نجلاء الخضراء
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_إلى أحفاد في هذا الزمان الى من امتلك نجم في سماء دنياه وعاصر سميه من الاباء تحية عطرة وبعد:
تحمل كلمات نداءات توعية وتحذيربعيدا عن العتب و تقيد الحريات وسلب الحقوق واختيار طريق المستقبل
ينطلق الصغير إلى شبابه ليشق طريقه ويبني مستقبله، تاركا خلفة والداه في شيب العمر يعيشان بين صور الجدران وذكريات الزمان.
فقد باتت الأسرة اليوم صغيرةٌ تضم الأب والأم وأولاد لا يزيدون عن ثلاثة، وقد قدما لهم ما استطاعا الحصول عليه في فترة من أصعب فترات التاريخ، وقد قلّت الماديات وشحّت الخيرات وضاقت البيوت واختنقت أرض الدور، حتى حرمتم صباحات عشناها حيث كانت رائحة القهوة تنقر على أجفاننا لإيقاظنا مع صوت الكناري وهو يغنّي فرحاً بنور يوم جديد،لنلتحق بدور غسل الوجوه خلف باب المرحاض حيث ازدحام أفراد العائلة من فئة الطلبة، وقد سبق هذا الدور دور كبار العائلة عند الفجر وهناك دور ثالث هو دور وقت الضحى لأصحاب الحرف والعمل والتجارة.ليلتقي الجميع على قهوة الصباحويحلقون حول مائدة الإفطار، حيث يتصدر التلفاز أو المذياع وهو يصدح بقراءة القرآن والأخبار أو صوت فيروز، والجد والجدة،ويتوجه الأولاد والأحفاد بإلقاء تحية الصباح نحوهما بقبلة على اليد.
من هذا الصباح المزدحم المفعم بالحيوية والنشاط والمحبة، رغم ما يحمله الازدحام من مشاحنات وشجارات، تنمو مشاعر الحب والتلاحم بين الأجيال المتعاقبة، ومن هناتعلمنا احترام الكبير والعطف على الصغير، ومن تلك الاجتماعات الصباحية وشبيهاتها المسائية توارثنا مسؤولياتنا تجاه الآباء والأجداد، وتناقلنا الحقوق والواجبات، ووقفنا على ما لنا وما علينا.
لقد شهدت الحالة الاجتماعية اليوم تغيرا جذرياً بدئا من لبنتها الأولى وهي العائلة أو الأسرة، إذ ظهر تباعد جغرافي وزمني وبدأ يتسع حتى أخرج الجدين غالباً من دائرة التفاعل والمشاركة، وهذا لا يعني أنهما باتا غير محبوبين من طرفكم ، لكن إيقاع الحياة الحديثة أضعف الصلة بين أفراد الأسرة بالتوالي حتى أفرغ دور الأجداد الجوهري.
ولايزال هذا التباعد مرفوض رغم وجوده في أيامكم، أي أنه بالرغم من الواقع الأسري الضيق والمتباعد إلا أنه مرفوض اجتماعيا، ولا يزال تهميش الجدين يعد خصلة اجتماعية سيئة. لكن القبول بهذا الواقع مع مرور الأيام وإيجاد المبررات له والاعتياد على غياب الجديين أمر في غاية الخطورة عليكم وعلى المجتمعات وعلى الأمة العربية والإسلامية بأكملها، لأنها تكون قد خسرت مصدرا من أصدق منابع الذاكرة والمشاعر والحكمة.
فالتواصل والترابط بينكم وبين الأجداد ليس مجرد أمر إلهي فقط بل هو ثقافة وامتداد تاريخي، والمسألة هنا ليست مسألة تحول اجتماعيأو تغير في نمط الأسرة وشكلها، إنما هو توارث لنمط اجتماعي منزوع الجذور، وتغير في المنظومة الثقافية والأخلاقية وخلل في الهوية، فالامتداد الأسري حيث الجد والجدة امتداد هام وضروري يستطيع الأحفاد من خلاله أن ينعرفوا على أصولهم وانحدارهم وهويتهم، وبالتالي يعرفون دورهم في الحياة ويحددون طريق مستقبلهم بسهولة دون ضياع أو تردد.فوجود الأجداد في حياة الأحفاد يساعدهم على إعادة تشكل نظرتهم لأنفسهم بعد التعرف على أصولهم، وتجعلهم أكثر فهما للعالم من حولهم.
يؤثر الأجداد على أحفادهم تأثيرا عميقا وساحرا فهم يقدمون لهم مالا يستطيع الوالدان تقديمه مهما بلغا من الثقافة والعلم، فنجد في سرد قصصهم نقلا للقيم والتقاليد ونتاج للتجارب والدروس، وبذلك فهم حماة للذاكرة الجماعية المهددة بالضياع، ان ضاعت الروابط بين الأحفاد والأجداد، وهو ما بدأ بالفعل يظهر في مجتمعاتنا.
ان العناية بالجدين وتقديم الحب والعطف لهما ليست فقط من أسمى معاني البر، بل عنصر تراثي ينتقل عبر الأجيال، عليكم العمل على صونه وابعاده عن مصيره المؤلم فما زال معكم متسع من الزمن فالذاكرة الثقافية يا أحفاد الأمة الإسلامية كالماء يتسرب من الشقوق قبل أن يجف وينضب.
لا نطالبكم اليوم كأحفاد وأبناء مازالت قلوب أجدادكم تنبض بالحياة بإعادة الاسرة إلى صيغتها القديمة، لكن أنادي بإعادة دور الجدين كقلب معنوي وروحي للعائلة وادخالهم ضمن دائرة التغير والتطوير التي أبعدوا عنها وتفعيل دورهم من جديد وذلك بأخذ آرائهم بما يؤرقكم ويشغل بالكم وان لم تأخذوا بها، والاستماع لكلماتهم وتجاربهم واحترام مشاعرهم والوقوف عند متاعبهم، ففي كلماتهم معرفة ،وفي جلساتهم تاريخ وذاكرة، وفي تجاربهم حكاياتهم خوض في الثقافة والعادات والتقاليد وفي مقتنياتهم غنى وأصالة وثراء.
لدى أجدادكم طاقة المعرفة والثقافة وهي من صنف ثالث لا تتجدد من تلقاء نفسها،ولنتصلكم وتنتقل لأولادكم إلا بالعناية بهم والعطف عليهم والتودد لهم.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
