إعداد: داليا عريان
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_تفرض التحولات الجيوسياسية والصراعات الراهنة على الساحة الدولية، معطيات جديدة على دول أوروبا على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، مما يدفعها لإعادة صياغة استراتيجيتها في التعامل مع التوترات، وترتيب أولوياتها في السياسة الخارجية والأمنية والدفاع المشترك داخل القارة الأوروبية وحلف الناتو، في ظل استراتيجية الأمن القومي الأمريكي والتغيرات التي طرأت على نهج واشنطن تجاه أوروبا، واحتمالية تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
حدود الدور الأوروبي في إدارة النزاعات
الدبلوماسية: يلعب الاتحاد الأوروبي دوراً محورياً على الساحة الدولية، نظراً لعلاقاته القوية على المستويين الإقليمي والدولي. ويقدم في الأزمات، المساعدات الإنسانية والإغاثية الطارئة، ويسهم بقواته العسكرية والشرطية والقضائية في تحقيق الاستقرار بمناطق الصراعات. وضع الاتحاد السياسة الخارجية والأمنية المشتركة بموجب معاهدة “ماستريخت” التي دخلت حيز التنفيذ في 1993، وتم تعزيزها بمعاهدات “أمستردام” عام 1999، و”نيس” في 2003، و”لشبونة” في 2009. ترتكز السياسة الخارجية على سيادة القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز الأمن ومنع النزاعات والحفاظ على السلام. تمثلت الدبلوماسية في زيارات المسؤولين الأوروبيين، وكانت الولايات المتحدة الدولة الأكثر زيارة في الفترة (2014 ـ 2019). جاءت أوكرانيا في المرتبة الثانية من حيث الزيارات، تلتها بريطانيا في المرتبة الثالثة خلال الفترة (2019 ـ 2024). برزت الدبلوماسية الوقائية في الملف الإيراني، باستقبال روما، في 23 مايو 2025، الجولة الخامسة من المحادثات النووية بين طهران وواشنطن. وعُقد اجتماع في 20 يونيو 2025 بين وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” وممثلي الترويكا الأوروبية ومسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد “كايا كالاس” أثناء حرب الـ(12) يوماً بين إيران وإسرائيل. كما استضافت جنيف، في 26 أغسطس 2025، جولة مفاوضات مع إيران.
رغم عدم امتلاك التكتل الأوروبي جيشاً موحداً، فإنه يعتمد على قوات الدول الأعضاء لإرسال بعثات إلى مناطق التوتر لمراقبة الأمن والحفاظ على النظام. ويعمل جهاز العمل الخارجي الأوروبي “EEAS” كجهاز دبلوماسي للتكتل، ويعد المجلس الأوروبي الهيئة العليا لصنع القرار بالاتحاد لوضع السياسة الخارجية. يوجد نحو (1100) جندي في منشآت بسراييفو ومناطق البوسنة والهرسك ضمن بعثة “EUFOR” العسكرية للحفاظ على الأمن. وأرسل الاتحاد إلى جورجيا بعثة مراقبة غير مسلحة “EUMM” تضم (220) مراقباً من الدول الأعضاء، وبعثة “EULEX” بمقرات في “بريشتينا “ومناطق بكوسوفو، وتضم نحو (396) عضواً. تم تمديد عمل بعثة “IRINI” في البحر المتوسط حتى 31 مارس 2027 لحظر الأسلحة على ليبيا. رداً على هجمات الحوثيين بعد حرب غزة، أطلق الاتحاد، في 19 فبراير 2024، عملية “أسبيدس” لحماية السفن في البحر الأحمر، وتعد استكمالاً لعمليتي “أتلانتا” و”أجينور”. وترتكز عملية “أتلانتا” قبالة القرن الأفريقي وغرب المحيط الهندي لمواجهة القرصنة والتدفقات البحرية غير المشروعة. وزاد دور “أتلانتا” في 2024، بإسناد مهام مراقبة السفن المقرصنة وتسليمها للسلطات الساحلية. وتتولى عملية “أجينور” تأمين حركة التجارة في مضيق هرمز وشمال الخليج العربي بأكمله، وجنوباً إلى منطقة المحيط الهندي قبالة سواحل عمان.
العقوبات: يعتمد الاتحاد الأوروبي على العقوبات كأداة سلمية غير عقابية للدفاع عن القانون الدولي، وتعزيز الأمن والسلم الدوليين، وحماية مصالح الاتحاد. وتصبح جزءاً من الجهود الدبلوماسية لحل الأزمات. ولا تستهدف دولة بعينها، بل المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، والهجمات على المدنيين، والاعتداء على دولة ثالثة. وتشمل حظراً للتأشيرات والأسلحة، وتجميداً لأصول الحكومات المسؤولة عن النزاعات، وتُرفع العقوبات في حال إنهاء النزاع، أو حدوث انتقال سياسي، كما في سوريا، حيث تم رفع العقوبات عنها في 20 مايو 2025. أعاد الاتحاد الأوروبي، في 30 سبتمبر 2025، تطبيق عقوبات اقتصادية على إيران، شملت تجميد أصول بنوك، وحظر سفر مسؤولين، وفرض قيود على النفط، لاتهام إيران بانتهاك الاتفاق النووي. وجددت حرب أوكرانيا العقوبات على روسيا، وتعد أقوى إجراء في السياسة الخارجية اتخذه الاتحاد رداً على حدث واحد، إذ تستهدف تقويض القاعدة الاقتصادية لروسيا والضغط عليها لإنهاء الحرب. ولا تنتهي العقوبات تلقائياً بعد وقف الحرب، بل ستظل سارية لحين عودة روسيا إلى المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة والأمن الأوروبي. أقر التكتل، في 23 أكتوبر 2025، الحزمة الـ(19) من العقوبات على روسيا، وشملت حظراً على واردات الغاز المسال، واستهداف شركات آسيوية متهمة بدعم روسيا. وسيدخل الحظر حيز التنفيذ للعقود قصيرة الأجل بعد (6) أشهر، وللعقود طويلة الأجل بداية من يناير 2027.
سياسة الردع: دفعت حرب أوكرانيا التكتل الأوروبي إلى وضع الاستقلال الاستراتيجي كأولوية، في ظل المخاوف من اتساع رقعة الحرب، وتغير سياسات واشنطن بعد التهديد بالتخلي عن الدول الأعضاء في الناتو غير الملتزمين بالإنفاق الدفاعي، في حال تعرضهم لهجوم روسي. وقدمت المفوضية الأوروبية، في 20 مارس 2025، مشروع “الكتاب الأبيض للدفاع” لتحديد الثغرات الأمنية وتجهيز القارة أمنياً بحلول عام 2030، استكمالاً لخطة بقيمة (800) مليار يورو لتعزيز الإنفاق الدفاعي. ولم ترمم قمة لاهاي في يونيو 2025 الخلافات بين ترامب وقادة أوروبا، بل أعلن البنتاغون، في 28 أكتوبر 2025، سحب نحو (800) جندي من أوروبا الشرقية. وكشفت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، في 7 ديسمبر 2025، عن تراجع أوروبا في أولويات واشنطن.
التداعيات الأمنية الداخلية على أوروبا
تصاعد التهديدات الإرهابية: حذرت المفوضة الأوروبية السابقة للشؤون الداخلية “إيلفا يوهانسون” من استمرار النزاعات الدولية وما ينتج عنها من عمليات إرهابية. وأبلغت (14) دولة في الاتحاد الأوروبي عن (58) هجوماً إرهابياً في 2024، وبلغ عدد الموقوفين بتهم تتعلق بالإرهاب (449) شخصاً في (20) دولة عضواً. أشار تقرير لليوروبول، في يونيو 2025، إلى أن عدم الاستقرار السياسي خارج الاتحاد قد يفاقم التهديد الإرهابي. كان منفذو الهجمات الإرهابية خلال الفترة (2023 ـ 2025) ذئاباً منفردة وأشخاصاً ليس لهم سجل إجرامي، بحسب تقارير الاستخبارات الألمانية والفرنسية، ما يرجح تصاعد معدلات الهجمات في الفترة المقبلة، لاعتماد التنظيمات المتطرفة، مثل “القاعدة” و”داعش”، على شبكات لا مركزية واستغلالها حرب غزة.
الهجرة واللجوء: يرتبط عدد المهاجرين واللاجئين ارتباطاً طردياً بالصراعات. ورغم انخفاض معدلات الهجرة غير الشرعية في 2024، فإن العدد الإجمالي للنازحين قسراً في العالم يتجاوز (123) مليون شخص، وتأتي أكبر الأعداد من فنزويلا وسوريا وأفغانستان وأوكرانيا وجنوب السودان. واستقبل الاتحاد الأوروبي نحو (165) ألف طلب لجوء في الربع الثالث من 2025، ومنح الحماية لما يقرب من (90) ألف شخص، وكانت الوجهات الرئيسية إسبانيا وألمانيا وفرنسا. وتقدم (1775) قاصراً غير مصحوبين بذويهم بطلبات لجوء إلى التكتل الأوروبي، وكانت أعلى الأعداد من إريتريا (295)، وأفغانستان (230)، والصومال (225)، وفنزويلا (145).
الجريمة المنظمة: تستغل مجموعات الجريمة المنظمة النزاعات لتوسيع نفوذها، مثل دول غرب البلقان كممرات لتهريب المخدرات الاصطناعية والاتجار بالبشر. وأوضح تقرير يوروبول، في مارس 2025، ارتباط الجريمة بالتهديدات الخارجية، مثل حرب أوكرانيا. وأشار مؤشر “الجريمة المنظمة العالمي”، في نوفمبر 2025، إلى أكبر زيادة في الجريمة بأوروبا، منوهاً إلى التكتيكات المتطورة، مثل الاستغلال الرقمي. وتعمل هذه المجموعات كوكلاء لجهات فاعلة معادية تابعة لدول، بما يهدد استقرار الديمقراطيات عبر الهجمات الإلكترونية وحملات التضليل. وتنشط تجارة الأسلحة في مناطق ما بعد النزاعات في جوار دول أوروبا، وتجد شبكات الاتجار بالبشر مناخاً مناسباً في الأزمات للانتشار.
الهجمات السيبرانية: ارتفعت الهجمات السيبرانية خلال الفترة (2024 ـ 2025). أشار تقرير نُشر في الثالث من نوفمبر 2025 إلى تسجيل أكثر من (2100) ضحية في أوروبا للابتزاز الإلكتروني منذ يناير 2024. وتصدرت بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا قائمة الدول المستهدفة، وتضمنت (92%) من الحالات تشفير الملفات وسرقة البيانات. وفي أبريل 2025، وقع عمل تخريبي ضد سد في “بريمانجر” بالنرويج بعد تعرضه لهجوم سيبراني. وفي 21 سبتمبر 2025، تعرضت أكبر مطارات أوروبا، مثل “هيثرو وبرلين وبروكسل”، لهجمات إلكترونية. تتخوف دول أوروبا من ارتفاع معدلات الهجمات السيبرانية ضد البنية التحتية في 2026، مع استمرار التوترات في أوروبا والشرق الأوسط.
الانعكاسات السياسية والمجتمعية
صعود اليمين المتطرف: نشطت تيارات يمينية قومية مستفيدة من حرب أوكرانيا في قضايا الهجرة والأمن والهوية لتمرير سياساتها المتشددة. وفي الثاني من مايو 2025، صنفت الاستخبارات الداخلية الألمانية “حزب البديل من أجل ألمانيا” كياناً متطرفاً. وفي الثالث من يونيو 2025، أدى موقف “حزب الحرية” في هولندا إلى انهيار الائتلاف الحكومي إثر خلافات حول الهجرة. وحافظ حزب “القانون والعدالة” البولندي على قوته في انتخابات 2025، فيما يظل حزب “فيدس” المجري، بزعامة فيكتور أوربان، في السلطة منذ أكثر من عقد، والمعروف بمواقفه المنحازة لروسيا. ويشهد عام 2026 انتخابات على المستويات الرئاسية والبرلمانية والمحلية، ما سيحدد الوضعين السياسي والجيوسياسي لأوروبا.
تآكل الثقة بالمؤسسات: تراجعت الثقة في الحكومات الأوروبية ومؤسسات الاتحاد لتعدد الأزمات الداخلية، رغم أن استطلاعات “يوروباروميتر” لعامي 2024 و2025 أشارت إلى تحسن ثقة الأوروبيين في مؤسسات الاتحاد، بنسبة (51%) في الربع الثالث من 2024، و(52%) في الربع الثاني من 2025، وتأييد الاتحاد في قضايا الدفاع والأمن. ومع ذلك، شهدت أوروبا في 2025 عدة اضطرابات؛ إذ خرجت مظاهرات في إيطاليا، في نوفمبر 2025، ضد زيادة الإنفاق العسكري، وفي ديسمبر 2025 انطلقت احتجاجات في ألمانيا رفضاً للتجنيد الإجباري. وشهدت مدن فرنسية وإسبانية وبلجيكية مظاهرات عقب إبرام التكتل اتفاقية تجارة حرة مع دول أمريكا الجنوبية. وكان عام 2025 عام الاضطرابات في فرنسا؛ ففي سبتمبر وأكتوبر خرجت مظاهرات رافضة لخطة تقشفية للحكومة، وفي نوفمبر وديسمبر أضرب موظفو متحف “اللوفر” احتجاجاً على تدهور الأجور.
الانقسام حول السياسات الخارجية: تختلف استجابة دول الاتحاد بشأن الأزمات الدولية والقضايا الداخلية الشائكة، مثل دعم أوكرانيا واستخدام الأصول الروسية. وتدفع دول شرق أوروبا والبلطيق باتجاه تسريع الدعم، على عكس دول أوروبا الغربية، مثل فرنسا وألمانيا، التي تطالب بالتوازن بين الدبلوماسية والدعم، فيما ترفض المجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك هذا الدعم. وتدور مناقشات بين دول الشمال والجنوب المحافظة مالياً، مثل فرنسا وإيطاليا، حول الدين المشترك، إلى جانب الخلافات بشأن ميثاق الهجرة واللجوء الجديد ومراقبة الحدود. وتظل التوترات قائمة بين شرق أوروبا وغربها حول استقلال القضاء في بعض دول أوروبا الوسطى والشرقية.
السيناريوهات المستقبلية للأمن الأوروبي
سيناريو التصعيد: رغم الحديث عن مفاوضات بين موسكو وكييف، فإن المواجهة العسكرية بين أوروبا وروسيا تقترب، لا سيما أن رؤساء أجهزة الاستخبارات الألمانية الثلاثة حذروا من وقوع هجوم روسي محتمل في 2029، وأن هدف بوتين هو تفكيك الاتحاد الأوروبي. تشير التقديرات إلى أن دول البلطيق ستكون الهدف. يرفع الاتحاد الأوروبي الإنفاق الدفاعي بنسبة (3.5%) بحلول 2035، ويخصص (1.5%) من الناتج الاقتصادي لإجراءات أمنية، في ظل تكرار حوادث اختراق أجواء دول أوروبا بالمسيرات، والهجمات الإلكترونية على البنية التحتية للدول في 2025. ولا يمكن النظر إلى هذه الحوادث كعمليات عشوائية، بل تعد ضمن اختبار روسيا لقدرات أوروبا على الرد في حال نشوب حرب.
تحول الخطاب الأوروبي من الحديث عن التنمية إلى تأهيل الشعوب للحرب، وشبه المستشار الألماني “فريديرش ميرتس” استراتيجية الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في أوكرانيا بـ”استراتيجية هتلر” في العام 1938. وحذر الأمين العام لحلف الناتو “مارك روته” من استخدام روسيا القوة العسكرية خلال (5) سنوات ضد الحلف. ووزعت الحكومة الهولندية على الأسر كتيباً يرشدهم إلى كيفية الاستعداد للبقاء على قيد الحياة لمدة (72) ساعة دون ماء أو كهرباء أو إشارة هاتف، ما يعني أن الحرب باتت ضمن توجهات أوروبا خلال (2026 ـ 2027)، وهي الفترة التي ستبلغ فيها روسيا أعلى جاهزيتها العسكرية.
سيناريو احتواء الأزمات: ستلجأ أوروبا إلى التهدئة في الملف الإيراني، رغم تحولها إلى شريك لواشنطن في “هندسة الضغط” على طهران، وتوتر العلاقات الأوروبية الإيرانية بعد تفعيل “آلية الزناد”. لكنها تراعي طرح روسيا للوساطة المباشرة بين إيران وإسرائيل، المدعومة بتأييد صيني للمسار الدبلوماسي، وحالة الضعف التي يعاني منها النظام الإيراني جراء الاحتجاجات الحالية والقيود الاقتصادية، إلى جانب النظرة الأمنية للنظام الإيراني، الذي يعتمد على الحرب الهجينة ضد أوروبا. في الأزمة السودانية، تتخوف أوروبا من تدفق المهاجرين وامتداد الفوضى، لذا ستقوم بالوساطة دون الانحياز لأي طرف في الحرب، والانتقال من التحذيرات إلى التحرك لوضع حد للمعاناة الإنسانية، وبحث آليات وقف الانتهاكات عبر شراكة أوروبية عربية أفريقية، لتحويل الإدانة إلى وسيلة ضغط على طرفي الصراع.
سيناريو الانكفاء الأوروبي: ستصبح الأزمات الداخلية الشغل الشاغل لأوروبا، نتيجة عدم استقرار بعض الحكومات في فرنسا وهولندا وبولندا وإسبانيا، وصعود اليمين المتطرف إلى الحكم، واستمرار الخلافات حول الهجرة واللجوء والأمن الداخلي. وسيركز التكتل على تطبيق قواعد صارمة بشأن الهجرة، وحماية الحدود، وتطوير نظام الدخول والخروج، وتعزيز عمل وكالات “يوروبول وفرونتكس” ووكالات إنفاذ القانون، ووضع خطط لضمان أمن الغذاء والطاقة في عامي 2026 و2027.
سيناريو المقاربة الأمنية: يركز الاتحاد جهوده على سد الثغرات الأمنية وبناء قوة ردع كافية لمواجهة أي حرب محتملة. وستظل الدول الأعضاء مسؤولة عن قواتها، من العقيدة إلى الانتشار وتحديد احتياجاتها العسكرية. وسيعمل الاتحاد على سياسة أمن ودفاع موحدة بطريقة لا تمس الخصوصية الوطنية لكل دولة، وتسمح بجاهزية أوروبا بحلول 2030. ويسهل الاتحاد صناعة الدفاع الأوروبية عبر خفض التكاليف، وتجنب الشراء التنافسي، وتحسين القوة الشرائية للدول، ودعم البنية التحتية ذات الاستخدام المزدوج للتنقل والاتصالات الفضائية.
تقييم وقراءة مستقبلية
– أصبحت أوروبا أمام خيارٍ أوحد يتعلق بإعادة تموضعها من جديد سياسياً وأمنياً على الساحة الدولية، نظراً لتشابك الأزمات العالمية، وتراجع واشنطن في التزاماتها تجاه أوروبا، وصعود لاعبين رئيسيين مثل الصين في المشهد الدولي، وتصاعد التسلح العالمي التقليدي والنووي. وهو ما يتطلب من أوروبا توحيد موقفها في القضايا الخلافية، مثل دعم كييف، وترميم العلاقات مع بكين، كبداية للاستقلال في القرار السياسي عن واشنطن، الذي سيُعد انطلاقة للاستقلال الاستراتيجي.
– يرتبط اللجوء بالأوضاع السياسية والأمنية المضطربة، وتمثل دول الاتحاد وجهة آمنة للاجئين والمهاجرين، ما يزيد الضغوط الاقتصادية والأمنية عليها. وتشكل التوترات في الشرق الأوسط، وحربا السودان وأوكرانيا، ودخول فنزويلا على خط الأزمات عقب اعتقال الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي “نيكولاس مادورو”، عاملاً رئيسياً في تدفق اللاجئين. وقد تُستخدم هذه النقطة كأداة ضغط جيوسياسية ضد أوروبا، لعرقلة استراتيجيتها الأمنية والضغط عليها في مفاوضات حرب أوكرانيا.
– تدرك أوروبا أن الوسيط الفاعل في الأزمات يجب أن يمتلك أدوات ضغط، وعلاقات متوازنة مع أطراف الأزمة، وقدرة على اتخاذ مواقف مغايرة لواشنطن، في ظل تباين نهج الجانبين الأمريكي والأوروبي في حرب أوكرانيا والصراعات في الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. ما يعني أن مسألة الدفاع الأمني الأوروبي يجب أن تشمل البعد النووي، وهنا يأتي بالضرورة تفعيل دور القوتين النوويتين الأوروبيتين، فرنسا وبريطانيا، كخطوة أولى لتوسيع نطاق الردع النووي الأوروبي، وإرسال رسائل إلى الحلفاء والخصوم بأن عام 2026 سيصبح مرحلة مفصلية في سياسات القارة الأوروبية.
– من المتوقع أن يواجه الاتحاد الأوروبي تحديات مجتمعية؛ إذ إن عدداً من الأوروبيين يفتقدون المرونة للصمود أمام تبعات النزاعات الدولية، ما يتطلب رفع الوعي المجتمعي، عبر التعاون بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية، لوضع تدابير لمكافحة التطرف والاختراقات السيبرانية. كما ستعاني دول من إشكالية التراجع الديموغرافي، وانعكاساتها على بناء الجيوش والمشاركة في تطوير صناعة دفاعية مشتركة. لذا ستبحث الدول عن تحقيق التوازن بين الاحتياجات العسكرية والمتطلبات الاقتصادية، عبر تقديم حوافز للخدمة العسكرية وطرح دوام جزئي في الوظائف العسكرية.
– من المرجح أن تلجأ أوروبا إلى فتح حوار مع روسيا، وتشير تلميحات باريس بضرورة استئناف الحوار مع موسكو إلى إدراك أوروبا خطورة انفراد واشنطن بالمفاوضات بين موسكو وكييف، في ظل تقدم ميداني لموسكو في المعارك، والضغوط الأمريكية للقبول بشروطها. وهو ما يفسر نتائج قمة “تحالف الراغبين” بشأن إرسال قوات إلى أوكرانيا وتقديم ضمانات أمنية قوية في حال التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب.
– ستواصل أوروبا تعاونها مع الحلفاء في الشرق الأوسط لتثبيت وقف إطلاق النار في غزة، ومنع تأجيج المشهد بين إسرائيل وحركة حماس من ناحية، وبين إسرائيل وحزب الله من ناحية أخرى. وفي المقابل، ستتمسك بالعقوبات والدبلوماسية مع إيران للتصدي لأي محاولات إسرائيلية لشن حرب جديدة.
– يمثل تعاطي أوروبا مع تهديدات ترامب بشأن ضم غرينلاند اختباراً حقيقياً لكيفية التعامل مع الأزمات الدولية، نظراً لأن التصعيد المحتمل في أوروبا قد يشهد، ولأول مرة، خصماً هو حليف في حلف الناتو. ولا سيما أن هذه التهديدات تزامنت مع إجراءات أمريكية أحادية في فنزويلا، وعقب إقرار استراتيجية الأمن القومي الأمريكي. لذا ستسعى أوروبا إلى التهدئة عبر وسطاء داخل الناتو، وإرسال رسائل سياسية من خلال تكثيف الزيارات إلى الجزيرة وإبرام صفقات اقتصادية معها، واتباع الدبلوماسية بتقديم أدلة تؤكد أحقية الدنمارك في غرينلاند، قبل نشر قوات أوروبية عبر الناتو في الجزيرة، لتفعيل المادة (5) من ميثاق الحلف ومنع واشنطن من أي عمل عسكري.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
