شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_أعاد المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية في ألمانيا (BKA) فتح النقاش حول دور المهاجرين في الجريمة، بعدما نشر تقريره السنوي الذي يقدم صورة مفصلة عن حجم الجرائم المرتكبة في سياق الهجرة خلال عام 2024. ويأتي هذا التقرير في سياق حساس سياسيًا وإعلاميًا، إذ تتصاعد فيه الخطابات الشعبوية، وتتزايد الضغوط على الحكومة الألمانية لضبط ملف الهجرة بشكل أكثر صرامة. ووفقًا للأرقام الرسمية الجديدة، فإن المهاجرين يشكّلون ما يقرب من 9% من إجمالي المشتبه بهم في الجرائم العامة المسجلة في البلاد، وهي نسبة تبدو أقل كثيرًا مما يروّج له الخطاب السياسي اليميني، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تفاوتات كبيرة بين الجنسيات وأنواع الجرائم.
إجمالي المشتبه بهم في ألمانيا
بلغ مجموع المشتبه بهم في ألمانيا بحسب التقرير، خلال عام 2024 نحو 1.97 مليون شخص، من بينهم 697 ألفًا لا يحملون الجنسية الألمانية. ومن بين هؤلاء، تم تحديد 172 ألفًا و203 أشخاص بصفتهم مهاجرين بالمعنى الذي يستخدمه المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية. ويشمل تعريف “المهاجرين” في هذا السياق طالبي اللجوء، واللاجئين المعترف بهم، والأفراد الحاصلين على إقامة متسامحة، والمُلزمين بمغادرة البلاد. ويحرص التقرير على التمييز بين “الجرائم العامة” وبين المخالفات المرتبطة بقانون الهجرة، إذ لا تُدرج هذه الأخيرة في إحصائيات الجريمة العادية.
عند النظر إلى التفاصيل النوعية، يوضح التقرير أن نسبة المشتبه بهم من المهاجرين في جرائم القتل والقتل غير العمد بلغت نحو 12% خلال العام 2024. وهذه النسبة نفسها تقريبًا سُجلت في جرائم السرقة، وجرائم الممتلكات، والتزوير. أما في الجرائم والاعتداءات الجسدية، والجرائم ذات الطابع العنيف، بالإضافة إلى قضايا المخدرات، فقد تراوحت نسبة المشتبه بهم من المهاجرين بين 8 و10%. وتلفت هذه الأرقام الانتباه إلى أن المهاجرين ليسوا الفاعل الأساسي في هذه الأنواع من الجرائم، بل يمثلون نسبة محدودة نسبيًا مقارنة بإجمالي السكان.
الجريمة المنظمة ظاهرة متعددة العوامل
مع ذلك، يبرز التقرير أنّ ما يقارب ثلث التحقيقات المرتبطة بالجريمة المنظمة مثل شبكات الاتجار بالمخدرات، أو التهريب، أو الاتجار بالبشر شمل مشتبهين من المهاجرين. ويعد هذا الجانب من أكثر نقاط التقرير حساسية، إذ يوظف خصوم الهجرة عادة هذه الأرقام لتغذية خطاب الخوف، رغم أن التقرير ذاته يشدد على أن الجريمة المنظمة ظاهرة متعددة العوامل، وأنّ انخراط بعض المجموعات فيها يرتبط غالبًا بعوامل اجتماعية واقتصادية، وبطبيعة شبكات التهريب العابرة للحدود التي تستغل المهاجرين.
ومن الجوانب اللافتة في التقرير انخفاض عدد المهاجرين المشتبه بهم خلال العام 2024، مقارنة بالعام 2023. فقد تراجع الرقم من 178 ألفًا و581 مشتبهًا إلى 172 ألفًا و203. ويعزو المكتب الاتحادي هذا الانخفاض بالدرجة الأولى إلى تشريع القنب الذي دخل حيز التنفيذ جزئيًا، والذي أدى إلى تراجع ملحوظ في عدد الجرائم المسجلة في قضايا المخدرات الخفيفة.
أكبر مجموعة من اللاجئين جاءت من أوكرانيا
ارتفع عدد اللاجئين المقيمين في ألمانيا إلى أكثر من 3 ملايين للمرة الأولى في عام 2024، بعدما كان نحو 2.9 مليون في عام 2023. ويشير التقرير إلى أن أكبر مجموعة من هؤلاء اللاجئين جاءت من أوكرانيا، بواقع 1.1 مليون شخص، تليها سوريا التي تضم 629 ألفًا، ثم أفغانستان بـ323 ألفًا، والعراق بـ167 ألفًا. ويبلغ عدد سكان ألمانيا نحو 83.5 مليون نسمة، ما يعني أن نسبة اللاجئين لا تزال أقل من 4% من مجموع السكان.
من زاوية التركيبة الجغرافية للمشتبه بهم، يظهر التقرير مفارقة مهمة. فالأوكرانيون، الذين يشكلون 35.7% من إجمالي اللاجئين المقيمين في ألمانيا، لم يمثلوا سوى 12.8% من المشتبه بهم في الجرائم المرتبطة بالمهاجرين. وهو ما يشير إلى انخفاض ملموس في نشاطهم الإجرامي مقارنة بحجم وجودهم الديموغرافي. وعلى النقيض تمامًا، كانت نسبة المشتبه بهم من دول المغرب العربي (المغرب، الجزائر، تونس) 9.1% من إجمالي المشتبه بهم المهاجرين، رغم أنهم لا يمثلون سوى 0.5% فقط من مجموع اللاجئين. وتظهر بيانات أخرى أن المشتبه بهم من ليبيا وجورجيا يتمتعون بنسبة تكرار أعلى في ارتكاب الجرائم.
أما من بين أوسع المجموعات عددًا، مثل السوريين والأفغان، فقد شكّلوا حوالي 21% و10% من المشتبه بهم على التوالي، وهي نسب تتوافق تقريبًا مع حجمهم بين المهاجرين المقيمين في البلاد. ويبدو أن هذا الاتساق الإحصائي يسهم في تبديد كثير من الروايات المبالغ فيها التي تربط بين اللاجئين وبين الارتفاع في معدلات الجريمة، ويعيد النقاش إلى مستواه التحليلي، بعيدًا عن التعميمات الخطيرة.
وبالرغم من أن التقرير يقدم معطيات دقيقة، فإنه لا يغفل الإشارة إلى أن الجريمة سواء كانت محلية أو وافدة مرتبطة بشكل أساسي بالظروف الاجتماعية والاقتصادية، وليس بالأصل القومي أو الديني. وعلى هذا الأساس، فإن فهم الظاهرة يتطلب النظر إلى عوامل الاندماج، وسوق العمل، وسياسات السكن، والفراغ القانوني الذي قد يتم استغلاله من قبل شبكات منظمة، بدلًا من استسهال التصنيفات العرقية أو الثقافية.
النتائج
يعكس التقرير السنوي للمكتب الاتحادي للشرطة الجنائية (BKA) حول دور المهاجرين في الجريمة صورة دقيقة ومعقدة للواقع الأمني في ألمانيا. تشير الأرقام إلى أن المهاجرين يشكلون نحو 9% من إجمالي المشتبه بهم في الجرائم العامة، فيما تراوحت نسبتهم بين 8 و12% حسب نوع الجريمة. هذه الإحصاءات تضعف الروايات المبالغ فيها التي تربط بين الهجرة وارتفاع معدلات الجريمة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تفاوت واضح بين الجنسيات، إذ يبدو أن بعض الجماعات، مثل المغاربيين وليبيا وجورجيا، أكثر عرضة للانخراط في أنماط إجرامية متكررة مقارنة بأوكرانيين أو سوريين، ما يشير إلى تأثير السياقات الاجتماعية والاقتصادية على السلوك الإجرامي.
يعد لهذا التقرير عدة أبعاد. أولها البُعد الأمني: مع استمرار ارتفاع أعداد اللاجئين والمهاجرين المقيمين في ألمانيا، ستظل الشرطة ومؤسسات الأمن العام تواجه تحديًا مزدوجًا، يتمثل في حماية المجتمع ومراقبة الجريمة، مع تجنب التمييز العرقي أو الثقافي. ويبرز هنا الدور الحاسم للإحصاءات الدقيقة، التي يمكن أن توجه السياسات الأمنية بشكل متوازن بعيدًا عن الخطاب السياسي المتطرف.
يتعلق البُعد الثاني بالاندماج الاجتماعي والاقتصادي. أظهرت البيانات أن الانخراط في الجريمة مرتبط غالبًا بالفرص المحدودة في التعليم والعمل، والفقر، وعدم الاستقرار السكني، والاندماج الجزئي. وبالتالي، فإن السياسات المستقبلية ينبغي أن تركز على توفير فرص اندماج أوسع، وتعزيز التوظيف والتدريب المهني، وتحسين الوصول إلى التعليم والخدمات الاجتماعية، خاصة بين المهاجرين القادمين من مناطق تعاني من صراعات طويلة أو ضعف البنية الاجتماعية.
يعتبر البُعد الثالث هو البعد التشريعي والسياسي. انخفاض عدد المشتبه بهم في الجرائم بعد تشريع القنب يوضح أن تعديل القوانين يمكن أن يؤثر مباشرة على السلوك الإجرامي ويقلل من الضغط على أجهزة الأمن. لذلك، من المتوقع أن تستمر الحكومة الألمانية في مراجعة التشريعات وإصلاحها لتتماشى مع واقع الجريمة والهجرة، مع التركيز على أدوات الوقاية أكثر من العقاب فقط.
يمكن الإشارة إلى أهمية الإعلام والدور المجتمعي في تشكيل الصورة العامة للمهاجرين. يجب أن تركز التغطية الإعلامية على السياق الاجتماعي والاقتصادي للجرائم، وتجنب الربط المبالغ فيه بين الهجرة والجريمة، لضمان عدم تعميق الانقسامات الاجتماعية وتعزيز الثقة بين المجتمعات المحلية والمهاجرين.
يوفر التقرير أساسًا علميًا لتطوير سياسات أمنية واجتماعية متكاملة، تحمي المجتمع الألماني وتحافظ على حقوق المهاجرين، وتوازن بين الأمن العام والمساواة والاندماج، وهو أمر سيكون حاسمًا خلال السنوات القادمة في ظل التغيرات الديموغرافية والهجرية في ألمانيا وأوروبا.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
