بقلم:
د. صالح الشقباوي
باحث وأكاديمي فلسطيني
غزة تعود من العدم الى الوجود
امل يولد من رحم التراجيديا
الى قمة الديمومة البطولية
لم تكن غزة، في لحظة الطوفان، مجرد جغرافيا محاصرة أو مساحة مستهدفة بالقصف والإبادة، بل كانت – وما زالت – جوهراً وجودياً يعيد تعريف معنى فلسطين ومعنى الصراع ذاته. في غزة ما بعد الطوفان، لم يعد السؤال: كيف نعيش؟ بل كيف نكون. وهنا تحديداً عادت الذات الفلسطينية إلى ذاتها، وانتصر الوجود على العدم، والكينونة على مشروع الإلغاء الصهيوني.
لقد حاول المشروع الصهيوني، منذ نشأته، إنتاج “عدم فلسطيني”، نفي الذات، تفريغ المكان من معناه، وتحويل فلسطين إلى فراغ تاريخي قابل للامتلاك بالقوة. غير أن غزة، في لحظة الطوفان، قلبت المعادلة: أعادت تعريف الذات الفلسطينية كذات فاعلة، مقاومة، حاضرة، لا تنتظر الاعتراف بل تفرض وجودها بالفعل والتاريخ.
إن الصراع في جوهره ليس صراع حدود أو تسويات سياسية، بل هو صراع على المكان ومعناه:
من يملك الحق؟ ومن يفرض القوة؟
وهنا تتجلى الجدلية الكبرى بين حق القوة و قوة الحق. فالعدو الصهيوني امتلك فائض القوة العسكرية، لكنه افتقد الشرعية الوجودية، بينما امتلك الفلسطيني – في غزة – قوة الحق المتجذرة في التاريخ والدم والذاكرة والمكان. وحين تواجه قوة الحق حقَّ القوة، فإن النتيجة ليست دائماً عسكرية بحتة، بل وجودية، أخلاقية، وتاريخية.
غزة لم تدافع عن نفسها فقط، بل أعادت تعريف مفهوم الانتصار. لقد سقط وهم “الجيش الذي لا يُقهر”، وتحولت دباباته وعربات “النمرود” إلى هياكل حديد وخردة على أبواب غزة، أمام إرادة لا تُقهر، وذات تعرف لماذا تقاتل، ومن أجل ماذا تصمد. وهنا لم يكن الانتصار عسكرياً فحسب، بل كان انتصاراً على صورة العدو في الوعي الجمعي العربي والإسلامي، وعلى أسطورة التفوق المطلق.
لقد صنعت غزة تاريخاً جديداً، لا لفلسطين وحدها، بل للأمتين العربية والإسلامية. أعادت الاعتبار لفكرة المقاومة، وكسرت زمن الهزيمة، وأيقظت الوعي من سباته الطويل. لم تعد فلسطين قضية عاطفية أو خطاباً موسمياً، بل عادت لتكون مركز الصراع ومعناه، ومختبراً حقيقياً لإرادة الأمة وقدرتها على استعادة دورها.
وفي الخاتمة، يمكن القول إن غزة لم تنتصر على العدو فقط، بل انتصرت على الزمان الصهيوني؛ ذلك الزمن الذي أراد لفلسطين أن تكون “ما بعد فلسطين”، بلا ذاكرة وبلا مستقبل. غزة قتلت العدم، وانتزعت فلسطين من الموت، وأعادتها إلى كينونتها التاريخية، كفعل حيّ لا كذكرى.
غزة ستعيش زمنها الذهبي، ليس بوهم القوة، بل بصدق الحق. ستعيد بناء ذاتها من الركام، لا لتكون مدينة عادية، بل لتكون قلعة العروبة و قلعة الإسلام القادم، وشاهداً على أن الشعوب التي تعرف ذاتها لا تُهزم، وأن من ينتصر في معركة الوجود لا يخسر أبداً.
