الجمعة. فبراير 20th, 2026
0 0
Read Time:9 Minute, 0 Second

نوار الصمد

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_في 23 مايو 2025، جرى أول اتصال رسمي بين المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الصيني شي جين بينج. ولقد دعا ميرتس خلاله بكين إلى دعم وقف إطلاق النار في أوكرانيا، وتحدّث عن الحاجة إلى بيئة اقتصادية قائمة على التوازن والشفافية بين البلدين. وأظهر هذا الاتصال نقطة التحوّل في تعامل برلين مع بكين، والتي بدأت بوادرها الأولى بالظهور مع تولّي ميرتس منصبه في أبريل 2025، والتي تقوم على الموازنة بين الحذر الاستراتيجي والانفتاح المشروط تجاه الصين. فعلى عكس سلفه أولاف شولتز، الذي حافظ على سياسة مرنة تجاه الصين وعارض اتخاذ مواقف أوروبية أكثر صرامة ضدها كفرض رسوم جمركية على صادرات السيارات الصينية، أعرب ميرتس منذ البداية عن اعتبار بكين خصماً منهجياً، دون أن يُلغي ذلك اعترافه بأهميتها الاقتصادية بالنسبة لألمانيا ولأوروبا.

مقاربة ميرتس

يرى ميرتس أن علاقة ألمانيا بالصين لم تعد قائمة فقط على المصالح الاقتصادية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بتحديات متعددة:

1- اعتبار الصين خصماً منهجياً وليس مجرد شريك اقتصادي: منذ توليه منصب المستشار، عبّر فريدريش ميرتس عن موقف واضح ومتصلب تجاه الصين، معتبراً إياها خصماً منهجياً وليس فقط منافساً اقتصادياً. فقد أشار في خطابه الأول أمام البوندستادج في 14 مايو 2025 إلى أن عناصر التنافس النظامي باتت تطغى على علاقة ألمانيا بالصين، محذراً من أن التقارب بين بكين وموسكو يمثل تهديداً مباشراً للنظام الدولي الذي تتمسك به ألمانيا والاتحاد الأوروبي. واعتبر ميرتس أن الصين “أصبحت أكثر عدوانية خارجياً وأكثر قمعاً داخلياً”، ما يجعلها مصدر تهديد متزايد للأمن الأوروبي. بل إنه شكّك في نوايا الصين تجاه إنهاء الحرب في أوكرانيا، متهماً إياها بدعم غير مباشر للهجوم الروسي. هذه النظرة تُعبّر عن قطيعة واضحة مع المقاربة السابقة التي كانت تفصل بين الاقتصاد والسياسة، وتُرسّخ رؤية ترى في الصين طرفاً يتحدى النظام القائم ولا يلتزم إلا بما يخدم مشروعه الجيوسياسي.

2- الاعتماد على سياسة الموازنة الدقيقة في التعامل مع بكين: تميزت علاقات برلين ببكين في عهد المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل بنوع من التوافق والعلاقات الهادئة؛ حيث كانت المصلحة الاقتصادية هي المحرك الأول، وتم غض الطرف عن المخاوف السياسية أو القيمية. لكن ميرتس أتى بمقاربة جديدة تُعيد التوازن إلى هذه العلاقة، معلناً أن المرحلة المقبلة لن تقوم على التغاضي عن الانتهاكات الصينية أو التبعية التجارية الأحادية. ورغم تأكيده على أن الصين ستظل شريكاً اقتصادياً مهماً، فقد شدد على أن التعاون سيكون مشروطاً بالاحترام المتبادل للقواعد والشفافية.

وهذا التحول لا يقتصر فقط على مستوى الخطاب السياسي، بل يُترجم في السياسات المعلنة للتحالف الحاكم الذي تبنّى صراحة مفهوم “خفض المخاطر” في العلاقات مع بكين. ويرى ميرتس أن الصين لم تعد مجرّد سوق واعدة، بل لاعب دولي ينافس على النفوذ ويشكّل تحدياً هيكلياً. لذلك بات ضرورياً إعادة تحديد شكل العلاقة معها ضمن استراتيجية شاملة تنظر إلى المصالح والأمن القومي على حد سواء.

3- تحذير الشركات الألمانية من الاستثمار الموسع في الصين: يحذر ميرتس بوضوح من الاستمرار في الاستثمار داخل الصين دون تقييم دقيق للمخاطر. فقد أكد في أكثر من مناسبة أن من يقرر المجازفة في سوق غير شفافة كالصين، لا يجب أن ينتظر أي إنقاذ من الدولة الألمانية إذا ما تعرّض لأزمة هناك. هذه الرسالة موجهة خصوصاً إلى الشركات الألمانية الكبرى التي كانت في الماضي من أبرز المدافعين عن تعميق العلاقات الاقتصادية مع الصين.

ويرى ميرتس أن الاعتماد الأعمى على شريك اقتصادي يتحكم فيه الحزب الشيوعي الصيني يحمل مخاطر استراتيجية، وأنه من الخطأ تكرار السيناريو الروسي الذي أدى إلى التبعية في مجال الغاز. ولذا فهو يدعو إلى إطار قانوني وتنظيمي جديد يحدد سقف التداخل الاقتصادي مع “الدول ذات التوجهات الاستبدادية” (حسب نظرته)، ويدفع الشركات نحو التنويع الجغرافي لاستثماراتها. في هذه المقاربة، تتحول المسؤولية من الدولة إلى القطاع الخاص، الذي يجب أن يعي أبعاد قراراته الاستثمارية بعيداً عن منطق الربح السريع.

4- التأكيد على سياسة “خفض المخاطر” بدلاً من القطيعة: يرفض ميرتس الدعوات الألمانية التي تنادي بفك الارتباط التام مع الصين Decoupling، وبدلاً من ذلك يتبنى استراتيجية “خفض المخاطر”De-risking التي تعني تقليص التبعية الاقتصادية من دون إنهاء العلاقات القائمة. وفي هذا السياق، يشدد على ضرورة تنويع الشركاء التجاريين، وتوجيه الاستثمارات نحو اقتصادات آسيوية صاعدة كالهند واليابان وإندونيسيا. وقد تضمّن برنامج التحالف الحاكم الجديد في ألمانيا 11 سطراً من أصل 146 صفحة فقط للحديث عن الموضوع الصيني وحمل أفكاراࣧ كإنشاء لجنة برلمانية لتقييم المخاطر والتبعيات المرتبطة بالعلاقات مع الصين سنوياً. هذه الاستراتيجية تهدف إلى تقليل نقاط الضعف في سلاسل التوريد، وتعزيز مرونة الاقتصاد الألماني في وجه الابتزاز السياسي أو الاقتصادي. وبالنسبة لميرتس، فإن تقليص المخاطر لا يعني تراجعاً عن العولمة، بل يعني إعادة ضبط شروطها بما يخدم المصلحة الوطنية والأمن الأوروبي.

 5- ربط الصين بالنظام الدولي القائم عبر ضغوط سياسية ودبلوماسية: يسعى ميرتس إلى إقناع الصين بأن تلعب دوراً أكثر إيجابية في حل النزاعات الدولية، خاصة في الحرب الروسية الأوكرانية. ففي أول اتصال له مع شي جين بينج، في 23 مايو 2025، دعا بكين إلى دعم جهود التهدئة الأوروبية في أوكرانيا. وكان في مرحلة سابقة قد شدد على أن أمن ألمانيا مهدد طالما ظلت الصين توفر مظلة سياسية أو اقتصادية لموسكو. وفي المقابل، أبدى انفتاحاً على تطوير العلاقات الاقتصادية مع الصين شرط أن يتم ذلك في بيئة من المنافسة العادلة والاحترام المتبادل.

هذه المقاربة تعكس رغبة في تحويل الصين من خصم إلى شريك مسؤول، من خلال أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي وليس القطيعة أو العداء. كما تعكس إدراكاً لدى ميرتس بأن النظام الدولي القائم لن يبقى مستقراً إذا لم تُلزم القوى الكبرى، مثل الصين، بقواعده. من هنا، يشكل خطابه نوعاً من احتواء نشط يدمج بين الردع والتعاون الانتقائي الذي يخدم مصلحة ألمانيا، ولا يؤمن بالسياسة الألمانية السابقة التي تحمل عنوان “التغيير من خلال التجارة” Wandel durch Handel التي أتبعتها ميركل وشولتس قبله مع الصين.

6- الاعتراف الواقعي بمبدأ الصين الواحدة: رغم تشدد ميرتس في العديد من الملفات المتعلقة بالصين، حرصت حكومته على تأكيد التزامها بمبدأ “الصين الواحدة”، مشددة في برنامجها على أن أي تغيير في وضع تايوان يجب أن يتم بالطرق السلمية وبتوافق متبادل. هذا الموقف لا يعكس فقط حسابات ديبلوماسية، بل أيضاࣧ اعتبارات اقتصادية واضحة.

عوامل مؤثرة

يمكن لعدة عوامل متشابكة أن تؤثر على نظرة ميرتس إلى الصين، تتوزع بين المتغيرات الدولية والضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية:

1- صعود محور القوى التعديلية الراغبة في تغيير النظام الدولي: تشكل التحولات الجذرية في بنية النظام الدولي أحد أهم العوامل التي تؤثر في طريقة فهم ميرتس للصين. في خطاباته، شدد على أن العالم دخل مرحلة صراع منهجي بين الديمقراطيات الليبرالية والأنظمة السلطوية، أو التي يمكن وصفها بالقوى التعديلية، في إشارة واضحة إلى روسيا والصين. ويرى أن بكين لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل باتت رأس حربة في محور أنظمة يضم أيضاࣧ روسيا وإيران وكوريا الشمالية، تسعى لتقويض النظام الدولي الحالي القائم على القواعد الحاضرة. وهذا الصراع يتجاوز الحدود العسكرية إلى ميادين التكنولوجيا والتجارة والقيم السياسية. من هذا المنظور، لا يمكن لألمانيا أن تنخرط في علاقات اقتصادية عميقة مع طرف يعمل في الوقت نفسه على إضعاف الديمقراطيات الأوروبية. هذا التوتر البنيوي بين نموذجين للنظام العالمي يجعل من الصعب على ميرتس أن يتعامل مع الصين كمجرد شريك تقليدي.

2- تقلبات العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة: يُدرك ميرتس أن العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة تمر بمرحلة توتر بسبب السياسات الحمائية التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي طالت ألمانيا والصين على حد سواء. ففرض الرسوم الجمركية على الصادرات الأوروبية والصينية دفع برلين إلى إعادة تقييم تموضعها الجيو-اقتصادي كما أفضت الى توجيه رسالة الى ميرتس من قبل 30 مديراً تنفيذياً ألمانياً تطالبه بترسيخ التقارب الاقتصادي مع الصين. في هذا السياق، يشعر ميرتس بضرورة الموازنة بين الحفاظ على الشراكة الأطلسية التاريخية من جهة، وعدم الانجرار وراء سياسات أمريكية متهورة من جهة أخرى. إلا أن الضغوط الأمريكية لقطع العلاقات مع الصين أو الحد منها، قد تضعه أمام خيارات صعبة، خاصة وأن المصالح التجارية الألمانية في الصين ما زالت كبيرة. وبالتالي، فإن أي تصعيد إضافي في العلاقات الأمريكية الصينية، قد يضطر برلين إلى إيجاد استراتيجية مستقلة لحماية مصالحها، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على مقاربة ميرتس تجاه بكين.

3- الضغوط الداخلية من المؤسسات الاقتصادية الألمانية: رغم تشدد ميرتس السياسي تجاه الصين، إلا أن دوائر الأعمال في ألمانيا تمارس ضغوطاً قوية للحفاظ على العلاقات مع الصين. إذ لا تزال شركات كبرى مثل فولكسفاجن وBASF ترى في السوق الصينية أحد أهم مصادر الأرباح والنمو، رغم تزايد المخاطر. وبينما يحذّر ميرتس من التبعية الاقتصادية، تستمر الاستثمارات الألمانية المباشرة في الصين بالارتفاع، ما يعكس التباين بين الرؤية السياسية والحسابات الاقتصادية. وهذا التباين يضع ميرتس أمام معضلة مستمرة: كيف يحمي الأمن القومي ويقلّص الاعتماد على الصين، دون الإضرار بالقطاع الصناعي الألماني الحيوي؟ وفي ضوء ذلك، فإن موقفه قد يتعرض للتعديل أو التليين تحت ضغط غرف الصناعة والتجارة في ألمانيا، خصوصاً مع تراجع النمو في أوروبا وارتفاع الحاجة إلى الأسواق الخارجية.

4- معضلة التوافق الجماعي داخل الاتحاد الأوروبي بشأن الصين: يسعى ميرتس إلى بلورة موقف أوروبي موحد تجاه الصين، ويُدرك أن ألمانيا لا يمكنها خوض سياسة مستقلة بالكامل عن توجهات بروكسل. لكن التباين في المصالح بين دول الاتحاد يجعل هذا الهدف صعباً. فبينما تدعو فرنسا وإيطاليا إلى سياسة حوار مرن مع بكين، تتبنى ليتوانيا وتشيكيا وبولندا موقفاً أكثر تشدداً في قضايا مثل حقوق الإنسان وتايوان. وفي هذا السياق، أشار بعض الخبراء إلى أن ألمانيا تملك مفتاح تشكيل موقف أوروبي أكثر تماسكاً وفعالية تجاه الصين، ما يعكس رغبتها في لعب دور قيادي ضمن الاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك، فإن أي سياسة ألمانية تجاه الصين يجب أن تأخذ في الاعتبار مواقف الدول الأخرى، ومصالح الاتحاد ككتلة تجارية موحدة. هذا التداخل بين القرار الوطني والإطار الأوروبي يُبقي سياسة ميرتس تجاه الصين خاضعة لاعتبارات تعاونية أوسع، تحد من استقلاليته الكاملة وتفرض مقاربات توافقية قد تكون أقل حدة.

5- المعادلة الداخلية بين الأمن القومي والنمو الاقتصادي: يحاول ميرتس الموازنة بين هدفين رئيسيين: حماية أمن ألمانيا وتقليل التبعيات، وفي الوقت نفسه تحفيز النمو الاقتصادي الذي يعاني من التباطؤ. وقد شدد على أن استقرار السوق المحلية يتطلب خفض المخاطر الناتجة عن الاعتماد على شركاء غير متوافقين قيمياً مع برلين، لكنه لم يتبنَّ بعد إجراءات تقطع هذا الاعتماد بشكل مباشر. وفي المقابل، تعتمد خطته الاقتصادية على ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية والصناعة، وهو ما يصعب تحقيقه دون تعاون مع قوى اقتصادية كبرى كالصين. هذا التناقض البنيوي بين مقتضيات الأمن ومقتضيات النمو يدفع ميرتس إلى تبني خطاب مزدوج: هجومي في السياسة، براغماتي في الاقتصاد. ونتيجة لهذا الازدواجية، فإن أي أزمة اقتصادية داخلية أو ركود عالمي قد ترجّح كفة التعاون على حساب المبادئ، ما يجعل موقفه تجاه الصين قابلاً للتعديل بحسب الظرف الاقتصادي الداخلي.

6- الرغبة في الحفاظ على التبادل التجاري مع بكين: تمثل الاعتبارات الاقتصادية محدد مهم في سياسة المستشار الألماني ميرتس تجاه الصين؛ إذ تُظهر البيانات أن التبادل التجاري بين الصين وألمانيا بلغ في عام 2024 نحو 201.8 مليار دولار، منها 94.8 مليار دولار صادرات ألمانية إلى الصين و107 مليار دولار واردات صينية إلى ألمانيا. هذه الأرقام تُبرز مدى ترابط الاقتصادين، وتجعل من المستحيل تجاهل بكين في أي حسابات استراتيجية ألمانية. ولذلك، ستسعى حكومة ميرتس إلى سياسة واقعية توازن بين المبادئ والضرورات.

ختاماً، يتبنى فريدريش ميرتس مقاربة حذرة تجاه الصين، تقوم على موازنة دقيقة بين الحفاظ على العلاقات الاقتصادية وتقليص التبعية الاستراتيجية. فبدلاࣧ من القطيعة، يطرح سياسة “خفض المخاطر” كإطار مستمر للتعامل مع بكين. وبهذا، تميل سياسته إلى تحقيق توازن بين الضغط والتعاون المشروط.

انترريجورنال للتحليلات الاستراتيجية

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code