شبكة المدار الإعلامية الأورويية …_
القراءة:
هذيان الديكتاتور
تحية لمبدعة النص التي استطاعت طرح المتداول المألوف بطريقة مختلفة، وبوعي جديد يتناول الجانب النفسي للشخصية الرئيسة و أسلوب التشويق الغامض المعاصر القائم على مذاق اللاذع المسكوت عنه، و بلغة سلسة متمكنة انسيابية، لتوصل الرسالة الوجودية الحتمية، مع وهم السلطة سيبقى ذهان الدكتاتور، يطرح النص أسئلة شيقة عن سيطرة فكرة الطاغية النمطية على الوعي الجمعي، هل (الطغيان) مرض نفسي يتفاقم بزوال السلطة.؟، أم أنه خيار لا يحتمل التراتبية الذي تختلف أعراضه باختلاف المواطنة وعمق الدمار العقلي والروحي الذي يتركه الطغاة في شعوبهم، حتى بعد النفي والإقصاء والموت، وما يتركه وهم استدامة السلطة وأبديتها في عقول الطغاة أنفسهم، من انفصامات لا واعية وشعور بالذنب والرغبة بالتحرر من بقايا الإنسانية للعودة للثبات النفسي الموهوم والبدايات الجديدة المزيفة.
انفصام أم تلبس أم وهم
من الجميل أن ينبثق عن النص توازن متشكك تطرحه الكاتبة ببراعة رواية السارد (الرجل الثاني) الذي يرتدي في السياق عباءة المناضل الجريء، السجين المعذب، الرافض لتعنت الدكتاتور وهيمنته،الذي سيحتفظ بجزء مظلم من الحقيقة لنفسه، تلك الحقيقة التي تجرمه بقدر الطاغية ذاته، لكنه سيخفيها في طيات تفسه لينجو من ورطته الأخلاقية وينتصر على نفسه بخلق رمز وهمي للمناضل الثوري الذي يتمرد على لباس الدكتاتور وليس أيديولوجيته ، على أفعاله وانفعالاته وليس مواقفه الوطنية وجرائم حروبه، ويظهر سياق المتن
كيف أن البطل هو خصم ذاته( Protagonist v antagonist) الرجل الثاني في السلطة هو خصم لرمز البطل السياسي الثائر.
وأن نسبية الحقيقة مرهونة بمصداقية مشكوك بأمرها، فهل( أزمة الرجل الثاني في السلطة) في تغريبة سجنه وعزله وإعدام وجوده هي
وهم مبتكر؟ خديعة أخرى ليستطيع أن يصل لمآربه الخاصة؟ مثل السفر والتقاء أفراد عائلته في المنفى،والتخلص من الخوف، وتلميع تلك الصورة المهترئة (لرجل الحاشية الفاسدة المدان) التي طالتها الحقيقة ولا شيء سواها؟
الإعلام ودوره في تشييع الحقيقة
تحشد الكاتبة رؤية مضمرة لدور الإعلام السلبي في تجييش هندسة وجدان الضمير الإنساني والتبعية السياسية الانتقائية،فالبروباغندا تخدم أجندات خاصة تحتكر الفكر المستقل الحر، وتروج لمفاهيم خاصة للنموذج الثوري المعلب في المهرجانات الخطابية وحفلات توقيع الكتب و صفحات الجرائد و وسائل التواصل الاجتماعي ، فدار النشر مستعدة لتقديم رؤية قاصرة عن الحقيقة، لدعم الرجل الثاني،، الذي سيمحو إرثًا ثقيلًا عن كاهله، بتقديم نسخة مبتكرة من (حقيقة ما حدث) ، لقلة داعمة موجهة و موثوقة وكما ورد في النَص:
سندعو قلةً نثق بهم، سيكون لهم دورٌ مهمٌّ في نشر الكتاب وترويجه، لا تنسَ الموعدَ. “
إن عملية صناعة الرأي، وتصدير الحقائق و تغيير المفاهيم واحتكار الأيديولوجيات تبدأ في سوق صناعة الكتاب الموجه ومن ثمة التسويق للفكرة و البدء بعملية التقديس والتأليه للشخصية السياسية التي تستحق موقعها خلف القضبان.
عناصر السرد القصصي
استخدمت الكاتبة لغة واضحة رشيقة،نقلت فيها تواتر الحالة النفسية التي يمر بها السارد، من خوف وتردد وهلاوس خرجت بشكل مونولوج متمكن، لم ينتقص من أسلوب الكتابة الشيق ولم يبطئ لهفة المتلقي في الوصول للنهاية المفتوحة المؤججة لصراع سيبدأ للتو في ذهن المتلقي.
الخاتمة الموحية
ربطت الكاتبة العنوان الجدلي بالنهاية الموحية. و بطريقة استباقية مميزة، لن يعلم أحد حقيقة ما حدث، في فوضى الرجل الثاني الباحث عن سلطةأخرى، الباحث عن هيمنة من نوع آخر، عن سطوة يستعلي فيها على جمهوره بحجة النضال و التضحية والثورة.
لكننا نعلم الآن كيف يُصنع الدكتاتور الجديد الهارب من مأزق الاتهام والمعيار الأخلاقي، وكيف يشعر فرد الحاشية السلطوية السابق المحاصر بمرارة ذنوبه وماضيه القمعي، ونسخته الخاصة جدًا من الحقيقة، ومعاناته في رحلته للنجاة من أيد ملطخة بالخطايا، وما الوردة السوداء والبزة البيضاء إلا انفصال واقع السارد المدان بماضيه،
عن وعيه الحالي، فهو في أعماق وعيه الباطن، باحث عن صورة الدكتاتور الذي يخشاه،هارب من نسخة أخرى منه لن يستطيع النجاة منها
النقد رؤية محلقة
Kinana Eissa
**(( نقلا عن صفحة الكاتبة اسماء القرقني))
