سعيد الحاج
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_مرت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي استضافتها أنقرة قبل أيام بسلام ودون صدام مباشر أو عميق بين الرئيس الأمريكي والزعماء الأوروبيين. فقد كانت سبقت القمة أجواء سلبية تنوعت بين تصريحات من قبيل عدم رغبة ترامب بحضور القمة “لولا استضافة تركيا لها ودعوة أردوغان لحضورها”، وخلافات حول مبادئ أساسية في الحلف مثل تقاسم الأعباء والتوافق على الأولويات، فضلاً عن العتاب الأمريكي على الدول الأوروبية بسبب “موقفها السلبي من الحرب على إيران” والعتب الأوروبي في المقابل بسبب الموقف الأمريكي من الحرب على أوكرانيا.
مرت القمة بتصريحات إيجابية -لا تخلو من النقد والعتب- في العموم، وتوافق على حلول وسط من المواضيع الخلافية؛ مثل نسبة الميزانية الدفاعية من الميزانية العامة للدول، وبيان ختامي أكثر حدة تجاه إيران. لكن كل ذلك لا يعني نهاية الأزمة أو عدم وجودها من الأصل، فكل ما سبق عبارة عن نتائج وتداعيات لا أسباب الأزمة.
الأسباب تعود في الأصل لرؤية الرئيس الأمريكي وتياره “أمريكا أولاً” للحلف ومدى فائدته للولايات المتحدة، وما إذا كانت هذه الفائدة توازي الأعباء -المالية والعسكرية والسياسية وغيرها- التي تتكفل بها واشنطن تجاهه، وهي نظرة ليست جديدة فقد سبق أن عبر عنها ترامب في رئاسته الأولى، وهو ما دفع الرئيس الفرنسي حينها للقول إن “الناتو يعاني من موت سريري”.
وفي الخلاصة، فقد أجّلت قمة الناتو الأخيرة أي صدام بين ترامب والقادة الأوروبيين على وجه التحديد، لكن ذلك لا يعني حل الأزمة وإنما تمريرها مرحلياً. فأزمة الثقة ما زالت قائمة، والحديث عن الناتو بنسخته الثالثة سيستحث الكثير من النقاش والجدل مستقبلاً، وما زالت الإدارة الأمريكية ستتابع مدى التزام الدول الأوروبية بما تطالب به وتم التوافق عليه في موضوع الميزانيات. إذن فالطريق ما زال طويلاً، ولم نصل بعد لتوافق تام يعيد الناتو إلى سابق عهده، بل ما زال يقف قطعاً أمام مفترق طرق تاريخي.
فما الذي يعنيه كل ذلك بالنسبة لتركيا؟
كانت أنقرة في مقدمة المستفيدين من القمة الأخيرة للناتو، فهي الدولة المستضيفة التي أشاد الجميع بها، وقد عززت علاقاتها مع الولايات المتحدة، وأكدت دورها وأهميتها للحلف عموماً وفي الجبهة الشرقية والجناح الجنوبي على وجه التحديد، فضلاً عن فتح آفاق لفرص مستقبلية للصناعات الدفاعية التركية، ووعود أمريكية بخصوص مقاتلات إف35 وإف16.
بالعودة إلى أزمة الثقة على ضفتي الأطلسي في الناتو، فتركيا تراها تحدياً وفرصة في الوقت ذاته، ما يعني أن لهذه الأزمة إذا ما استمرت تداعيات محتملة عليها، كما قد تفتح لها نافذة على مكاسب ممكنة.
في المقام الأول، تسعى أنقرة لتفادي تأثيراتها السلبية المباشرة عليها، فهي لا تصطف مع أي من الجانبين، بل تسعى لرأب الصدع وتقريب وجهات النظر، لضمان عدم وصول الأمر لصدام لا تحمد عقباه على مستقبل الحلف.
ثم إنها تعمل بشكل مكثف ومتفانٍ على تعزيز أوراق قوتها الذاتية ولا سيما في مجال الصناعات الدفاعية في مختلف المجالات، وتبدو وكأنها في سباق محموم لتغطية احتياجاتها العسكرية من الصناعات المحلية، وقد قطعت في ذلك مسافات مقدرة.
الأهم، أن أنقرة تستفيد من المساحات الرمادية التي تتركها الخلافات الأمريكية- الأوروبية داخل الناتو لتأكيد دورها وحضورها وأهميتها، ولا سيما مع التطورات العالمية والإقليمية الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب الروسية- الأوكرانية والحرب على إيران.
هنا، يمكن ملاحظة التنافس بين الجانبين للإشادة بأنقرة وما تلعبه (ويمكن أن تلعبه) من أدوار بالنسبة للحلف وكذلك للأمن الأوروبي عموماً، وقد يتوّج ذلك في صفقات سلاح ما زال مصيرها غير محسوم مثل مقاتلات إف35 الأمريكية ويوروفايتر الأوروبية.
وأخيراً، تعمل تركيا على بناء مسارات ومحاور مكملة، وليس بالضرورة بديلة، لحلف الناتو. فعدا عن علاقاتها الجيدة مع قوى عالمية مثل الصين وروسيا (بتمايز عن باقي أعضاء الحلف على مستوى الخطاب والعلاقات)، وبما يشمل السعي للانضمام لمنظمات أخرى مثل منظمة شنغهاي للتعاون، تشيّد أنقرة مؤخراً لَبِنات أساسية لتأسيس محور إقليمي يضم دولاً عربية وإسلامية فاعلة ومؤثرة يمكن أن تتحول لقاطرة للعمل العربي- الإسلامي الرسمي المشترك.
ويبرز هنا بالتأكيد الإطار الرباعي الذي يجمع تركيا والسعودية ومصر وباكستان، والذي أكد وزير خارجية تركيا هاكان فيدان أنه “ليس بديلاً للمؤسسات الرسمية” مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ولكنه “يضمن سرعة التحرك واتخاذ القرار”، وهو ما تحتاجه الأزمات الحالية، وبما يعني وجود رؤية لتطويره وتوسيعه مستقبلاً.
وفي الخلاصة، لا تغفل تركيا عن المشاكل التي يعاني منها حلف الناتو، كبرى المنظمات الدولية في المجال العسكري والأمني، لكنها لا تتعامل مع ذلك بعجلة أو تخبط، وإنما وفق خطوات مرسومة تسعى من خلالها لمنع نشوء خلافات أكبر بين الدول الأعضاء، وتأمين نفسها قدر الإمكان من أي تداعيات سلبية، إضافة لبناء مسارات مكملة تساهم في تقليل الاعتماد وتعزز بالتالي استقلالية القرار التركي.
عربي 21
