م.عبدالسلام بن مسعود مدير مكتب باريس شبكة المدار الاعلامية الاوربية
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في زمن طغت فيه الخطابات على الأفعال، اختار معهد تاجورني الليبي في مالطا أن يكتب قصته بطريقة مختلفة؛ قصة مؤسسة قررت أن تنجو بالبناء الحقيقي لا بالشعارات، وأن تواجه التحديات بالإصلاح لا بالتبرير.
تجربة بدأت من واقع صعب اتسم بالإهمال والتراجع، لكنها تحوّلت خلال فترة وجيزة إلى نموذج مؤسسي لافت، أعاد تعريف معنى الإدارة الرشيدة والعمل التراكمي.
هذا الحوار يفتح نافذة على تجربة ليبية مؤسسية خارج الوطن، تجربة لا تكتفي بسرد النجاح، بل تطرح أسئلة عميقة حول معايير التقييم، وأهمية الاستمرارية، ومعنى أن تبني مؤسسة قادرة على الصمود والتطور في بيئة معقدة. قراءة معمّقة تكشف كيف يمكن للإصلاح الحقيقي، حين يُدار بوعي ومسؤولية، أن يحوّل الإهمال إلى فرصة، والتراجع إلى نقطة انطلاق.
في ظل الجدل المتصاعد حول أداء المؤسسات الليبية في الخارج، يبرز معهد تاجورني في مالطا كنموذج استثنائي؛ استطاع أن ينتقل من حالة الغياب إلى حضور تعليمي وثقافي فاعل، وأن يعيد بناء صورته كمؤسسة ليبية بصورة مشرفة، وتؤدي دورها بفاعلية داخل المجتمع المالطي والدولي.
في هذا اللقاء الخاص، تحاور شبكة المدار الإعلامية الأوروبية السيد أيمن الحاضر، المسؤول عن معهد تاجورني، للوقوف على تفاصيل هذه التجربة الإدارية، وقراءة واقعها بتجرد، واستشراف ملامح مستقبلها، في محاولة لفهم كيف يمكن لمؤسسة ليبية أن تتحول من عبء إلى قيمة، ومن هامش مهمل إلى واجهة وطنية حقيقية في الخارج.

نص اللقاء
أولًا: المعهد… الهوية والدور
سؤال 1:
بداية، كيف تودّون تعريف معهد تاجورني اليوم؟ هل هو مؤسسة تعليمية فقط، أم مؤسسة وطنية ليبية في الخارج؟
الجواب:
خلال السنوات الأخيرة أصبح دور معهد تاجورني مؤسسة وطنية ليبية في الخارج، تهدف إلى زيادة التعاون بين ليبيا ومالطا، إلى جانب رفع كفاءة العناصر الوطنية للمرحلة القادمة، وهذا الأمر يحتاج إلى خطوات إدارية وفنية وتطوير البنية التحتية.
سؤال 2:
عندما تسلّمتم مسؤولية المعهد، ما الوضع الذي وجدتموه على أرض الواقع؟ وما أبرز التحديات التي واجهتكم في تلك المرحلة؟
الجواب:
معهد تاجورني تم إهماله على مر سنوات طويلة حتى أصبح غير قادر على القيام بمهامه، وبدأت السلطات المالطية تتساءل عن سبب إهمال الدولة الليبية لهذا المرفق الهام. وكانت التحديات عديدة، أهمها التواصل مع الجانب المالطي والتأكيد على أن المؤسسة ستقوم بدورها، ولكننا لم نجد في السنوات السابقة دعمًا حكوميًا للقيام بدورها، ومع ذلك واصلنا العمل وفق الإمكانيات المتاحة.
سؤال 3:
يمتلك معهد تاجورني تاريخًا يمتد لأكثر من ستة عقود. كيف تعاملتم مع هذا الإرث عند وضع رؤيتكم للإصلاح؟
الجواب:
السنوات السابقة لعمر المعهد، وحتى نكون منصفين، لا بد من تقييمها منذ الاتفاقية وحتى المرحلة الجديدة للدولة الليبية، والتي شملت سنوات قام فيها المعهد بدوره من تدريب وتعليم للموفدين من ليبيا، إلى سنوات وصلت إلى الإهمال حتى أنه لم يستطع القيام بدوره.

ثانيًا: من الإهمال إلى إعادة البناء
سؤال 4:
مرّ المعهد، كما هو معلوم، بسنوات من الإهمال والتراجع. من وجهة نظركم، ما الأسباب الحقيقية التي أدّت إلى تلك المرحلة؟
الجواب:
أولًا، لا بد من تحديد أسباب الإهمال والتراجع، وهي عدم تخصيص الميزانية اللازمة التي تشمل الصيانة الدورية والشاملة، وتوفير التجهيزات اللازمة، وكذلك إبرام العقود مع المؤسسات الليبية وفق خطة وزارة العمل لرفع الكفاءة، ولكنها لم تقم بدورها، وكل مخصصات التدريب تذهب للمؤسسات التدريبية الخاصة.
سؤال 5:
ما أول خطوة عملية اتخذتموها لوقف التدهور ومنع فقدان المعهد كمؤسسة ليبية في الخارج؟
الجواب:
- التواصل مع المؤسسات المالطية المختصة وتقديم رؤيتنا لوقف التدهور.
- إعادة الهيكل التنظيمي للمعهد وفق خطتنا التطويرية.
- المطالبة بالميزانيات اللازمة لإعادة التأهيل.
- مخاطبة المؤسسات الليبية المستهدفة بالتدريب لتقديم الحقائب التدريبية اللازمة.
- التنسيق مع الجامعة المالطية وعدد من الجامعات الأوروبية ذات العلاقة.
سؤال 6:
هل كانت عملية الإصلاح مجرد صيانة للمرافق، أم إعادة بناء مؤسسي شامل؟ وكيف تترجم هذه الرؤية على أرض الواقع؟
الجواب:
عندما تقف على أوضاع المعهد عند استلامنا له، نعرف جيدًا أن أي إعادة بناء للمؤسسة من جميع النواحي غير قابلة للتطبيق إذا لم يتم أولًا صيانته وتطويره ليكون ملائمًا لأي خطة تدريبية متطورة، وبالتالي كانت الخطوة الأساسية هي الصيانة والتجهيز.

ثالثًا: التحوّل والإنجازات
سؤال 7:
ما أبرز الإنجازات التي تحققت في معهد تاجورني خلال الفترة الأخيرة؟
الجواب:
- عودة الثقة بين المعهد والمؤسسات المالطية المختصة.
- توقيع اتفاقيات دولية مع مراكز تدريب معتمدة دوليًا وخبراء مختصين.
- صيانة وتأهيل وتجهيز المعهد وفق المواصفات الدولية.
- إعادة تأهيل القسم الداخلي ليتمكن من استقبال الموفدين من ليبيا وتقليل التكلفة.
سؤال 8:
إلى أي مدى نجح المعهد في التحوّل إلى منصة تعليمية دولية، مع الحفاظ على هويته الليبية؟
الجواب:
لا نزال في البدايات بشأن التحول إلى منصة تعليمية دولية، وأولى الخطوات هي تجهيز البنية التحتية اللازمة للتحول الدولي، وأهمها التعاون مع مؤسسات تعليمية دولية، والاستفادة من الخبرات المالطية والعربية في مجال التعليم والتدريب، وعقد الاتفاقيات مع جامعات ومعاهد متخصصة، والعمل ما زال مستمرًا للوصول إلى منصة تعليمية دولية.
رابعًا: المعهد كواجهة للدولة الليبية
سؤال 9:
كيف تنظرون إلى دور معهد تاجورني كواجهة للدولة الليبية في مالطا؟
الجواب:
هناك الكثير من أملاك الدولة الليبية في الخارج، ولكن للأسف عانت من الإهمال والتسيب خلال السنوات الماضية، وأصبحت مطمعًا للدول التي تقع فيها هذه الأملاك. ولكن بالتعاون مع السلطات المالطية، وإعادة تأهيل المعهد وتجهيزه ليكون منصة تعليمية متطورة في دولة مالطا، أصبح من ضمن المؤسسات المتطورة في الدولة المالطية، ويحظى باهتمام وزارتي التعليم والعمل المالطيتين.
سؤال 10:
ما طبيعة العلاقة التي تربط المعهد بالمؤسسات التعليمية المالطية والأوروبية؟ وهل هناك شراكات فاعلة على أرض الواقع؟
الجواب:
قبل القيام بأعمال الصيانة والتطوير لم نستطع إبرام أي شراكات مع المؤسسات التعليمية والتدريبية المتخصصة في مالطا وأوروبا، وعدد من مراكز التدريب العربية. ولكن بعد الانتهاء من الأعمال اللازمة أصبحت الخطوة القادمة البدء في إبرام اتفاقيات شراكة مع الجامعة المالطية وعدد من المراكز التدريبية المتخصصة العربية والأوروبية، وذلك ضمن خطة عام 2026م.

خامسًا: «البناء قيمة… لا تهمة»
سؤال 11:
يرد كثيرًا تعبير «البناء قيمة… لا تهمة». هل واجهتم صعوبات أو تشكيكًا بسبب خطوات التطور التي قمتم بها؟
الجواب:
لا يخلو أي عمل تطويري أو إصلاحي من الصعوبات والتحديات، وقد واجهنا ذلك بالجدية والوطنية والشفافية في الإجراءات، وقمنا بإحالة التقارير المالية اللازمة عن كل سنة مالية، ومع ذلك كانت هناك جهات وأشخاص يقفون ضد خطتنا التطويرية، ولله الحمد بلادنا لا تخلو من العناصر الوطنية الداعمة لكل خطوة إصلاحية.
سؤال 12:
برأيكم، لماذا يُقابل العمل المؤسسي الجاد أحيانًا بالمساءلة بدل الدعم؟
الجواب:
لا نرى مانعًا من المساءلة والمتابعة من خلال أدوات رقابية فاعلة، وفي الوقت نفسه نتحصل على الميزانية اللازمة، ولكن هناك خلل نلاحظه يتمثل في استخدام السلطات الممنوحة لبعض الجهات بطريقة غير قانونية، وتُسهم في إرباك العمل.
سؤال 13:
كيف يمكن حماية المؤسسات التي تنجح في البناء من الصراعات الإدارية أو الحسابات الضيقة؟
الجواب:
حماية المؤسسات من الصراعات والحسابات الضيقة تتم من خلال اعتماد الخطة السنوية ومتابعتها من خلال الجهة المشرفة إداريًا عليها، وتوضيح أوجه القصور عند وجودها، والمحاسبة على أساسها حتى لو وصلت إلى الإعفاء من الوظيفة.

سادسًا: التجربة الليبية في الخارج
سؤال 14:
هناك مؤسسات ليبية في الخارج انتهت إلى التلاشي أو فقدان الدور. ما الدرس الأهم الذي يجب استخلاصه من تجربة معهد تاجورني؟
الجواب:
المؤسسات الليبية في الخارج، سواء كانت سفارات أو شركات تتبع المؤسسات الاستثمارية الليبية أو مؤسسات إعلامية أو تدريبية، إلى جانب أملاك جمعية الدعوة الإسلامية وغيرها، أُنشئت منذ سنوات طويلة، وتعرض بعضها للإهمال خلال السنوات الأخيرة بسبب عدم توفير الميزانية اللازمة أو ضعف المتابعة الجيدة.

سابعًا: المستقبل والاستدامة
سؤال 15:
ما خططكم المستقبلية لمعهد تاجورني على المدى القريب والمتوسط؟
الجواب:
الانتقال إلى مرحلة التشبيك والتعاون مع المؤسسات النظيرة في مالطا وعدد من المؤسسات الدولية بعد استكمال أعمال التجهيز والصيانة، ودعم المعهد بعناصر مؤهلة في مجال التدريب، ورفع كفاءة العاملين بالمؤسسات الليبية وفق احتياجاتها التدريبية، وضمان نجاح ذلك يتطلب رغبة المؤسسات الليبية في رفع كفاءة عناصرها.

ثامنًا: كلمة أخيرة
سؤال 16:
ما الرسالة التي تودّون توجيهها إلى صُنّاع القرار في ليبيا بشأن المؤسسات الليبية في الخارج؟
الجواب:
أغلب المؤسسات الليبية في الخارج تعرضت للإهمال، ومالطا مثال على ذلك، فأغلب المؤسسات التابعة لجمعية الدعوة الإسلامية والسفارة تعرضت للإهمال والتسيب، وبالتالي لا بد من حصرها ومتابعتها حسب الجهات التابعة لها.
سؤال 17:
في مساحة حرة ختامًا لهذا اللقاء، ماذا تودّون أن تقولوا في عبارات قليلة؟
الجواب:
إن ما تتعرض له ليبيا من انقسام وعدم استقرار يؤثر على المؤسسات الليبية في الداخل والخارج، وعدم وجود عناصر وطنية قادرة على إدارة مؤسسات الدولة يؤثر سلبًا على أدائها. ** في نهاية اللقاء. نتقدم بالشكر للسيد. ** ايمن الحاضر. وتمنياتنا له بالتوفيق في مهامه و الفريق العامل معه * *
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
