نجاة أحمد الاسعد _ سوريا
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_حديثنا اليوم عن شيء اعتاد اهل سوريا على متابعته جاء في زمنٍ ما قبل التلفزيون والهواتف الذكية، كان الناس يتجمّعون في المقاهي الشعبية أو في ساحات الحارات، بانتظار عرضٍ مليء بالضحك، بالحكمة، وبالدهشة… عرض اسمه “خيال الظل”.
وفي قلب هذا الفن… عاشَت شخصيتان لا تُنسَيان: كركوظ وعواظ.
واليوم، دعونا نغوص معًا في حكاية هاتين الشخصيتين اللتين أصبحتا رمزًا للذكاء الشعبي والفكاهة الشامية.
كركوظ وعواظ هما ثنائي تمثيلي كوميدي شهير، من أقدم ما عرفه المسرح الشعبي في بلاد الشام.
لكن الحقيقة أن أصلهم يعود إلى تركيا، وبالتحديد إلى العهد العثماني، حيث عُرفا باسم “كارا كوز وحاجي عيوات”. ومع مرور الزمن، صارت لهما لهجة شامية، وملامح قريبة من الناس.
كركوظ هو البطل الطائش، العفوي، البسيط، المندفع دائمًا، كثير النسيان، وكثير المشاكل.
أما عواظ فهو الذكي، المثقف، الذي يُجيد الحوار، ويظهر في كل عرض ليصحّح أخطاء كركوظ… أو ليستغلها لصالحه!
كانت تُقام عروض خيال الظل خلف ستارة من القماش الأبيض، يُسلَّط عليها الضوء من الخلف، بينما يحرك المؤدي شخصيات صغيرة مصنوعة من الجلد الشفاف الملون.
وكل شخصية كانت تُحرَّك باستخدام أعواد رفيعة، وتظهر على الستارة بحجم أكبر، لتروي مشاهد مضحكة، ناقدة، وساخرة.
وكان يؤدي العرض شخص واحد عادة، يُسمّى “الخيّال” أو “العرائسجي”، يؤدي الأصوات جميعها، ويُتقن تبديل النبرات، ما بين كركوظ، وعواظ، والضيوف الآخرين في العرض.
وكانت الحوارات بين كركوظ وعواظ مليئة بالنكتة والموقف الطريف.
اسمعوا مثلًا هذا المشهد
هذه المشاهد الساخرة كانت تمرر رسائل ذكية، تنقد الظلم، الفساد، الغلاء، وحتى السياسة… ولكن بأسلوب لطيف لا يجرح، بل يُضحك ويُفكر.
وكان لشهر رمضان طابع خاص مع كركوظ وعواظ. ففي ليالي رمضان، وبعد الإفطار، كانت العائلات تتجه إلى المقهى أو الخيمة الرمضانية لحضور العرض، ويبدأ صوت الراوي يقول:
شخصية كركوظ كانت تُصوَّر بعيون واسعتين، أنف طويل، ولباس فوضوي.
أما عواظ، فكان أنيقًا، بلحية صغيرة وطربوش مُرتَّب.
كل شخصية تمثل طبقة من طبقات المجتمع: كركوظ يمثل عامة الناس، وعواظ يمثل أصحاب الثقافة والسلطة.
ماكان يقدمه كركوظ وعواظ ليس مجرد ترفيه.
بل كان وسيلة لتوعية الناس، لنقل الأخبار، وانتقاد الأحوال، بطريقة يفهمها الجميع، ويضحكون عليها… ثم يفكرون فيها.
علموا الناس أن الضحك لا يعني السطحية، وأن الفن قادر أن يكون سلاحًا، وكلمة، وموقفًا.
رغم أن الزمن تغيّر، ورغم أن الشاشات غطّت كل شيء، إلا أن كركوظ وعواظ ما زالا يظهران في:
بعض المهرجانات التراثية
العروض المدرسية
متاحف الفلكلور الشامي
وفي ذاكرة من عاشوا تلك الأيام الجميلة…
بل حتى بعض فناني الرسوم المتحركة والشخصيات الكرتونية استوحوا من هذا الثنائي العريق روح الفكاهة والحوار الشعبي البسيط.
واخيرا كركوظ وعواظ… ليسا مجرد دمى تُحرَّك باليد بل هما ضحكتنا القديمة، ومرايانا الصغيرة التي كنا نرى فيها أنفسنا، عيوبنا، وأحلامنا.
فهل نُعيد لهما الحياة من جديد؟
والى حديث عن عادات بلادي نلتقي الأسبوع القادم
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
