بندر الدوشي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_قد يختلف الكثيرون حول شخصية كالسيناتور الراحل ليندسي غراهام، لكن من يعرفه عن قرب يدرك تماماً أنه شخصية براغماتية، وليس عقائدياً متصلباً يصعب التعامل معه، وذلك رغم كونه يمثل الجناح المتشدد داخل المؤسسة التقليدية للحزب الجمهوري. وُلد ليندسي غراهام لعائلة عاملة في كارولينا الجنوبية، وتحمل مسؤولية شقيقته بعد الفقد المبكر لوالديه؛ ليكون أول من يحصل على شهادة جامعية في عائلته. امتدت مسيرته في خدمة بلاده لأكثر من نصف قرن، تدرج خلالها في القوات الجوية حتى تقاعد برتبة عقيد حائزاً على النجمة البرونزية، ثم أمضى أكثر من عقدين في مجلس الشيوخ. والمفارقة أنه بقي من أقل المشرعين الأمريكيين ثراءً بامتلاكه نحو 1.5 مليون دولار فقط.
وفي الحقيقة، شكّل الرحيل المفاجئ للسيناتور غراهام في 11 يوليو 2026، عن عمر ناهز 71 عاماً، خسارةً لواحد من أكثر الأصوات وضوحاً وثباتاً في واشنطن حيال التهديدات التي تواجه الشرق الأوسط ومنطقة الخليج. وبالنسبة لنا في المنطقة، يعتبر غيابه أكبر من رحيل سياسي أمريكي تقليدي؛ فهو بصريح العبارة انطفاء لصوت نادر أدرك بعمق وحذّر بشدة من الأخطار التي تفرضها الأنظمة القمعية، وفي مقدمتها النظام الإيراني، فضلاً عن الأيديولوجيات المتطرفة التي سعت طويلاً لزعزعة استقرار مجتمعاتنا وتهديد أمنها.
مثّل غراهام أشرس صقور واشنطن تجاه سوريا؛ فطالب باقتلاع الأسد، وانتقد تراجع أوباما عن “الخط الأحمر” لكونه شجع التمدد الروسي والإيراني. وقد دعم بقوة تسليح المعارضة وضرب قدرات النظام، انطلاقاً من قناعته بأن إسقاط الأسد يكسر المشروع التوسعي الإيراني، محذراً من أي انسحاب أمريكي يترك المنطقة فريسة للميليشيات.
ومع انطلاق “عاصفة الحزم” عام 2015، اتخذ غراهام من دعمه الصريح للتحرك السعودي المستقل منصةً لشن هجوم لاذع على إدارة أوباما؛ معتبراً المبادرة العسكرية للرياض نتيجةً حتمية لسياسات البيت الأبيض التي أفقدت الحلفاء ثقتهم بواشنطن. وشدد على أن هذا التدخل الحازم كان ضرورة استراتيجية فرضها الفراغ الكارثي لتراجع القيادة الأمريكية ومحاباتها المستفزة لإيران على حساب الأمن الخليجي. ورأى أن تخبط أوباما دفع الحلفاء لتولي زمام المبادرة، وهو ما لخصه باقتباسه الشهير عن أحد القادة الخليجيين آنذاك: “لقد أصبح من الأخطر للمرء أن يكون صديقاً لأمريكا من أن يكون عدواً لها”.
وكان وضوحه أشد عندما تعلق الأمر بالنظام الإيراني؛ فعلى مدى أكثر من عقدين، كان غراهام من أكثر المنتقدين صراحة لطموحات طهران النووية، ودعمها للوكلاء الإرهابيين، ومساعيها لفرض الهيمنة على المنطقة عبر الترهيب والتخريب. وعارض الاتفاق النووي لعام 2015، معتبرًا أنه سيمنح النظام الإيراني مزيدًا من القوة بدلًا من كبحه، ودافع باستمرار عن سياسة “الضغط الأقصى” من خلال العقوبات والعزلة. وفي السنوات الأخيرة، ومع تصاعد الهجمات المدعومة من إيران على الملاحة الخليجية، والبنية التحتية للطاقة، والدول المجاورة، جاءت دعوات غراهام إلى استخدام القوة والردع متوافقة إلى حد كبير مع الهواجس الأمنية للسعودية وسائر دول الخليج. وكان ينظر إلى النظام الإيراني كمصدر رئيسي لعدم الاستقرار في المنطقة، واصفًا إياه ب”السفينة الأم للإرهاب”.
في تقديري الشخصي، أرى أن إعلامنا العربي قد قصّر كثيراً في فهم شخصية غراهام. ولا أختلف مع القائلين بأنه من أشد الداعمين لإسرائيل، حاله في ذلك كحال الجناح المتشدد في مؤسسة حزبه التقليدية، لكنني أرى أن دعمه لم يكن يوماً أعمى أو بلا هدف. وقد استوقفني مؤخراً التحول اللافت في خطابه تجاه منطقتنا؛ ففي قمة الائتلاف اليهودي الجمهوري (نوفمبر 2025)، واجه حلفاءه بصراحة صادمة قائلاً: “أن تكون مؤيدًا لإسرائيل يعني قول الحقائق الصعبة. المسار الوحيد الذي يبقي إسرائيل يهودية وديمقراطية هو إطار الدولتين… لا بديل آخر”. ولم يتردد في تحذير المتشددين هناك بالقول: “إذا أردتم تهميش الدولة اليهودية، فامضوا في طريق الضم أو الاحتلال الدائم، وسيُلحق ذلك ضررًا بمستقبل إسرائيل يفوق أي قنبلة قد تبنيها إيران”. نعم، طالبهم بالقضاء على حماس والضغط على حزب الله وعزل إيران، لكنه اشترط “إبقاء الأعين على الأفق باتجاه حل الدولتين”.
وبالنسبة لنا، فإن هذا التحول يؤكد حقيقة بات يدركها المسؤولون الغربيون، وهي أن العمل العسكري وحده لن يجلب الأمن. وكما لخصها غراهام: “إزالة أهم وقود للتطرف تتطلب رؤية شاملة، ولا بد لهذه الرؤية أن تتوج بدولة فلسطينية لضمان سلام دائم.”
اتسم غراهام بالحزم ضد التنظيمات المتطرفة وأجندة الإسلام السياسي، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين، معتبراً إياها تهديداً جوهرياً لنماذج الحكم المعتدلة في الخليج. وقد ركزت جهوده على تدمير ملاذات الإرهاب وتجفيف تمويله، ودعم الحلفاء لصد التوسع الإيراني وحركات التطرف. وفي حين تردد كثيرون في الغرب، ظل غراهام ثابتاً على مبدئه قائلا: “التطرف يجب أن يُواجه، ولا يمكن أن يُستوعب أو يُساير”.
تكشف تحركات غراهام الأخيرة أن تحقيق السلام الإقليمي كان أبرز أولوياته قبل وفاته؛ إذ رأى في تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل حجر الأساس لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد إضعاف إيران. وبحسب رؤيته، أبدت الرياض استعداداً لاتفاق تاريخي بشرط وجود مسار زمني لا رجعة فيه لدولة فلسطينية، معتبراً أن قدرة الحكومة الإسرائيلية المقبلة على قبول ذلك هي العقبة الرئيسية. لذا، خطط غراهام بالتنسيق مع الرئيس ترامب لإطلاق جهد دبلوماسي مكثف يعقب الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية النصفية، بهدف إنجاز الاتفاق قبل يناير. وكان يعتزم زيارة السعودية وإسرائيل لإحياء المفاوضات، لدرجة أنه صرح في مكالمته الأخيرة: “لا يمكنني أن أموت الآن”، متشبثاً بحلمه في تحقيق اتفاقية سلام شاملة بين العرب وإسرائيل.
في نظري، ما ميّز غراهام حقاً هو إدراكه العميق بأن القوة الأمريكية، حين تتكامل مع حلفاء إقليميين مسؤولين، تمثل صمام الأمان للمنطقة وطرق الطاقة العالمية. وبفضل خبرته العسكرية الميدانية، كان يقرأ الواقع بعيداً عن تنظيرات واشنطن، موقناً أن التهديدات الإيرانية والتنظيمات المتطرفة لا تردعها النوايا الحسنة. ونحن في الشرق الأوسط، الذين دفعنا ثمن التجارب القاسية، نُقدر تماماً هذا النهج الذي عاش يدافع عنه. وفي ذروة حاجة المنطقة لهذا الوضوح الاستراتيجي في واشنطن، رحل غراهام الذي أعتبره شخصياً أحد أهم الأصوات التاريخية الداعمة لاستقرار منطقتنا وحمايتها من شبح الإرهاب والتطرف.
العربية نت
