بقلم ربا رباعي/ الاردن
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_لم يعد النص الأدبي الحديث – شعرًا كان أم سردًا – بنية مغلقة تفرض معناها على المتلقي فرضًا، بل غدا فضاءً دلاليًا مفتوحًا، لا يكتمل إلا بفعل القراءة والتأويل. وفي قلب هذا التحول تبرز الرمزية بوصفها أداة فنية وجمالية تُعيد توزيع الأدوار بين الكاتب والنص والقارئ، بحيث يصبح القارئ شريكًا فاعلًا في إنتاج المعنى، لا مجرد متلقٍّ سلبي له.
وتُعد تجربتا أبي تمام في الشعر العباسي، وتي. إس. إليوت في الشعر الحداثي الغربي، من أبرز النماذج التي جسّدت هذا التحول مبكرًا، رغم التباعد الزمني والثقافي بينهما. فقد اعتمدا الرمز المركّب، والصورة الذهنية الكثيفة، واللغة الإيحائية، مما جعل نصوصهما تتطلب قارئًا واعيًا، قادرًا على فك الشفرات الدلالية، واستنطاق المسكوت عنه.
تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن دور القارئ في إنتاج المعنى الرمزي عند أبي تمام وإليوت، وبيان الآليات الفنية التي دفعت النصين الشعريين إلى تجاوز المعنى المباشر، والانفتاح على تعدد التأويلات.
أولًا: الرمز وانفتاح الدلالة في شعر أبي تمام
يُعد أبو تمام (ت 231هـ) من أكثر شعراء العصر العباسي إثارة للجدل النقدي، بسبب غموض شعره وكثافة رموزه، حتى قيل في شعره: «إنه يُفهم بالعقل أكثر مما يُفهم بالطبع». وقد أدرك النقاد القدماء، مثل الجاحظ والآمدي، أن شعر أبي تمام لا يُستنفد بالقراءة السطحية، بل يتطلب قارئًا مثقفًا، قادرًا على الربط والاستنتاج.
- الرمز بوصفه انزياحًا عن المباشرة
يبتعد أبو تمام عن الوصف الحسي المباشر، ويستعيض عنه بصور رمزية مركّبة، تتجاوز ظاهرها اللغوي. ففي قوله الشهير:
السيف أصدق أنباءً من الكتبِ
في حدّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
لا يُوظَّف السيف مجرد أداة حرب، بل يتحول إلى رمز للحقيقة الفاعلة في مقابل الخطاب النظري أو الادعائي. وهنا لا يُقدَّم المعنى جاهزًا، بل يُترك للقارئ أن يستنتج المفارقة بين القول والفعل، وبين اللغة والواقع. - القارئ بوصفه مؤوّلًا للرمز
إن الرموز عند أبي تمام – الليل، النار، السيف، المطر – لا تمتلك دلالة واحدة ثابتة، بل تتعدد بحسب السياق. فالليل قد يرمز إلى الغموض، أو إلى المخاض، أو إلى الترقب، والنار قد تكون هدمًا أو تطهيرًا أو ولادة جديدة.
هذا التعدد الدلالي يفرض على القارئ أن:
يربط الرمز بسياقه اللغوي والتاريخي
يستحضر ثقافته الدينية والفلسفية
يشارك في بناء المعنى لا استهلاكه
وبذلك يتحقق ما يمكن تسميته بـ القارئ الشريك، الذي يُكمل النص عبر تأويله.
ثانيًا: القارئ والرمز متعدد الطبقات في شعر تي. إس. إليوت
يمثل تي. إس. إليوت (1888–1965) أحد أعمدة الحداثة الشعرية الغربية، وقد قامت تجربته على تفكيك المعنى الأحادي، واستبداله بنصوص قائمة على التداخل الزمني، والتناص الأسطوري، والرمز الديني والثقافي. - الرمز بوصفه بنية ثقافية
في قصيدته الشهيرة The Waste Land (الأرض الخراب)، يوظف إليوت رموزًا مثل:
الأرض الخراب
الماء
المدينة
الطقوس الدينية
الأساطير القديمة (الملك الصياد، الكأس المقدسة)
هذه الرموز لا تُفهم بذاتها، بل من خلال شبكة إحالات ثقافية وتاريخية، تجعل القارئ مطالبًا بإعادة تركيب النص.
يقول إليوت في إحدى مقاطع القصيدة (بالمعنى):
إن العطش لا يرويه الماء،
بل الوعي بما فُقد.
فالماء هنا لا يرمز للحياة، بل لتحقق الخلاص المؤجَّل، وهو ما يفتح النص على قراءة وجودية ونفسية. - القارئ بوصفه منتجًا للمعنى
يؤمن إليوت بأن الشعر الحديث لا يُقرأ قراءة واحدة، بل يُعاد إنتاجه مع كل قارئ. وقد أشار في مقاله النقدي “Tradition and the Individual Talent” إلى أن النص الأدبي يعيش داخل وعي المتلقي بقدر ما يعيش في اللغة.
وهكذا يصبح القارئ:
باحثًا عن المعنى
مشاركًا في بناء الرمز
طرفًا في الحوار مع النص
وهي رؤية تتقاطع – رغم اختلاف السياق – مع تجربة أبي تمام.
ثالثًا: التقاطع بين أبي تمام وإليوت في إشراك القارئ
رغم التباعد الحضاري، يلتقي أبو تمام وإليوت في عدد من المرتكزات الجمالية:
رفض المعنى الجاهز
كلاهما يقدّم نصًا لا يُفهم من القراءة الأولى.
تكثيف الرمز
الرمز ليس زينة بل أداة تفكير.
تعقيد الصورة الشعرية
الصورة لا تُرى فقط، بل تُفكَّر.
إشراك القارئ في إنتاج الدلالة
النص لا يكتمل إلا بالقارئ.
غير أن الفارق الجوهري يكمن في مرجعية الرمز؛ فأبو تمام ينطلق من منظومة قيمية أخلاقية وثقافية عربية إسلامية، بينما ينطلق إليوت من أزمة الإنسان الحديث واغترابه الوجودي.
خاتمة
يتبيّن من خلال هذه الدراسة أن الرمزية عند أبي تمام وتي. إس. إليوت ليست مجرد تقنية فنية، بل استراتيجية جمالية ومعرفية تهدف إلى إشراك القارئ في إنتاج المعنى. فالنص الرمزي لا يمنح دلالته كاملة، بل يقدّم مفاتيحها، ويترك للقارئ مهمة التأويل.
وبذلك يتحول القارئ من متلقٍ سلبي إلى فاعل تأويلي، يساهم في إحياء النص، وإعادة تشكيله وفق أفقه الثقافي والمعرفي. ومن هنا تكتسب التجربتان قيمتهما الخالدة، بوصفهما نموذجين مبكرين لانفتاح النص على التعدد والتأويل.
المصادر والمراجع
أبو تمام، ديوان أبي تمام، تحقيق: حنا الفاخوري، دار الجيل.
الآمدي، الموازنة بين أبي تمام والبحتري، دار المعرفة.
الجاحظ، البيان والتبيين، دار الفكر.
إليوت، تي. إس، The Waste Land.
Eliot, T. S., Tradition and the Individual Talent.
أدونيس، الثابت والمتحول، دار الساقي.
عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز.
صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي.
Umberto Eco, The Role of the Reader.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
