كوثر الفرجاني
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
في أيام الخريف؛ التي ننتظرها بفارغ الصبر لزيارة واحة الجفرة بوابة إقليم فزان؛ كثيرا ما أتعمد الدخول في أحد الأزقة الضيقة للابتعاد عن الزحام؛ وحيث يكون الطريق إلى مكان الإقامة أسرع؛ وأنا أسير في هذه الأزقة لفت انتباهي وجود بائع شاهي.. والمدهش أنّ هناك عدداً من الناس يقفون يشربون الشاهي بلذة منقطعة النظير.. لوهلة يبدو الأمر عاديا ان يشرب البشر الشاهي؛ ولكن أن يدفعون مبلغاً من المال مقابل قدح الشاي الذي يشربونه وبالأخص في الجفرة والواحات المحيطة؛ أثار استغرابي ودهشتي..فلا يكاد مسرب من مسارب الواحة أو سانية من سوانيها الساحرة يخلو من تقديم الشاهي على الفحم..فدنوت من هذا البائع -الذي تبدو عليه علامات الود والألفة والطيبة؛ فسلّمت عليه، فردّ عليّ بأحسن منه..
(أمحمد محمد قنينة) شاب خلوق ،فنان بطبيعته وسلاسته وبساطته؛ فهو من فكر وجمع ثلاثة بلا ميعاد السكر والشاهي واللوز، بعد أن أخدت موافقته لأجل الدردشة معه؛ فابتسم إبتسامة تشرح الروح؛ وهو يحمل براد الشاي بيده، وبيده الأخرى أكواب ورقية وضمة من الكاكاوية (الفول السوداني) المحمصة؛ كلما اقتربت منه فهمت هذا الإنسان أكثر، شيء ما يجذبك إليه؛ ربما لأنه أثار فضولي لتصويره وكتابة قصة عنه، وربما وجهه البشوش الضاحك طول الوقت، وعينين شبه منغلقتين نسبيا من الإجهاد، وهو يستقبل زبائنه، بعد أن كان صيته وشهرته الواسعة فى إعداد الشاي الأخضر من عدة سنوات قضاها بينهم، وبسبب طيبته وسمعته، طلبنا كوب من الشاهى باللوز، كان لذيذا لذة البساطة فيه؛ ممزوج مع منكهات التعامل الراقي؛ والتقديم اافخم والأسعار المعقولة والجودة الممتازة، دائما متواجد أمام المحلات المقابلة لجامع الصوان بودان بالجفرة،
قلت له: هل لي بسؤال (من غير زعل)؟ فأجابني بوجه طلق: سل عمّا بدا لك (وإن شاء الله مافيش زعل)سألته: لماذا تبيع الشاهي؟
فتبسّم وقال بصوت منخفض (حتى لا يسمعه أحد): إعلمي يا أختي أنّ بيتي يغصّ بالضيوف من الأهل والزائرين، وهؤلاء بحاجة إلى الطعام والضيافة، وأنا على (قد حالي)، فلا بد لي من العمل حتى أوفر بعض المبلغ لتوفير ما يحتاجه هؤلاء؛ فطأطأت برأسي حياءً منه، وطلبت منه أن يعطيني قدحاً من الشاهي
فأجابني: على عيني وراسي، وقال ملاطفاً: (بس على حسابي)..قلت له: لا بأس بذلك..مردودة لك بالإفراح.
شاب ثلاثيني؛ ارتبط اسمه بودان بالجفرة كبائع للشاهي في ناصية الشارع؛ امام جامع الصوان؛ حيث يزدحم عليه العشرات من الأشخاص للحصول على الشاهي بالكاكاوية واللوز؛ والمعمول بالطريقة الليبية القديمة؛ والذي يقول عنه الكثيرون أنه يتميز بمذاق مختلف عن شاهي الباقيين.
شاهي باللوز
تلك الزاوية أمام الجامع اشبه بالمتنفس للكثير من ساكني البلدة الصغيرة بواحة الجفرة؛ حيث يخرج الناس من المسجد ويتجمعون على اكواب الشاهي باللوز أو الكاكوية في أوقات مختلفة؛ مرتبطة بالغالب بمواعيد الصلاة؛ وخاصة مع أجواء الخريف التي تمتاز بها الجفرة؛ في منظر جمالي بديع يجعل اللقاءات الصباحية والمسائية؛ ذات مذاق خاص مع كوب الشاهي والهواء النقي.
الكثير من الزبائن يزدحمون على عتبته؛ وهو الأشهر في اعداد الشاهي بطريقة مختلفة؛ يبدو الامر وكأنه تحول إلى عادة يومية يمارس طقوسها الكثير من المقيمين والزائرين إلى واحة الجفرة على السواء؛ بأحيائها واجواءها وجمال الأزقة والمسارب والمزارع فيها، مع الألوان الزاهية لازياءها وملابس سكانها، وكل ما يعبر عن هوية المدن العتيقة فيها.
هوية جفراوية
هذا الشاب؛ ليس مجرد مواطن ليبي (؛ على قده) يصنع ألذ شاهي بالعالم، بل هو إنسان يصنع هوية ليببة جامعة، بصبغة مميزة بمذاق جفراوي؛ يصنع لنا ذكريات وأشواق وحب غامر، ويعيد ترتيب أمزجتنا وأهوائنا.
إنه إحدى أرواح الجفرة الكثيرة، الذهاب إليه وشرب الشاهي من عنده عبارة عن رحلة علاجية للنفس والفؤاد، نقصده بالفرح والحزن والشوق والضجر، ولا يمكن أن تعود إلا مغتسل الروح.
حياة صعبة
كلما نظرت إليه؛ تأكدت أنه يواجه حياة صعبة؛ يعمل من أجل توفير لقمة عيشه وحيداً، يصحو مبكرا ليفتتح يوم جديد من العمل، وتظهر على تجعدات وجهة زمن طويل من المعاناة حيث أخذ الزمن من روحه الشابة؛ واضاء جزء آخر؛ مع كل اشراقة شمس ببلاد دموع الشمس الدقلة وبلح التاغيات والتاليس.
واحة الجفرة
كلما تاقت الروح لانتعاشة خريف الجفرة؛ كانت قدماي تأخذني بشكل لا شعوري لتلك البلاد لأتأمل سماءها ومزارعها ونخيلها؛ فأعود بروح أخرى غير تلك التي خرجت بها من طرابلس.
كانت تلك خلاصة رجل ارتبط بوجدان الكثير من الناس الذين زاروا ودان بواحة الجفرة الساحرة، حيث البساطة والطيبة والمودة الخالصة المخلصة.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
