شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_في بلجيكا، يُواجه قضاة محاكم الأحداث أزمة تتفاقم بصمت منذ سنوات، تتمثل في النقص الحاد بملاجئ الطوارئ المخصصة للأطفال والمراهقين في أوضاع حرجة. هذه الأزمة لم تعد تقتصر على التحديات الإدارية، بل تحوّلت إلى تهديد مباشر لسلامة هؤلاء القُصّر، كما أظهرت حادثة مأساوية حديثة في بروكسل.
مأساة فتاة تبلغ من العمر 11 عامًا تكشف حجم الكارثة
في حادثة صادمة، اضطرت السلطات إلى إيواء فتاة تبلغ من العمر 11 عامًا داخل أحد المستشفيات في العاصمة بروكسل، لعدم توفر مكان لها ضمن نظام رعاية الأحداث.
الفتاة، التي كانت بحاجة إلى بيئة آمنة ومناسبة لرعايتها، تعرّضت لاحقًا لاعتداء جنسي، ليس داخل المستشفى نفسه، لكن في سياق وضع هش وصفه مكتب المدعي العام بـ”الإساءة المؤسسية”.
هذا المصطلح، بحسب ميشيل ستيل، قاضي محكمة الأحداث في أنتويرب، يُعد بمثابة “صرخة استغاثة” من النيابة العامة، في محاولة لتسليط الضوء على عمق الأزمة الإنسانية التي يعيشها النظام القضائي والاجتماعي في بلجيكا.
قضاة يُواجهون الأزمة أسبوعيًا دون حلول مستدامة
ستيل، الذي يواجه نقصًا في ملاجئ الطوارئ بشكل شبه أسبوعي، يقول إن أول ما يبحث عنه القضاة في حالات الأزمات هو الحد الأدنى من مقومات الكرامة: “السرير، الحمام، والخبز… فقط مكان يشعر فيه الطفل بالأمان”.
لكن حتى هذا الحد الأدنى لم يعد مضمونًا في الكثير من الحالات. “لا وجود لرعاية دون أمان”، يضيف ستيل، مشيرًا إلى أن الأمان لم يعد متوفراً كما يجب.
قاضية الأحداث في بروكسل، تاين سويكربويك، تؤكد أن المشكلة باتت مزمنة، مشيرة إلى النقص الكبير في الطواقم التعليمية والتوجيهية داخل مرافق رعاية الشباب، ومؤسسات ذوي الاحتياجات الخاصة (VAPH). “وجود أسرّة فقط لا يكفي… نحتاج إلى فريق دعم قادر على رعاية الأطفال نفسيًا وسلوكيًا”.
المستشفيات كملاذ أخير: حل مؤقت يُفاقم المعاناة
عندما لا يتوفر أي بديل، يُضطر القضاة لإيداع القاصرين في المستشفيات، وهي خطوة يصفها ستيل بـ”الملاذ الأخير”. وعلى الرغم من استعداد بعض المستشفيات لبذل جهود إضافية، إلا أن هذا لا يعالج المشكلة الأساسية: “ما الرسالة التي نوصلها لطفل في الخامسة عشرة يُعاني من اضطرابات سلوكية؟ هل السرير والطعام فقط يكفيانه؟”، يتساءل القاضي بأسى.
مؤسسات تتجنب استقبال الحالات المعقدة
بعض المؤسسات تختار عمداً عدم استقبال حالات الطوارئ، خاصةً تلك التي تتطلب رعاية خاصة أو تدخلات سريعة، خوفًا من تعقيد الوضع الداخلي أو التأثير على باقي النزلاء. ويتم تقييم كل حالة على حدة، وفقاً لقدرتهم على الاستيعاب. وفي الوقت ذاته، تزداد شدة المشاكل التي يعاني منها الشباب، ما يجعل التعامل معها أكثر تعقيداً من ذي قبل.
الأسباب النفسية والاجتماعية: ضغوط متزايدة وصدمات مستمرة
يرى القاضي ستيل أن عوامل مثل ضغوط المدرسة، التأثير السلبي لمواقع التواصل الاجتماعي، قلة الوقت الذي يقضيه الأهل مع أطفالهم، والقلق المتزايد بشأن الحروب والأزمات العالمية، كلها تلعب دورًا في تدهور الحالة النفسية للشباب. “الطفولة اليوم ليست كما كانت قبل 40 عامًا”، يقول ستيل، مؤكداً أن توقعات المجتمع أصبحت عبئًا ثقيلاً على جيل لم يجد بعد من يحتويه.
قضايا مزمنة وواقع مؤلم
من جهتها، توضح القاضية سويكربويك أن هذا النقص في رعاية الأحداث ليس جديدًا. “عانيت من هذه المشكلة منذ بداية عملي كقاضية، وربما كانت قائمة حتى قبل ذلك”، ما يعكس فشلًا ممنهجًا في تطوير بنية الرعاية الاجتماعية الملحّة للأطفال والمراهقين في وضعيات حرجة.
دعوات للإنقاذ قبل فوات الأوان
تعليقًا على الاعتداء الذي طال الطفلة ذات الـ11 عامًا، يُعبّر القاضي ستيل عن حزنه وغضبه قائلاً: “في النهاية، الجميع كان يحاول مساعدتها… لكن النتيجة كانت مأساوية”. هذه الحادثة ليست مجرد مؤشر على الخلل في النظام، بل جرس إنذار صاخب يُطالب الدولة والمجتمع المدني بالتحرّك فوراً.
- يمكن الاتصال بخدمة Tele-Onthaal على الرقم 106 أو عبر موقعهم الإلكتروني: www.tele-onthaal.be
- الشباب يمكنهم التواصل مع منظمة Awel عبر الرقم 102 أو المحادثة الفورية على awel.be
وكالات
