ملاك سعيد_قاصة من اليمن
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …._في حي عتيق تتناثر المنازل المتواضعة على مساحته الضيقة، عاشت عائلة صغيرة في منزل يطل على حديقة مهجورة توقفت عن انتظار الاهتمام من أحد. كانت نور، الفتاة ذات العشر سنوات، تستيقظ قبل الجميع. تجلس أمام نافذة غرفتها، تراقب الضوء وهو يتسلّل عبر الزجاج، تمدّ أصابعها المرتجفة نحوه، تتلمسه برجاء أن يبقى طويلاً في يدها التي لم تتعلم بعد الإمساك بالأشياء بشكل طبيعي.
وكعادتها تأتي أمها حياة وتجلس بجانبها، وتمرّر يدها على شعرها برفقٍ كما لو كانت ترتّب أمانيها في دولاب الأقدار. “اليوم سيكون جميلاً، يا نور”، لم تكن تقولها كأمنية يتعثّر لسان نور قبل أن يبلغ معناها، وإنما كحقيقة بيقين أمٍّ لا مكان لليأس في قلبها، حتى وإن شعرت بالإرهاق من رعاية طفلة تتطلب اهتماماً مستمراً.
أما الأب فكان يعود متأخراً دائماً، حاملاً معه تعب ساعات طويلة من العمل لتأمين العلاج والأدوية الخاصة بنور، حاملاً أيضاً ابتسامته الهادئة في وجه نور عند خروجه للعمل، كدواء آخر لا يصفه الأطباء.
في المدرسة، كانت نور جسداً مختلفاً وسط عالم سريع صاخب. بعض الأطفال يبتعدون، وبعضهم يضحك، وكأن الإعاقة ذنب. وحدها “مِس حنان” رأت في نور ما لم يره الآخرون: عينين ممتلئتين بالفهم، وروحاً تبحث عن نافذة أخرى للكلام.
قدّمت لها الأوراق الملوّنة، تركت القلم بين أصابعها، وانتظرت. لم تستعجلها. وعندما أشارت نور لأول مرة إلى لونٍ تحبّه، بدا الأمر وكأنه حوار كامل بلا كلمات.
في البيت، كان لعالم نور حدود صغيرة: أمّها، أبيها، وعصفورٌ اسمه “ضياء”، يقف على إصبعها الهشّ، بجناحين سليمين يستطيع بهما الطيران والرحيل لكنه لا يرغب في تركها فقط. أو هذا ما كانت نور واثقة منه، وتشعر، حين تغمض عينيها، أن جناحيه يحرّكان شيئاً في صدرها، كأنهما يقولان: أنتِ لستِ وحدكِ. أنتِ تستطيعين.
الأيام تمرّ ببطء يشبه خطواتها. كل إشارة انتصار، كل حركة هي خطوة نحو عالم لا ينتظر كثيراً من كان مثلها. تعلمت أن تكتب اسمها، أن تختار ألوانها، أن تبتكر لغتها الخاصة.
ذات يوم، اقتربت طفلة من خلف السياج. كانت تبتسم. “هل تريدين أن نلعب معاً؟” لم تجب نور، لكنها رفعت يدها. وكانت تلك الإشارة جسراً لعبور عالمٍ بدا يفتح أبوابه لها شيئاً فشيئاً. بدأت الطفلة، واسمها براءة، تزورها يومياً ومعها المجسمات الصغيرة، الحكايات المسلية، الابتسامات الودودة، وشيء من فضاء متّسع قليلاً، يشعر بنور كما هي، بكل هشاشتها وقوتها معاً.
ومع الوقت، بدأ الحي يرى نور بطريقة مختلفة. أخذ الناس يلاحظون نضالها، لطفها، وقدرتها على الحب الصادق. الأطفال الآخرون بدأوا يقتربون منها، ويشاركونها ألعاباً بسيطة، يضحكون معها لا عليها.
واستمرت نور في اكتشاف العالم بطريقتها الخاصة. تتأمل الضوء وهو يتسرب عبر النافذة كل صباح، تضحك مع براءة وأصدقائها الجدد، وتشارك “مِس حنان” اللوحات الجديدة التي ترسمها، تاركة على كل واحدة منها بصمة صغيرة من قلبها النابض بحيوية.
ثم جاء اليوم الذي فاجأ الجميع. شاركت نور في معرض فني للأطفال، حيث رسمت لوحاتها بألوانها الخاصة. كل لوحة كانت تقول قصة.. قصة حبها للضوء، قصة ألمها، قصة صبرها. وعندما عرضت لوحاتها، وقف الجميع في صمت، والدموع تلمع في عيون الكثيرين. لم تكن اللوحات متقنة لكنها كانت صادقة، تعكس روح طفلة لم تسمح لضعف جسدها بأن يحجب شروق الشمس في حناياها.
بعد المعرض بأيام، لاحظت نور أن القفص مفتوح. كان “ضياء” واقفاً عند الحافة، جناحاه يهتزان. اقتربت منه ببطء، ومدّت إصبعها. نظر إليها طويلاً، ثم طار.
لم تبكِ.
وقفت عند النافذة، تابعت النقطة الصغيرة وهي تختفي في السماء الواسعة. وضعت يدها على صدرها، حيث بقي شيء دافئ يرفرف.
في اليوم التالي، جلست ترسم. لم ترسم عصفوراً هذه المرة، بل نافذة مفتوحة، وشمساً تدخل بلا استئذان. حين سألتها “مِس حنان” عمّا رسمته، لم تجب نور. ابتسمت فقط.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …._
