حميد الكفائي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ كيف سيواجه خليفة بوريس جونسون في رئاسة الوزراء البريطانية الصعوبات التي تركها سلفه؟ وهل يتمكن الخليفة المتوج، من إيجاد الحلول الناجعة للأزمة التي تواجهها بريطانيا؟
المرشحة الأقوى لخلافة جونسون ، حسب استطلاعات الرأي، هي وزيرة الخارجية،ليزا تراس ، التي بقيت وفية لرئيسها حتى النهاية، والتي تعد بخفض الضرائب حتى في ظل الظروف الحالية الصعبة. أما المرشح الآخر، وزير المالية السابق،ريشي سوناك الشاب الطموح الذي انتهز فرصة ضعف رئيسه، فانقض عليه وأطاح به، رغم أفضاله عليه، فهو من أتى به إلى أهم منصب في الدولة البريطانية، فتبدو حظوظه ضعيفة، خصوصا وأنه يعد بإبقاء الضرائب مرتفعة حتى السيطرة على معدل التضخم.
هل يتمكن رئيس الوزراء الجديد من معالجة المشاكل المعقدة التي خلّفها حكم جونسون ، الذي لم يدُم سوى ثلاث سنوات، في وقت كان معظم المراقبين يتوقعون أن فترة حكمه ستطول وقد تتجاوز فترة حكم ونستون تشرسل ، الذي ظل رئيسا للوزراء حتى تجاوز الثمانين من العمر، ولم يتقاعد من العمل السياسي حتى سن التسعين، إذ استمر نائبا في البرلمان حتى عام 1964، ورحل بعد ذلك بعام واحد؟
لو راجعنا المؤشرات الحالية للاقتصاد البريطاني ، فسوف نجد أنها ليست في صالح رئيس الوزراء المقبل.معدل التضخم الآن يفوق 10%، وهو في طريقه إلى الارتفاع إلى 13% في العام المقبل، ما يجعل بريطانيا الأسوأ بين الدول الصناعية السبع، ولا حل في الأفق يمكن أن يغير هذه المعادلة.
تكاليف المعيشة المرتفعة الآن، ستتجاوز قدرة المواطن العادي على التحمل، بسبب ارتفاع الأسعار عموما وأسعار الطاقة تحديدا. المستهلك البريطاني العادي يستخدم الطاقة في معظم نشاطات حياته الأساسية، خصوصا حاجته إلى التدفئة في الشتاء، التي قد يؤدي نقصها إلى صعوبات جمة قد تقود إلى تعقيد الظروف الحياتية للمسنين والمرضى والأطفال، غير القادرين على تحمل البرد القارس.
وفي الوقت نفسه، فإن مستوى الأجور الفعلية ينخفض بسرعة غير مألوفة منذ عشرين عاما، بينما بدأ البنك المركزي البريطاني برفع أسعار الفائدة بسرعة غير مسبوقة منذ 30 عاما، الأمر الذي يؤثر كثيرا على دخل الإنسان العادي، الذي اشترى منزله عبر قرض عقاري، وهذه هي حال معظم البريطانيين. وكلما ارتفعت أسعار الفائدة، ازادت تكاليف القروض، ومعها الأقساط الشهرية التي يدفعها الإنسان العادي للبنوك العقارية.
الأمر الإيجابي الوحيد هو أن معدل البطالة منخفض حاليا، لكن هذا الانخفاض مؤقت، فالكساد آتٍ لا محالة، وهذا ما يتوقعه معظم الخبراء، وقد يدوم لعام أو عامين، قبل أن يبدأ بالتراجع. ومن المرجح أن يؤدي إلى تسريح آلاف العمال في معظم القطاعات الاقتصادية، وهذا من شأنه أن يرفع معدل البطالة، ربما خلال فترة قصيرة. ولا ننسى أن الشركات تتلكأ في الاستثمار في مشاريع جديدة، بل تقْدِم على تسريح موظفيها، حتى قبل حلول الكساد الفعلي، بناءً على التنبؤات السلبية للاقتصاد.
ومع بقاء معدل التضخم مرتفعا، فإن مشكلة الكساد التضخمي قد تتطور، وهذه يصعُب الخروج منها، وقد تستمر لفترة طويلة. وتكمن صعوبة الخروج من الكساد التضخمي في أنه ينشأ باقتران مشكلتين متداخلتين، السعي لحلِّ أيٍّ منهما يفاقم المشكلة الأخرى. فارتفاع معدل التضخم يُعالَج برفع أسعار الفائدة، لكن الأخير يتسبب في حدوث كساد، لأنه يرفع كلفة القروض المطلوبة للاستثمار وتنشيط الاقتصاد وتقليص البطالة.
الوضع الاقتصادي هو أحد أهم دوافع الناخبين للتصويت لهذا الحزب أو ذاك، وإذا ما ساء الوضع الاقتصادي في ظل أي حكومة، فإن الناخب سوف يصوت للمعارضة، بصرف النظر عن فرص نجاح خططها الاقتصادية. في عام 1979، صوت الشعب البريطاني لحزب المحافظين ، بزعامة مارغرت تاتشر ، بسبب تردي الخدمات نتيجة للإضرابات الواسعة التي قامت بها النقابات، وسوء الإدارة الاقتصادية لحكومة العمال برئاسة جيمز كالاهان.
وعلى الرغم من تدهور الأوضاع الاقتصادية في ظل قيادة ثاتشر، صوَّت الناخبون بقوة للمحافظين مرة أخرى عام 1983، ليس بسبب نجاح خططهم الاقتصادية، وإنما بسبب تفكك حزب العمال المعارض وضعف قيادته السياسية المتمثلة بزعيمه اليساري المتشدد المسن، مايكل فوت، وطوباوية أفكاره، ودعوته لتجريد بريطانيا من السلاح النووي في فترة اشتداد الحرب الباردة. كما ساعدت حرب الفوكلاندز، وانتصار بريطانيا فيها، على إعادة ثاتشر إلى الحكم.
وبعد أن أمضى حزب المحافظين في ظل قيادة ثاتشر القوية ثماني سنوات في السلطة، تمكن من تغيير وجهة الاقتصاد البريطاني كليا، من اقتصاد يقوم على الصناعة والإنتاج المعتمد على كثافة العمالة، إلى اقتصاد يقوم على الخدمات، المالية والسياحية، إذ قامت ثاتشر ببيع كل المؤسسات المملوكة للدولة إلى القطاع الخاص، وقد ثار عليها حتى رئيس الوزراء المحافظ الأسبق، هارولد مكميلان، قائلا إنها باعت “مجوهرات العائلة”! لكن ثاتشر فازت بولاية ثالثة قبل أن يطيح بها حزبها وينتخب جون سيجور بديلا لها عام 1990.
استطلاعات الرأي الحالية تشير إلى تقدم حزب العمال بزعامة السير كيير ستارمر بفارق عشر نقاط على حزب المحافظين، وهو أكبر تراجع للحزب في استطلاعات الرأي منذ بدايتها عام 1970. وحسب مجلة “الإيكونومست” الاقتصادية البريطانية، فإن 20% من الفجوة الانتخابية بين حزب المعارضة وحزب الحكومة، تعود إلى تغير الظروف الاقتصادية الأساسية. ومقابل كل نقطة مئوية في معدل تدني الأجور، هناك نقطة مئوية في معدل تراجع شعبية الحزب الحاكم.
رئيس الوزراء المقبل سيتولى المنصب دون إجراء انتخابات عامة، ويمكنه البقاء فيه حتى يناير 2025، لكن شرعية رئيس الوزراء الذي يصل الحكم عبر الانتخاب الحزبي فقط، تبقى منقوصة، باعتبار أن الشعب لم ينتخبه رئيسا للوزراء، وإنما انتخبه نائبا عن منطقة محددة. لذلك يميل هؤلاء القادة إلى إجراء انتخابات عامة خلال فترة قصيرة، كي يعززوا شرعيتهم في المنصب. لكنهم لا يقْدِمون على هذه الخطوة، إن كانت الظروف غير مواتية وأنهم يمكن أن يخسروا، وهذا ما فعله المحافظ جون ميجور عام 1990، والعمالي غوردن براون عام 2007، اللذان بقيا في منصبيهما دون تفويض شعبي، حتى الموعد المقرر للانتخابات العامة.
رئيس الوزراء المقبل سيكون السادس في العصر الحديث، الذي يتولى المنصب دون الفوز في انتخابات عامة، بعد جيمز كالاهان (1976) وجون ميجور (1990) وغوردون براون (2007وتريزا ماي (2016) وبوريس جونسون (2019). اثنان منهم فقط أجريا انتخابات عامة مبكرة لتعزيز شعبيتهما، وهما تريزا مي وبوريس جونسون. لكن مي خسرت، إذ حصل حزبها على 317 مقعدا، وهو دون العدد المطلوب لتشكيل الحكومة بتسعة مقاعد، فاضطرت إلى تشكيل حكومة أقلية، بدعم من حزب يميني صغير في مقاطعة أيرلندا الشمالية (DUP)، بينما فاز بوريس جونسون بجدارة وحصل على غالبية برلمانية بلغت أربعين مقعدا.
من غير المتوقع أن يجري حزب المحافظين في ظل زعامته الجديدة انتخابات مبكرة، لأنه على الأكثر سيخسرها، وفق استطلاعات الرأي الحالية، لذلك فإنه سوف يستمر حتى تنتهي ولايته الحالية مطلع عام 2025، وإن واصل الوضع الاقتصادي تدهوره بحلول ذلك التأريخ، فإن المحافظين سيخسرون على الأرجح، مقابل حزب العمال الذي يبدو موحدا، ويتمتع بقيادة قوية.
حزب المحافظين يعاني من الانقسام الحاد حول أمور أساسية تتعلق بوجهة البلد السياسية والاقتصادية، وهي تتجلى في الموقف من أوروبا. وهذا الانقسام هو الذي قاد إلى هزيمتهم المدوية عام 1997، وقدوم حزب العمال بقيادة توني بلير ليبقَ في الحكم 13 عاما. ومنذ عام 2016، أُجبِر ثلاثة رؤساء وزارات محافظين على مغادرة المنصب قبل انتهاء ولاياتهم، وهم ديفيد كاميرون وتريزا مي وبوريس جونسِن، بسبب الخلافات التي تعصف بالحزب.
سيواجه خليفة جونسون مصاعب جمة، اقتصادية وسياسية ودولية، ليس فقط بسبب سياسات جونسون، ولكن أيضا بسبب أزمتي جائحة كورونا، التي أربكت الاقتصاد لعامين متتالين، والأزمة الأوكرانية الروسية، التي رفعت أسعار الطاقة وخلقت مصاعب اقتصادية لا يمكن تجاوزها بسهولة.
لا توجد حلول سحرية للوضع الاقتصادي الحالي، لكن وجهة الحكومة الاقتصادية سوف تلعب دورا كبيرا في حلها. ليز تراس، مثلا، لا تميل إلى فرض الضرائب، وهذا مبدأ عام تتمحور حوله سياسة حزب المحافظين، مما يعني أنها سوف تقترض من أجل توفير الأموال اللازمة لمساعدة السكان لمواجهة أسعار الغاز والكهرباء المرتفعة.
لكن الاقتراض له مساوئه أيضا، فهو يؤدي إلى رفع أسعار الفائدة الذي يؤثر سلبا على دخل الفرد العادي، أي أن المساعدات المالية المقدمة للسكان سوف تذهب مرة أخرى إلى البنوك بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، وكذلك يرهق موارد الدولة لفترة طويلة، وفي العادة تتحمل وزره الأجيال المقبلة.
يبدو أن مقترح حزب العمال بفرض ضرائب على أرباح الشركات، خصوصا شركات الطاقة التي حققت أرباحا خيالية، هو الحل الوحيد المتاح حاليا للخروج من الأزمة، وحتى وزير المالية السابق المحافظ، ريشي سوناك، يميل إلى هذا الحل، وإن بدرجة أقل حماسا، وقد تبناه مع بعض التعديل بعد أن أعلنه زعيم حزب العمال، كيير ستارمر.
من المرجح أن حزب المحافظين سيبقى في السلطة حتى عام 2025، أملا في أن تتحسن الأوضاع ويفوز في الانتخابات العامة المقبلة. لكن مثل هذا الأمل يبدو سرابا في الظروف الحالية، فالأوضاع الاقتصادية سوف تتدهور على الأرجح خلال السنتين المقبلتين، ما يهيئ الظروف المواتية لفوز حزب العمال في الانتخابات المقبلة.
سكاي نيوز

