الأثنين. فبراير 16th, 2026
0 0
Read Time:4 Minute, 28 Second

رياض عبدالواحد 

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_في فضاء القصيدة النسوية العربية، تبرز تجربة منى عثمان بوصفها تشكيلًا جماليًا يقوم على خلخلة البُنى التقليدية للقول الشعري، وتفكيك المركزية الذكورية للغة. تمثّل قصيدة “على مقام الآه” ذروة هذا التمرد، إذ تتقاطع الذات الأنثوية مع بنية لغوية منكسرة، وتتحول “الآه” من تنهيدة ألم إلى أداة مقاومة وشهادة وجود.

تسعى هذه القراءة إلى مقاربة القصيدة من زاويتين متكاملتين: الأولى بنيوية، تعتمد تحليل الوظائف والمستويات العميقة للغة وفق مفاهيم غريماس وبارت، والثانية سيميائية، تتقصى العلامة وتموضعات الجسد والهوية داخل النص الشعري عبر مفاهيم كريستيفا ودريدا.

العتبة العنوانية: دلالات سيميائية أولى
يشكّل النصيص “على مقام الآه” عتبة قرائية تنفتح على شبكة من الإيحاءات الصوتية والدلالية. فـ”المقام” يحمل حمولة موسيقية وصوفية معًا، تشير إلى نسق نغمي داخلي، بينما “الآه” تنهيدة تخرج من عمق الذات، تعبّر عن الألم وتشفّ عن كيان هشّ يتموضع داخل اللغة. هذا التوتر بين “المقام” (النغمة) و”الآه” (الأنين) يخلق فضاءً تعبيريًا يتجاوز المباشرة إلى ما هو إشارتي وجسدي.
سيميائيًا، تتكثف العلامة “الآه” بوصفها أثرًا جسديًا قبل أن تكون دالًا لغويًا. هي صرخة تتجاوز القواعد، تنتمي إلى ما قبل التنظيم النحوي، وهو ما يجعلها مساحة خصبة لتمثيل الأنوثة المنفية في اللغة الذكورية.
بنية الصوت الأنثوي وتكسر الإيقاع:
تتعمّد القصيدة زعزعة الإيقاع الداخلي وخلخلة التراكيب، إذ تتحول الجمل الشعرية إلى كُتل ناقصة تنكفئ على نفسها، وكأنها تعكس واقعًا نفسيًا ممزقًا. وفق جوليا كريستيفا، فإن الكتابة الأنثوية لا تستقيم ضمن النظام الرمزي الذكوري، بل تتكشّف عبر “الشقوق” في اللغة، بواسطة الانقطاع، التكرار، والتوتر النغمي غير المتوازن.
توظف القصيدة الحروف الهوائية والمقاطع القصيرة التي تُنتج إيقاعًا يشبه زفيرًا داخليًا مضطربًا، يتماهى مع الحزن، الكتمان، والمقاومة الصامتة. يتجلى ما يسميه بارت بـ”الكتابة البيضاء”؛ كتابة لا تملأ البياض بل تسكنه، وتحوّله إلى صوت داخلي غير مرئي
البنية العميقة والتحليل البنيوي:
تنهض القصيدة على بنية لغوية منكسرة تقوم على مفارقات دلالية وصوتية. يُلاحظ تناوب ثنائيات ضدية مثل (الحضور/الغياب، الصوت/الصمت، الانبعاث/الانطفاء)، لكن من دون استقرار هذه الثنائيات في أقطاب واضحة، بل يحدث بينهما ما يشبه التداخل البنيوي، فيُقوّض أحدهما الآخر باستمرار.
تكرارات مثل “لا أحد”، “كان وكان”، “الآه” تُشيّد خطابًا دائريًا يعجز عن الإغلاق أو الاكتمال، مما يشير إلى فشل الوظيفة الإنشائية للغة في إنتاج خطاب متماسك. هذا ما يتوافق مع بنية “النقص” التي تتحرك من لحظة فقد أولى (ذات ممحوّة، صوت مغيّب) نحو مسار غير مُكتمل، إذ اللغة لا تُنتج الخلاص بل تعيد تأكيد العطب.
وبدلًا من إتمام دورة سردية كما في النموذج الغريماسي الكلاسيكي، نجد أن القصيدة تبدأ من مأزق ولا تخرج منه، بل تعيده مرارًا عبر بُنى صوتية ودلالية منهارة، مما يجعل النصّ بنية دائرية، تتغذى من هشاشتها ولا تُفضي إلى تحول درامي.
تُقوّض الكلمات معانيها عبر السياق: فـ”المقام” لا يرتقي، و”الآه” لا تُريح، و”الصوت” لا يُسمَع. كل دالّ يحضر بوصفه أثراً منفيًا لدلالة غائبة. وهذا أحد وجوه ما سماه دريدا بـ”الاختلاف المؤجل”، إذ لا تستقر الدلالة بل تُؤجّل دائمًا داخل بنية زئبقية
التفكيك ومحو النسق الأبوي:
القصيدة لا تكتب المعنى، بل تكتبه وهي تُلغيه. تُفرّغ اللغة من سلطتها وتحوّلها إلى فضاء تائه، تتكسّر فيه التراكيب وتتعدد احتمالات التأويل. ما يُقرأ بوصفه عطبًا نحويًا أو تفككًا بلاغيًا، هو في الحقيقة استراتيجية بنيوية – نسوية، تقوّض الصيغة الأبوية للشعر العربي.
ترفض الشاعرة “الإبلاغ”، وتؤسّس عوضًا عنه نمطًا من “الكتابة الجرحية”، حيث كل كلمة هي أثر ألم، وكل صورة هي ارتجاج داخلي. لا تتشكل القصيدة من صور مكتملة بل من شظايا، مما ينسجم مع رؤية رولان بارت للنص المفتوح، الذي لا يسلّم دلالته للمتلقي ، بل يتركها مفتوحة على تعددية صاخبة.
سيميائية الجسد الأنثوي والفضاء الداخلي:
لا يظهر الجسد الأنثوي كموضوع صريح في القصيدة، لكنه يتجلى في كل مفصل منها بوصفه طاقة كامنة تتسرّب من البنية. تتجسّد العلامات الجسدية عبر آليات الحذف، الشهيق، والانهيار، فيصبح الجسد علامة سيميائية مضمَرة، تُقاوم النسيان عبر الكتابة. الجسد هنا ليس مرئيًا بل مكتوبًا، والآه هي لغته.
كما يُعاد تشكيل المكان بوصفه مرآةً داخلية: النافذة المغلقة، الظل، الحيز الخانق، كلها تشير إلى مكان نفسي أكثر من كونه حيزًا مادّيًا. القصيدة لا تستند إلى مرجع خارجي بل تتكوّن من الداخل، من الذاكرة والجسد، أي أنها تستعيد – وفق كريستيفا – وظيفة الرحم كفضاء تعبيري
الخاتمة
ليست “على مقام الآه” قصيدة بكائية بالمعنى التقليدي، بل هي ممارسة جمالية متطرفة في مقاومة الصمت والمحو. تنبني على بنية شعرية منكسرة تفكك النسق اللغوي، وتستحضر الصوت الأنثوي بوصفه أداة اشتباك لا استسلام. الآه ليست خضوعًا، بل مقام من المقاومة.
بهذا المعنى، لا يمكن فصل جمالية القصيدة عن تفككها، ولا صوتها عن انكسارها. إنها لحظة اشتباك بين الجسد واللغة، بين الذات والظل، بين الكتابة والفراغ. وقد استطاعت منى عثمان أن تصوغ عبر هذه القصيدة نصًا بنيويًا سيميائيًا بالغ الثراء، يُعيد موضعة الأنوثة داخل خطاب شعري يشتبك مع اللغة بوصفها ميدانًا للصراع الوجودي والجمالي.

النص الاصلي
على مقام الآه


وتلتفت
عبر سنوات خلت
ماذا تقرأ في دفترك
ذاك الحنين ينسكب
وظل حلم منشطب
وجراب عمر…
… بالأنين يزدحم !!

لامرأة تتعاطى الصمت كمهدىء
والصبر أحد المسكنات
والقلب خاو إلا من التيه و الوجع
والروح ظمأى
ولا ري لذا العطش
متى تنسلين من قيدك الناري
وإلامَ التخبط والجُدر شوك
متى يلملم المنى طرفه
وينسحب
فهل لفراشة الحلم
أن يملكها أبا لهب !!

هذي الليلة
لا تسل عن ندمي
لا تبحث خلف عذاباتي
فأنا مسروقة من روحي
ومداري مغلق في وجهي !!

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code