شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_بينما يتراجع حضور جائحة كوفيد-19 في الذاكرة الجماعية للبلجيكيين، لا تزال آثارها تُسجَّل بوضوح في الصحة الفردية لمئات الآلاف، حيث كشف معهد “سيانسانو” في أول دراسة وطنية شاملة منذ بداية الجائحة، عن أن أكثر من 4% من السكان الذين تفوق أعمارهم 15 سنة، يعلنون عن معاناتهم المستمرة من كوفيد طويل الأمد، وهو مصطلح أصبح يفرض نفسه تدريجيًا في النقاش الصحي والسياسي.
وبحسب نتائج هذا المسح، فإن كوفيد طويل الأمد لا يتعلق بإصابات نشطة بالفيروس، بل بمضاعفات وأعراض مستمرة تستمر ثلاثة أشهر على الأقل بعد التعافي من العدوى الأصلية، دون وجود تفسير طبي بديل.
وتشمل هذه الأعراض الإرهاق المزمن، صعوبات التنفس، مشاكل الذاكرة والتركيز، واضطرابات النوم، وغيرها من الحالات التي تعيق الأداء اليومي للمصابين بها.
ما يثير القلق أكثر هو أن أقل من 37٪ فقط من هؤلاء المرضى قد تلقوا تشخيصًا رسميًا من قبل مختصين في الرعاية الصحية.
هذه النسبة المنخفضة تفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة حول مدى وعي الأطباء بطبيعة المتلازمة، وحجم الاعتراف المؤسسي بها، خاصة وأن الكثير من المرضى يشعرون بأن أعراضهم غير مفهومة أو يتم التقليل من شأنها.
البيانات تُظهر تفاوتًا واضحًا في انتشار المتلازمة حسب الجنس والفئات العمرية، إذ تعلن 5٪ من النساء عن معاناتهن من الأعراض مقابل 3.5٪ فقط من الرجال، ما يعكس واقعًا صحيًا لطالما كانت النساء فيه أكثر عرضة لتبعات الأمراض المزمنة غير المفهومة طبيًا.
أما من حيث السن، فيُسجل أعلى معدل إصابة لدى الفئة العمرية بين 45 و54 سنة بنسبة 7٪، بينما يتراجع المعدل بشكل ملحوظ لدى الفئات الأصغر سنًا (2.2٪ عند 15-24 سنة) وكبار السن فوق 75 سنة (2.3٪).
ورغم اختلاف التركيبة الديمغرافية للبلاد، لم تُسجّل الدراسة فروقات إقليمية حادة بين مختلف المناطق البلجيكية، ما يُشير إلى أن كوفيد طويل الأمد هو ظاهرة وطنية بامتياز، لا تميز بين شمال وجنوب البلاد، ولا بين الحواضر الكبرى والمناطق الريفية.
من بين من يعانون من المتلازمة، أشار ربعهم تقريبًا (24.1٪) إلى أن أعراضهم تؤثر بشكل كبير على أنشطتهم اليومية، بينما أكد حوالي 40٪ أنها تؤثر عليهم بدرجة طفيفة.
في المقابل، صرح 36.2٪ من المصابين أنهم لا يشعرون بتأثير مباشر على حياتهم اليومية، مما يعكس طيفًا واسعًا من درجات المعاناة والتأقلم مع هذا الواقع الصحي الجديد.
ورغم أن الجائحة قد انحسرت إلى حد كبير، إلا أن الدراسة سلطت الضوء على آثارها المستمرة على الصحة الذاتية لسكان بلجيكا، فقد قدّر 22٪ من المواطنين أنفسهم بأنهم “غير في صحة جيدة”، وهي نسبة بقيت مستقرة طيلة العقدين الماضيين، لكنها لا تزال تشكل مؤشرًا مقلقًا مقارنة بمعدلات أفضل في مناطق أخرى من أوروبا الغربية.
تجدر الإشارة إلى أن هذا المسح الوطني الشامل شمل عينة تمثيلية من 7.001 شخص خلال عامي 2023 و2024، ليشكل بذلك مرجعًا علميًا مهمًا لفهم التحولات الصحية والاجتماعية التي خلّفتها الجائحة، والآفاق التي ينبغي أن تتحرك فيها السياسات الصحية لمواجهة تحديات كوفيد طويل الأمد.
وكالات

