حيدر الأديب
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تأمل هذه القصة أولا للدكتور محمد ياسين صبيح موسيقي :
يعود الراعي الى البيت متأخرا.. بدون الناي..
وينام القطيع حزينا بدون صوته.
لقد نبتت قصبا عند اقرانها
هذه القصة تمثل مثالاً جيدًا على الحدث الاستعاري، وذلك لعدة أسباب ترتبط بالطريقة التي يتم فيها التعبير عن الحدث والمشاعر من خلال الصور المجازية بدلاً من الأفعال التقليدية
القصة تُجسّد الحدث الاستعاري بامتياز، حيث يستبدل الحدث الكلاسيكي بصور مجازية قوية تعبّر عن حالة من الحزن والفقد. بدلًا من الاعتماد على تطورات زمنية أو حركية، يُبنى الحدث عبر اللغة المجازية التي تعكس الشعور بشكل ملموس ومبتكر، مما يجعل الاستعارة ليست فقط جزءًا من السرد، بل هي السرد بأكمله.
ولكن هذه النتيجة لا تقال هكذا جزافا مالم نحللها معرفيا ونأتي على أدلتها دليلا دليلا
1.السرد الاستعاري كبديل عن الحدث:
السرد الاستعاري يمكن أن يحل محل الحدث في بعض الأنواع الأدبية، خاصة في القصص القصيرة جدًا ذات الطابع النفسي، أو تلك التي تميل نحو النزعة الشعرية، أو الحلم، أو الذكريات. هذه الأنواع لا تعتمد بالضرورة على تسلسل حدثي واضح، بل تقوم على تكثيف المشهد أو الحالة الشعورية، حيث يصبح السرد الاستعاري هو الجوهر الذي يعبر عن الفكرة أو الحالة بدلًا من الحدث التقليدي.
- تناقض مفهوم الحدث في القصص القصيرة جدًا:
في القصص القصيرة جدًا، خاصة تلك ذات البعد النفسي أو الحلمي، الحدث التقليدي يتلاشى أو يُستبدل بلحظة شعورية، أو بانفجار استعاري يكثف المعنى. هنا لا يكون الحدث بالمعنى الكلاسيكي (أي فعل واضح يتطور)، بل يتحول إلى حالة أو شعور يتجسد عبر السرد الاستعاري، ليصبح هو الحدث نفسه. هذه الخاصية تجعل السرد الاستعاري ليس مجرد إضافة للحدث، بل في بعض الأحيان يكون الحدث ذاته. - تأثير الاستعارة على تماسك النص:
السرد الاستعاري يمكن أن يقدم تجربة متكاملة تُلغي الحاجة إلى حدث واضح ومحدد، حيث تصبح الاستعارة كيانًا مستقلًا قادرًا على خلق التوتر، البناء، والتحول الدرامي. في مثل هذه النصوص، الاستعارة لا تُضيف للحدث، بل تصنعه وتشكله، وتجعله يتماشى مع نزعة النص الكلية، خصوصًا في النصوص التجريبية التي تتجاوز البناء التقليدي. - إعادة النظر في وظيفة الحدث:
ما قلته سابقًا حول تلاشي الحدث في النصوص ذات النزعة الشعرية أو الحلمية لا يتناقض مع ما نناقشه هنا؛ الفكرة هي أن الحدث كما نعرفه في السرد الكلاسيكي يمكن أن يُلغى أو يتضاءل لصالح قوة السرد الاستعاري، الذي قد يلعب دورًا بديلًا وفعّالًا في إيصال الفكرة وتجربة القارئ.
السرد الاستعاري يمتلك القدرة على أن يكون أكثر من مجرد عنصر مكمل؛ في بعض السياقات، هو قادر على أن يلغي الحدث أو يحل محله، خصوصًا في النصوص التي تهتم بالحالة الشعورية، أو التي تركز على التجربة الإنسانية المجردة بعيدًا عن التسلسل الحدثي التقليدي. لا يوجد تناقض إذا نظرنا إلى نوع النص وتوجهه الأدبي كعنصر حاسم في تحديد وظيفة الاستعارة والحدث.
مفهوم بناء الحدث عبر السرد الاستعاري:
عندما يُقال إن السرد الاستعاري “يقوم بدور عضوي في بناء الحدث”، فهذا يعني أن الاستعارة تُستخدم كأداة مركزية تُسهم في تشكيل الحدث، سواء كان ذلك من خلال تصوير الحالة الشعورية، أو بناء المشهد، أو تقديم تطور درامي غير مباشر. في هذه الحالة، الاستعارة ليست مجرد أداة تجميلية، بل جزء لا يتجزأ من الكيان السردي للحدث نفسه.
- السرد الاستعاري كجوهر الحدث:
إذا كان الحدث “مبنيًا بالاستعارة”، فهذا يعني أن السرد الاستعاري هو في الواقع جزء لا يتجزأ من تكوين الحدث. لكن القول بأن الاستعارة “لا تحل محل الحدث” قد يُفهم على أن الحدث لا يزال يتطلب وجود عنصر فعلي (مثل فعل أو حركة) يدعمه، ولكن هذا الافتراض غير دقيق في النصوص التي تعتمد بشكل كبير على الاستعارة. هنا يكمن التناقض: إذا كان الحدث مبنيًا بشكل كامل على الاستعارة، فلا يمكن أن يُقال إن الاستعارة لا تحل محله، لأنها في الواقع تقوم بهذا الدور بالكامل. - التأثير على التوتر السردي:
القول بأن الاستعارة “تصعّد التوتر السردي لكنها لا تنوب عنه” يمكن أن يكون إشكاليًا أيضًا. في كثير من النصوص، خاصة الشعرية والقصيرة جدًا، الاستعارة هي العنصر الرئيسي الذي يُحدث التوتر ويصعّد الصراع، وبالتالي، هي ليست مجرد عنصر مساعد بل هي المحرك الفعلي للتوتر. إذًا، القول بأنها لا يمكن أن تنوب عنه يتجاهل قدرتها على تحقيق التوتر والاستبدال الكامل للحدث الكلاسيكي. - التوفيق بين بناء الحدث والاستعارة:
يجب التمييز بين أنواع النصوص؛ فالنصوص التقليدية تعتمد على الأحداث بشكل مباشر، بينما النصوص ذات النزعة الاستعارية تعتمد على السرد الاستعاري كوسيلة أساسية لتقديم الحدث. في هذه الحالة، يكون الحدث مُغلفًا بالسرد الاستعاري بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر؛ بمعنى أن الاستعارة لا تضيف للحدث فقط بل تشكّله بالكامل.
القول بأن الاستعارة لا تحل محل الحدث بينما يُبنى الحدث من خلالها هو تناقض فعلي لأن الاستعارة ليست مجرد أداة إضافية، بل هي الكيان البنيوي للحدث في أنواع معينة من النصوص. وبالتالي، يكون القول الأكثر دقة أن الاستعارة يمكن أن تلعب دور الحدث وتحل محله في الأنواع السردية التي تُعلي من قيمة الصورة والشعور فوق الفعل التقليدي.
بمعنى ان هناك مفهوم جديد يسمى الحدث الاستعاري فما هو الحدث الاستعاري
ان ما يمكن تسميته بـ “الحدث الاستعاري”، وهو مفهوم جديد يتجاوز الفهم التقليدي للحدث في السرد. هو الحدث بحد ذاته، وليس مجرد وسيلة للتعبير عنه. ولتوضيح هذا المفهوم بشكل أعمق سنعرج على مقدمات منهجية جوهرية
- تعريف الحدث الاستعاري:
الحدث الاستعاري هو حدث يتم التعبير عنه من خلال الاستعارة بشكل كامل، بحيث تصبح الاستعارة هي العنصر البنيوي والجوهر الأساسي للحدث. في هذا النموذج، لا نحتاج إلى أفعال تقليدية أو تطور خطي للأحداث؛ بل يعتمد السرد على تكثيف اللحظة أو المشهد من خلال لغة مجازية وشاعرية، ما يخلق إحساسًا بالحدث دون الحاجة إلى تجسيده تقليديًا. - خصائص الحدث الاستعاري:
تكثيف اللحظة: الحدث الاستعاري يركز على تكثيف الحالة الشعورية أو النفسية بدلاً من عرض سلسلة أحداث واضحة.
إلغاء الفعل التقليدي: يبتعد عن الأفعال والتطورات الزمنية التقليدية، ويستخدم اللغة والصور المجازية لإيصال التجربة.
بناء التجربة: يُشرك القارئ في بناء الحدث عبر استنباط المعاني من الاستعارات والصور، مما يجعله شريكًا في تشكيل الحدث. - أمثلة على الحدث الاستعاري:
في النصوص الشعرية أو القصص القصيرة جدًا التي تعتمد على الأجواء النفسية أو الذكريات، الحدث الاستعاري يكون بارزًا. مثلاً، في قصة تركز على وصف شعور عميق مثل الحزن أو الخوف من خلال مشهد استعارته تتعلق بغرفة مظلمة أو سماء مشروخة، هنا السرد الاستعاري لا يصف الحدث فحسب، بل هو الحدث. - أهمية هذا المفهوم:
الحدث الاستعاري يغير الطريقة التي ننظر بها إلى السرد؛ حيث يسمح بتجاوز الحدود التقليدية، ويمنح الكتابة حرية أكبر في التعبير عن التجربة الإنسانية بطرق مبتكرة. هذا النوع من السرد يقدم إمكانيات واسعة لفهم الشخصيات والعواطف من خلال استعارات تُصبح هي الحدث، وليست مجرد أدوات وصفية.
تحليل الحدث الاستعاري في في قصة موسيقي:
غياب الفعل التقليدي: القصة لا تتضمن حدثًا واضحًا بمعناه الكلاسيكي مثل صراع، حركة، أو تطور فعلي. بدلاً من ذلك، تستخدم صورًا مجازية لتقديم تجربة شعورية. عودة الراعي بدون الناي ليست مجرد فعل، بل رمز لفقدان شيء مهم ينعكس على القطيع.
الاستعارة الأساسية:
غياب الناي: الناي هنا يرمز إلى شيء حيوي ومؤثر في حياة القطيع، ربما الراحة، الأمان، أو الترابط الروحي. غياب الناي لا يُعبّر فقط عن فقدان صوت، بل فقدان لحالة نفسية.
نمو القصب عند قرون القطيع: هذه الصورة المجازية تمثل تحول الحزن إلى شيء مادي، وكأن المشاعر التي نتجت عن غياب الناي تبلورت ونمت بشكل ملموس. هذا يمثل ذروة الحدث في السرد الاستعاري، حيث يصبح الألم أو الحزن شيئًا يمكن رؤيته.
التوتر الشعوري: القصة تصعد التوتر ليس عبر أفعال، بل عبر بناء شعور جماعي بالحزن والافتقاد. غياب الصوت الذي يعبر عن الراعي وتأثيره على القطيع يمثل الحدث المركزي.
القصب كنهاية مجازية: نمو القصب عند قرون القطيع هو التعبير النهائي للحالة؛ لا نرى حركة أو تغيير فيزيائي للأحداث، بل نرى حالة شعورية تحولت إلى صورة. هذا التغيير في المشهد يُعتبر الحدث الفعلي، وليس مجرد وصف.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
