مركز المدار للدراسات والإعلام
مشروع مصادرة الأصول الروسية محل خلاف في بروكسل.. وموسكو تعتبرها بمثابة مبرر للحرب
إشراف ومراجعة
الدكتور هشام عوكل – أستاذ إدارة الأزمات والعلاقات الدولية
المفاوضات الجارية: طبيعتها وأبعادها الخفية
تشير المعطيات المتاحة من المصادر الدبلوماسية والأمنية إلى أن المفاوضات الحقيقية تُدار عبر قنوات أمنية وسرية بين واشنطن وموسكو، بينما أصبح دور كييف هامشياً إلى حد كبير. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً من الطرفين الرئيسيين أن القرارات المصيرية المتعلقة بمستقبل الصراع الأوكراني تتخذ في عواصم القوى الكبرى، وليس في ساحة القتال أو حتى في العاصمة الأوكرانية.
الهدف الأمريكي الاستراتيجي: يتركز على وقف حرب استنزاف مكلفة اقتصاديًا وسياسيًا، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الداخلية، والعمل على تثبيت خطوط تماس قد تتحول مع الوقت إلى حدود واقعية مؤقتة. واشنطن تدرك أن الاستمرار في الصراع بأشكاله الحالية يستهلك موارد كانت يمكن توجيهها لمواجهة التحدي الصيني في المحيط الهادئ.
الهدف الروسي المرحلي: يسعى لترسيخ المكاسب الميدانية التي حققها، خصوصًا في إقليم دونباس والمناطق الجنوبية الممتدة حتى خيرسون، وفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد تمنع انضمام أوكرانيا لحلف الناتو وتحد من قدراتها العسكرية الهجومية. موسكو تريد تحويل هذه المكاسب إلى أمر واقع معترف به دولياً، ولو بشكل غير مباشر.
الهدف الأوكراني الصعب: تحاول كييف تجنب الانهيار العسكري الكامل، مع الحفاظ على تدفق الدعم المالي والسلاح الغربي بأكبر قدر ممكن، والعمل على استعادة الزخم الدبلوماسي المفقود. لكنها تواجه معضلة وجودية: كيف تتفاوض من موقع الضعف الميداني دون أن تبدو أنها تقدم تنازلات استراتيجية تحت الضغط؟
المعوّقات الأساسية أمام أي تسوية سياسية
- رفض كييف القاطع للتنازلات الإقليمية: ترفض القيادة الأوكرانية، تحت ضغط الرأي العام الداخلي والمشاعر الوطنية، تقديم أي تنازلات تتعلق بالحدود أو الأراضي المحتلة خشية الانهيار الداخلي واتهامها بالخيانة الوطنية. هذا الموقف يجعل من الصعب إيجاد صيغة تفاوضية مقبولة لدى الطرف الروسي.
- إصرار روسيا على ضمانات أمنية مكتوبة وملزمة: تصر موسكو على ضمانات أمنية ملزمة قانونيًا تمنع انضمام أوكرانيا للناتو وتحد من نشر الأسلحة الهجومية الغربية قرب حدودها. تعتبر هذه الضمانات الخط الأحمر الذي لا يمكن للكرملين التراجع عنه بعد تجربة توسع الناتو شرقاً خلال العقدين الماضيين.
- انقسام أوروبي عميق وهيكلي: يتجلى بين محور التسوية (برلين-باريس) الذي يميل للحل السياسي والمفاوضات، ومحور التشدد (بولندا-دول البلطيق) الذي يرفض أي تفاوض مع موسكو قبل انسحابها الكامل من الأراضي الأوكرانية. هذا الانقسام يعيق إمكانية وجود موقف أوروبي موحد في أي مفاوضات.
- تراجع القدرات العسكرية الأوكرانية وتأثيره على توازن التفاوض: يؤثر النقص الحاد في الذخيرة والجنود والمعدات على توازن التفاوض ويدفع كييف لتبني مواقف أكثر تشددًا لفظياً لتعويض الضعف الميداني، مما يزيد من صعوبة الوصول لتسوية عملية.
- خشية واشنطن من تعزيز محور موسكو-بكين الاستراتيجي: تخشى الإدارة الأمريكية أن تمنح أي تنازلات كبيرة لموسكو مساحة أكبر لتعزيز تحالفها الاستراتيجي مع بكين، مما قد يغير موازين القوى العالمية لصالح تحالف معادٍ للمصالح الغربية.
العوامل الإيجابية التي قد تفتح باب التسوية
- الإرهاق الاقتصادي المتبادل والمتصاعد: يعاني جميع الأطراف من تكاليف الحرب الباهظة، مما يجعل وقف النار خياراً واقعياً ومغرياً للجميع. التقارير الاقتصادية تشير إلى أن تكلفة الحرب بالنسبة للغرب تجاوزت 200 مليار دولار، بينما خسرت روسيا ما يقرب من 300 مليار دولار من احتياطياتها المجمدة.
- ضغط أمريكي متصاعد وغير معلن على كييف: تبدو واشنطن أكثر إلحاحاً في دفع أوكرانيا لقبول هدنة مراقبة قد تؤدي لتجميد الصراع، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية وتصاعد المطالب الداخلية بإنهاء هذه الحرب.
- رغبة روسية في تثبيت المكاسب وتجنب المزيد من الخسائر: تفضل موسكو تثبيت مكاسبها الحالية قبل أي توسع مستقبلي لحلف الناتو في شمال أوروبا (فنلندا والسويد) وخشية من تحول الحرب لحرب استنزاف طويلة الأمد تستهلك مواردها.
- فعالية القنوات الأمنية الأمريكية-الروسية رغم التوتر: رغم حالة الحرب والعداء العلني، تبقى قنوات الاتصال الأمنية بين الجانبين فعالة في منع التصعيد غير المحسوب وإدارة الأزمات الخطيرة، مما يشير إلى إمكانية استمرار الحوار حتى في أسوأ الظروف.
- قلق أوروبي متزايد من الكلفة الاقتصادية والسياسية للاستنزاف: تزداد المخاوف الأوروبية من الآثار السياسية والاقتصادية الداخلية لحرب طويلة، خاصة مع تصاعد الأزمات الاقتصادية وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين الأوروبيين.
التحليل الاستراتيجي والقراءة الأمنية المتكاملة
تشير التحليلات الاستخباراتية والقراءات الجيوسياسية المتاحة إلى عدة استنتاجات رئيسية تحكم مسار الصراع ومآلاته المحتملة:
- المفاوضات الحقيقية والمؤثرة تتم بين واشنطن وموسكو؛ بينما كييف تحولت إلى لاعب تابع لا مقرّر في المعادلة التفاوضية الأساسية، رغم محاولاتها المستميتة للحفاظ على مساحة للمناورة والاختيار.
- تتمتع موسكو بموقع تفاوضي أقوى نتيجة التفوق الميداني المتزايد وتعدد مصادر الدعم الدولي (الصين، إيران، كوريا الشمالية) الذي يوفر لها غطاءً استراتيجياً ويخفف من حدة العقوبات الغربية.
- تبحث واشنطن عن مخرج إستراتيجي يحفظ توازن الردع الإقليمي والعالمي أمام التحدي الصيني المتصاعد، ولا يُظهرها كطرف خاسر في الصراع الأوكراني، مما يدفعها لتبني سيناريوهات “الخروج المشرف”.
- الاتحاد الأوروبي، رغم كونه الطرف الأكثر تضرراً اقتصادياً وجغرافياً من تبعات الحرب، يبقى فاقداً للتأثير الموحد والاستقلالية، ويغيب عن طاولة التفاوض الحقيقية بين القوتين العظميين.
- السيناريو الأقرب واقعياً: تجميد النزاع عبر هدنة طويلة الأمد، دون الوصول إلى تسوية سياسية نهائية للقضايا الجوهرية مثل الحدود والوضع الأمني لأوكرانيا، مع تأجيل هذه الملفات لمرحلة لاحقة.
- السلام الشامل والنهائي غير وارد في المدى المنظور؛ فالمطروح حالياً هو هدنة مؤقتة، ترسيم خط تماس، وضمانات أمنية محدودة، مع بقاء جذور الصراع قابلة للاشتعال في أي وقت.
الخلاصة الاستراتيجية: مشروع مصادرة الأصول الروسية، رغم كونه أداة ضغط مالية قوية من الناحية النظرية، يحمل مخاطر تصعيدية كبيرة قد تدفع موسكو لاعتباره “خطاً أحمراً” استراتيجياً يبرر ردود فعل عسكرية وسياسية غير متوقعة. في الوقت نفسه، تعكس المفاوضات السرية الأمريكية-الروسية إدراكاً متزايداً من الطرفين بأن نهاية الصراع الأوكراني ستكون عبر تسوية سياسية تراعي المصالح الحيوية للقوى الكبرى، أكثر مما تراعي مطالب كييف أو حتى شركاء أوروبيين متناقضي المصالح والرؤى.
الأزمة الفرنسية الداخلية حول الميزانية، والمشهد السياسي الأمريكي المتجه نحو انتخابات رئاسية حاسمة، والتعب الأوروبي العام من حرب لا تبدو لها نهاية واضحة، كلها عوامل تضغط باتجاه البحث عن حل تفاوضي قد لا يرضي أي طرف بشكل كامل، لكنه يقدم مخرجاً من عنق الزجاجة الذي وصل إليه الجميع.
مركز المدار للدراسات والإعلام
النشرة الأصليةالنشرة التحليلية المتخصصة التي تناولت مشروع مصادرة الأصول الروسية والخلاف داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل، مع تحليل رد الفعل الروسي الرسمي.
الاطلاع على النشرةدويتشه فيله (DW)
وسائل إعلام دوليةتحليلات معمقة حول الجدل القانوني والسياسي المحتدم حول الأصول الروسية المجمدة في الاتحاد الأوروبي، وتغطية الخلافات بين الدول الأعضاء.
زيارة الموقعمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي
مركز أبحاث استراتيجيدراسات معمقة حول المسارات التفاوضية المحتملة بين واشنطن وموسكو، وتحليل المواقف الأمريكية المتغيرة تجاه الصراع الأوكراني.
الاطلاع على الدراساتفاينانشال تايمز
مصادر مالية متخصصةتقارير وتحليلات عن الأزمة المالية الفرنسية وأثرها على التماسك الأوروبي وقدرة الاتحاد على الاستمرار في دعم أوكرانيا مادياً.
زيارة الموقعمؤسسة راند للبحوث
معهد أبحاث عسكرية استراتيجيتحليل استراتيجي وعسكري متقدم لمستقبل الصراع الأوكراني وتوازن القوى، وتقييم السيناريوهات المحتملة للتسوية السياسية.
الاطلاع على التحليلاتالمفوضية الأوروبية
مصادر رسميةالبيانات والمقترحات الرسمية بشأن استخدام الأصول الروسية المجمدة، ووثائق المشاريع المقدمة لتمويل الدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا.
الموقع الرسميمجلس العلاقات الخارجية الأوروبية
مركز أبحاث أوروبيتحليلات معمقة لمواقف الدول الأوروبية المختلفة من الأزمة الأوكرانية، وتقييم الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي.
زيارة الموقعمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام
مصدر إحصائي متخصصبيانات وإحصائيات دقيقة حول الإنفاق العسكري، وتدفقات الأسلحة، والخسائر البشرية والمادية في الصراع الأوكراني.
الاطلاع على البيانات