في ديسمبر عام 2018 التي أعادت ترتيب عقولنا والنظرة إلى الأمور بميزان ثوري خلاق. فقد كنت في السابق في كثير من مقالاتي ومحاضراتي دائم النقد للمتعلمين نافيا عنهم صفة الثقافة، ومصرا على تسميتهم بمجرد “متعلمين” وليسو “مثقفين”. لأن المثقف في تعريفي هو أو هي من نهل من المعارف وأعمل الفكر في تحليل واقعه واتخاذ موقف التزام للعطاء أو التغيير من أجل أهداف سامية واضعا في الاعتبار كل من ظلمهم الواقع السائد فحرموا من نعمة العلم والتعلم، وظلوا يكابدون في الحياة، يعيشون على الأمل مع مشرق كل فجر ومغيب كل مغرب. فيظل المثقفون يعطون من فكرهم قوتا لذلك الأمل ومسارب لتحقيق تلك الأهداف في عطاء فكرى، أينما كان ذلك العطاء.وكانت ثانيتهما ناجمة عن تهومية تستجر لذاعة سخرية قاسية لحقتني في عام 1966 وأنا في سنتى الثانية بجامعة الخرطوم. وقد كنت يومها أقوم بالتقاط أعقاب السجاير وصناديقها المطروحة في ممرات الجامعة وأمام قاعات محاضراتها وفى الدخليات، مع كل ما شاب الأرض من فوارغ وأوراق مقطعة. وهو نشاط كنت نوهت عنه ودعوت له في جريدتي الحائطية المجسدة ذات الأبعاد الثلاثية لكل من أبوابها، والتي أسميتها “السوداني”. وكنت أعلقها في قهوة النشاط صباحا وأنقلها إلى دار إتحاد طلاب جامعة الخرطوم مساءا. وكنت أتناول فيها مواضيع عن المهمل من تاريخ الوطن وانعكاسات السياسة والعلائق الاقتصادية والاجتماعية على الغالبية العظمى من أهل السودان الذين يعيشون المسغبة والكفاف، فيما يرفل “المتعلمون” فى خيلاء ونزق وترف مقيت متخذين من الدولة مؤسسة ربحية تهبهم الثراء والمنصب الذي يستتبعة علو المكانة الاجتماعية. وفى ذلك كانت أبيات المرحوم، أشعر شعراء العربية، الأستاذ محمد المهدي مجذوب تتصدر قلب الصحيفة، تعكس ألمي لحال كثيرين عرفتهم وعشت معاناة أهليهم، وسأفرد لذلك مقال آخر. وقد كانت أبيات المجذوب منقار عقاب نارا يدمى ذاكرتي:
لَهْفتا كَمْ عَصَف البُؤسُ بأطفالِ صِغارِ
وَردُوا المَوْلِدَ بالشَّوق وعَادُوا بالغُبَار
ويحَ أُمَّ حَسِبُوها
لو أَرادُوا النَّجْمَ جاءتْ بالدَّاري
وَيْحها تَحْمِل سُهْدَ اللَّيلِ في صَحْو النَّهار
(من رائعته الملحميه الشعرية: الـمـولد)
وفى صحيفتي “السوداني” ظللت أكرر أهمية العناية بالبيئية وإزالة الشوائب التي تعكر صفو الحياة وتضاعف من أذى وآلام المرضى بل وتسبب لهم أمراضا كثر. فقد كان مدخلي إلى ذلك الاهتمام بالبيئة ليلة معاناة طويلة سببتها لي الأدخنة المتصاعدة من نقطة تجميع القمامة في وسط الحي التي يقوم بعض الجهلاء بحرقها لتقصير جامعي القمامة في نقلها. وكنت يومها عائدا إلى المنزل مجهدا فى أمسية يوم أربعاء كان ككل أربعاء يوم مباراة لفريق كرة القدم ومباراة لفريق كرة السلة الذين كنت ألعب لكليهما في الجامعة. فبمجرد إستنشاقى لتلك الأدخنة صعب التنفس وتعالت ضربات القلب وأنفجر الرأس بصداع مهول، وارتفعت درجة الحرارة. فقد كنت ومازلت أعانى من التهابات جيوب أنفية مزمنة سببتها لي ضربة تلقيتها من شرطى بهرواته أبان ثورة أكتوبر عام 1964 أحدثت جرحا مفتوحا دخل عن طريقة دخان القنابل المسيلة للدموع إلى مجرى الدم فتسبب في تسمم الزمني الفراش فى غيبوبة لتسعة عشر يوما، أنسلخ بعدها جلدى تماما وسقط شعرى. فلم أشعر طوال التسعة عشر يوما فيها بشيء سوى صداع قتال في صحوي ومنامى. وحار الأطباء وصعب التشخيص حتى اكتشفوا في المعمل المركزي الذي كان يشرف عليه العالم الجليل البروفيسور محمد حمد ساتى سبب تلك الأعراض. وتقرر بعد التحاليل أنني لا شك كنت أعانى من تسمم كيميائى في الدم وليس من إصابة جرثومية.وبعد أن استعدت عافيتي بعد نهاية عطلة الأسبوع قصدت المركز الثقافي الأميركي بعد بحث في مكتبة جامعة الخرطوم. فوجدت في مكتبة المركز كتابا بعنوان “منغصات الحياة اليومية والصحة القاتلة من ملوثات البيئة”. وقرأت بعدها مقالا لأحد أهم الشخصيات في تاريخ الوعي البيئي، البروفيسور بارى كمونر. الذي تشرفت بالتعرف عليه لاحقا، كما سأروى. فوقع في نفسي منطق الاهتمام بالبيئة موقعا مؤثرا. فعقدت العزم على تبنى ذلك المشروع وتكوين جمعية للدعوة إليه. وكنت يومها نشطا في السياسة الطلابية وأنشطة جمعية الخدمات الجامعية العالمية التي قامت ببناء مقهى النشاط في الجامعة وبيت الشباب الوحيد في السودان ومستوصف طلاب الجامعة؛ وكلها في معسكرات عمل تطوعية عالمية شارك فيها طلاب من دول كثيرة، إضافة إلى جمعية تطوير الريف السوداني، ومجموعة “أقرأ” لمحو الأمية في الأقاليم، وأصدقاء مستشفى الخرطوم بحري التطوعية. ومع الأسف الشديد لم تلاقى دعوتي يومها لمنظمة بيئية إلا قليلا من الإسهام من بعض حفنة من الأصدقاء في الجامعة وخارجها. ولكن كان الهجوم على الفكرة وعلى شخصي ضاريا. كان أقلها تجريحا وصفنا بأننا “أولاد سحاسيح” أي مدللون نعيش في عوالم لا تمت للواقع بصلة، وأظن أنهم يطلقون عليهم اليوم صفة “الحناكيش”. وقد ذكرني بتلك الأيام صديقي الكاتب الساخر جعفر عباس “أبو الجعافر” حينما ذكر تلك الأيام في مقال كتبه بعد زيارة قام بها ليلتقينى فى بوسطن، أستجر فيها خيوطا من كثير من ذكريات حياتنا الطلابية وكيف كان وصفى بعد دعوتي الغريبة تلك يومها؛ إذ كانت أول جمعية للبيئة في السودان.ولم يثننى ذلك التهكم والنقد اللاذع عن مقصدي. ويحق لي أن أفيض بالشكر على أستاذنا وصديقنا وقدوتنا والمشرف على منظمة الخدمات الجامعية العالمية ووكيل جامعة الخرطوم بعد أن كان سكرتيرها الأكاديمي، الوطني المثقف المتفاني المرحوم البروفيسور محمد عمر بشير، أبانا الروحي وسندنا في كل مشاريعنا. وأشكر مكتب الخدمات بالجامعة والعاملين بمشتلها في توفير الشتولات وعوننا في غرسها في أطراف الميادين وحول مباني الكليات وفى بيت الشباب حيث كانت به أجمل حديقة ظلت تستهوي زوار البيت من شباب العالم. ومضيت أكاتب المنظمات البيئية في أوروبا وأميركا، وأستقبل زائريها. وأنفق على كل ذلك من حر مالي مما كنت أكتسبه من بعض أعمالي في الصحف والترجمة والخط والتدريس. وأنا سعيد قانع بقدري. حتى كانت النقلة النوعية في تاريخ ارتباطي بالحركة البيئية العالمية. ففي عام 1970 أعلنت الأمم المتحدة عن تنظيم أول مؤتمر عالمي لشباب دول الأمم المتحدة. فتكون وفد السودان من إتحاد طلاب جامعة الخرطوم ومنظمة الخدمات الجامعية العالمية وإتحاد الشباب السوداني والإتحاد النسائي والجمعية السودانية للأمم المتحدة ووزارة الشباب والرياضة. وقد وقع الاختيار على لأكون سكرتيرا للوفد ومنسقا للمؤتمر. وقد حضر ذلك المؤتمر، الذي دعت إليه الجمعية العمومية للأمم المتحدة احتفالا بالذكرى الخامسة والعشرين لقيام الأمم المتحدة، ستمائة وستة وأربعون شابا وشابة، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك. وقد أنقسم ذلك العدد إلى أربعة لجان: السلام العالمي، التعليم، التنمية والتطور والإنسان والبيئة. وقد كان لي الشرف فى أن أنتخب مقررا للجنة الإنسان والبيئة، ثم رئيسا بعد إجماع الوفود على ضرورة إسناد رئاسة الجلسات لي، حينما أرتفع تعريفي للبيئة تعريفا أوسع وأشمل، إلى “جماع واقع الناس من بيئة سياسية واجتماعية وحياتية إضافة إلى الطبيعية.”ومن ذلك الموقع وتوافق ممثلي الدول النامية من إفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، على تبنى مقترحي بشمولية التعريف قمنا بتكوين أول منظمة عالمية باسم “لجنة أوى العالمية اللجنة الدولية من العلماء والأكاديميين الشباب لمعالجة نقدية وشمولية للتنمية والبيئة الإنسانية”. و “أو آي” هي اختصار لشعارنا الإفريقي باللغة السواحيلية “أوتى إيوابو” وتعنى “كل ما هناك يجب أخذه فى الاعتبار”. وتكون المكتب التنفيذي من سيلفانوس آهادى صحفي من توقو، وديباك راج باجراشاريا من نيبال المهندس البيئى، ومادلين أنقفلدت من السويد المتخصصة في الإحصاء، و أم راغى فرفار من إيران المتخصص في الأحياء البيئية، وأيان فيجلاندر من السويد الصحفى البيئى، وهيمى هيرتوبيا من شيلى المتخصص في علم الأحياء البيئية، وعبدالرحمن إبراهيم محمد من السودان المتخصص في العلوم السياسية، وكاريبا مونيو من كينيا المتخصص في الكمياء والتعليم، وجيرقن برامافيرا من الفلبيين المتخصص في علم الأحياء، وسانتياقو توريس من شيلى الاقتصادي.وكان أول اختبار لقوة وفعالية اللجنة إبان انعقاد أول مؤتمر شبابي عالمي للبيئة فى جامعة ماكماستر في مدينة هاميلتون بولاية أونتاريو فى كندا عام 1971. ورغما عن اعتذاري وترشيحي لبروفيسور محمد عبدالله الريح، تمت دعوة بروفيسور الريح وأصروا على حضوري وأرسلوا لي التذاكر. وفهمت لماذا كان إصرارهم على حضوري حينما أفهموني بأن منظمي المؤتمر اعتمدوا على تمويل شركات عابرة للقارات وفيها كثير من ملوثى البيئة وأن أجندة المؤتمر الذي اقترحته اللجنة المنظمة لا يرتقى إلى مستوى تطلعاتنا وعليه يجب على اقتراح أسلوب لتغليب وجهة نظرنا. ولما كان حضوري للمؤتمر قبل يومين من تاريخ انعقاده، وضعت خطة انقلابية لم أطلع عليها أحدا وبادرت فورا بدعوة كل أعضاء الوفود الإفريقية وشرحت لهم أهمية المؤتمر في مستقبل إستراتيجيات القضايا البيئية وحرية المستعمرات وكيف أن قضايانا لن يتم التعرض لها ولا مناقشتها أو اقتراح حلول لها حتى في المستقبل. ولن نقبل بأن نكون مهمشين ودمى لإكساب المؤتمر أسما عالميا دون أن يكون لنا أي رأى في مساره ومحتواه. لذا يجب علينا وضع إستراتيجية تمكننا من فرض رأينا. فوافق الجميع ورشحوني لأن أكون المنسق والناطق الرسمي باسم المجموعة الإفريقية.وبعدها دعوت أعضاء وفود دول أميركا اللاتينية وقلت لهم نفس قولى للمجموعة الإفريقية وأنهم لو أرادوا أن يؤثروا في مسار المؤتمر فيجب عليهم تكوين مجموعة لاتين أميريكية. فرحبوا بالفكرة وكونوا مجموعتهم. وبعدها تواصلت مع أعضاء الوفود الأسيوية وأخبرتهم بنفس الأشياء وكيف أن مجموعتنا الإفريقية نجحت فى تحديد أولوياتنا وخطتنا فى مناقشة قضايانا؛ وأن المجموعة اللاتين أميركية قد بدأ تكوينها. فيا حبذا لو هم حذوا حذو الأفارقة واللاتن أميريكان وكونوا مجموعة أسيوية. وبعد أن كونوا مجموعتهم صار أمر سيطرتنا على المؤتمر ممكنا. فدعوت لاجتماع موحد للمجموعات الثلاث وطرحت عليهم تصوري بضرورة العمل ككتلة واحدة موحدة في أهدافها وإستراتيجيتها وتكتيكاتها. وسار الاجتماع كما توقعت وتم تكوين مكتب تنسيقي أوكلت مهمة رئاسته لي على أن أكون الناطق الرسمي باسم مجموعة الدول النامية.وجاء يوم المواجهة فى بداية المؤتمر حيث افترضت اللجنة التنظيمية أنها ستكون اللجنة التسيرية للمؤتمر وعرضت أجندة المؤتمر فتتالى اعتراضنا كما خططنا له وقام ممثلون لكل قارة بنقد الأجندة وأنه ليس من العدل أن لا تضمن آراؤنا فيها. وختمت أنا بالقول بأنه “إما أن دعوة وفود الدول الأسيوية والإفريقية واللاتن إميريكية تم لاستغلال غبائنا كزينة لطبق السلاطة لإكساب المؤتمر نكهة عالمية فقط، أو أننا أكفاء وتمت دعوتنا للإسهام الإيجابي. وعليه فأننا نقترح تنحى اللجنة المنظمة وانتخاب لجنة تسيرية من داخل المؤتمر.” فعارضت رئاسة المؤتمر وأعضاء اللجنة التنظيمية. فقلت لهم أطرحوا الأمر للتصويت فقالوا لا يمكن ذلك لأن المؤتمر ليس له صلاحيات لتغيير أجندة تم العمل عليها لعام كامل. فقلت لهم نحن لن نقبل بأقل من يكون لنا رأى في تحديد الأولويات والقضايا التي تهم قاراتنا، وإلا فأننا سننسحب ونغادر المؤتمر. فأسقط في يدهم ولم يكن فى أمكانهم المجازفة بإفشال المؤتمر وانسحاب وفود في أول يوم لابتدائه فوافقوا على طرح الأمور للتصويت. فكانت أغلبيتنا الميكانيكية كافية لفرض رأينا وتم انتخاب لجنتنا لتسيير المؤتمر. فكان ذلك درسا مهما لأهمية الوحدة المبدئية وقوتها التي تمكن من فرض الإرادة. ولكم ذهلنا حين أطلعنا على المكاتبات والمقترحات المبرمجة والمعدة وخبايا التنظيم وأسرار اللاعبين الدوليين. فكان انقلابا للمؤتمر بمائة وثمانين درجة. وذهلنا لما كان يدبر القوم. فأول وأهم الأجندة كان معالجة مشكلة التضخم السكاني في الدول النامية وكيف أنهم بتلك الزيادات المتنامية من البشر يرهقون البيئة ويستنزفونها. لذا يجب سن سياسات لتحديد النسل والتحكم في النمو السكاني. ومن ضمن ماكان في الوثائق والأوراق العلمية التي اعتمدت عليها لجنة إعداد المؤتمر كخلفيات، مقترحات خرافية. من ضمنها “بما أن سكان (وليس مواطنو) الدول النامية يعارضون مبدأ تحديد النسل لأسباب دينية واجتماعية واقتصادية، فيجب اللجوء إلى إستراتيجيات تفرض عليهم القبول بواقع لا يستطيعون معارضته.” ومن ضمن المقترحات كانت هناك فى إحدى الأوراق خطة خبيثة باستعمال التطعيم كمعامل لعقاقير تثبط الخصوبة. وكان من ضمنها مقترح بأن ينشر ميكروب يؤدى إلى عقم الرجال؛ فلو أرادوا الإنجاب يحقنون بمصل يعيد إليهم الخصوبة لفترة ستة أشهر. وكان أكثرها جنونية هي استعمال الإشعاعات لتعقيم الرجال والنساء.ولما بدأت جلسات المؤتمر حاولوا تمرير مبدأ تحديد النسل كأمر عاجل وأساسي. ومن ضمن ما حاولوا به كسب أصوات النساء من الدول النامية الحجة بأن النساء يعانين من اضطهاد وإجهاد بالحمل المتكرر مع تفشى سوء التغذية والأوبئة. ولكم شعرت بالفخر حينما ردت شابة كينية أسمها زبورا “نحن أدرى بمصالحنا ولا نحتاج لنساء الغرب لأن يرسموا لنا حياتنا” فهنأها على ذلك الموقف والمقال البروفيسور محمد عبدالله الريح. وتتالت الردود من مثل “إنكم تريدون تقليص عدد السكان لتتمكنوا من السيطرة على مواردنا الطبيعية”. وجاء خيط رد آخر يسوق تشجيع الغرب للحروب والاقتتال والإمداد بالأسلحة الفتاكة للقضاء على الشباب المنجب. واليوم وأنا أتابع انتشار الأوبئة المتتالية التي كانت إلى وقت قريب تضرب سكان الدول النامية من فيروسات كالسار والإيدز والإيبولا ثم أخيرا هذه الجائحة من كرونا لا يفقه أحد كنهنا إلا الشك المتواتر حول أنها مصنعة ولكنها ضلت طريقها لتصيب من طوروها متلازمة مع الدعوة المحمومة لأن لا خلاص بغير اللقاح. فأظل أسائل نفسي هل هذا جزء مما واجهنا قبل نصف قرن من الزمان؟ غير أن كل ذلك يبقى مجرد تخمينات. ولكن مما لا شك فيه أن الإبادات المليونية في الحروب المتتالية من حرب فيتنام التي استعملت فيها المواد الكيميائية وحروب الاستقلال في الجزائر التي قتل فيها الفرنسيون ما يزيد عن المليون شهيد ونحو ذلك في مستعمراتهم في غرب إفريقيا ومدغشقر. وما فعل البرتغاليون في أنجولا وموزمبيق وغينيا بيساو والرأس الأخضر، والإبادات في الحروب الأهلية والإثنية التي توحشت حتى أستعمل فيها العملاء من أمثال سافيمبى الذي بلغت به النذالة تسميم الأنهار بمساعدة النظام العنصرى فى جنوب إفريقيا، ومذابح زنجبار. ولو تمعنا في المجازر التي وقعت في رواندا وما قام به جيش الرب في يوغندا إلى الكاميرون، وما تم من تقتيل على أيدى بوكو حرام في غرب إفريقيا، وما فعلت بالبشر داعش في سوريا والعراق بعد مجازر غزو العراق والحرب العراقية الإيرانية وما يتعرض له الروهنجا في تايلاند والشيشان واليوقور في الصين ومجازر سيرلانكا والهند في هذه الأيام، وما يدور في ليبيا وجنوب السودان وماقتل السفاحون من المتأسلمين السودانيين طوال نظامهم البائد في كردفان ودارفور وشرق السودان وكجبار والنيل الأزرق وجبال النوبة وكل شبر من الأرض. إلا يحق لنا أن نتساءل من أجل من كل ذلك التقتيل وتلك الإبادات؟ وكأنما كانت إحترازاتنا في مؤتمر هاميلتون ذاك عام 1971 تهيبا لمثل هذه الكوارث التي لم تبد الناس بالملايين فقط حصدا بالأسلحة الفتاكة والقتل بالحرق والتسميم؛ ولكنها خربت زروعهم ومصادر أقواتهم وشردتهم فى أصقاع الدنيا فتفشى الجوع والفقر والأمراض مما حصد ملايين أخرى من الأرواح. أتدكرون الآن حجم الوجع الذي يعتريني وأنا أتذكر مسارات ذلك المؤتمر؟ ولكن رغم ذلك الآن إلا أن مخرجات المؤتمر وقراراته يومها كانت صادمة للجهات المنظمة وانتصارا للجتنا. وقد تم في ذلك المؤتمر قرار بعقد مؤتمر موازى لأول مؤتمر للأمم المتحدة للبيئة والذي كان سيعقد في العام التالي بستوكهولم عاصمة السويد.ففى عام 1972 عقدت الأمم المتحدة أول مؤتمر لها للبيئة في ستوكهولم. وكانت أجندته في غالبها الأعم تتعلق بقضايا الملوثات الكيميائية والبايولوجية والفيزيائية في الدول المتقدمة صناعيا مع قليل من المس لقضايا الدول النامية. وككل مؤتمرات الأمم المتحدة كانت هناك اعتبارات خاصة للتحالفات والأسلوب المنمق للدبلوماسية السمجة ومراعاة مصالح الدول. فكان مؤتمرنا تمردا ذا وهج جذب إليه الصحفيين والمراسلين، وأغلبهم كانوا من الشباب. فخطفنا الأضواء من مؤتمر الأمر المتحدة الذي أعد له ليكون مؤطرا لمصالح الشركات متعددة الجنسية وأصحاب المشاريع التي تريد أن تفرض على الدول النامية أجندة تخدم مصالحها لا غير. ومن الطريف أن المرحوم بروفيسور السمانى عبدالله يعقوب وبروفيسور ود العبيد عليه رحمة الله وبروفيسور سكر الذين كانوا في وفد السودان الرسمي لمؤتمر الأمم المتحدة، علقوا على مؤتمرنا الشبابي بأنه أكثر ديناميكية وأثرى فكرا ومحتوى من مؤتمر الأمم المتحدة.فماذا يا ترى ستكون مخرجات مؤتمر كولمبيا وما ذا سينتفع بها الملايين المحرومين الذين لا صوت لهم – – يعيشون العوز في أبشع صوره فيتضورن جوعا ويموتون مرضا ويبادون تقتيلا من أجل مواردهم التي يحرمون منها ليبذلها الخونة من الكمبرادوريين والعملاء المرتبطين برأس المال العالمي؛ يستكثرون على شعوبهم تلك الثروات ليبذولها زهيدة لمن لا يحتاجونها. ولكنها الخيانة وكره الذات واحتقار النفس من أجل أرضاء أسياد لهم تمكنوا من الاستحواذ على إرادتهم وليذهب أهلهم إلى الجحيم. ولكن الطوفان قادم وقد شهدناه في السودان واليوم في أميريكا، وستتوالى مواقف تفرض أرادة الشعوب مهما بلغ حجم التآمر والخيانة.

الحوار المتمدن

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code