ثائر سالم
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_انخفاض حدة التوتر الطائفي، في بعض البلدان التي شهدت سابقا توترا وصراعا طائفيا داميا، و تقييد الاتجاهات الطائفية المتطرفة العلنية، التي سادت فترة فيها، والتآكل الذي حصل في القاعدة الاجتماعية لهذا الصراع، بعد افتضاح حقيقة المشروع الطائفي للغالبية الشعبية، وفشل سياساته ( الاجتماعية والاقتصادية والسياسية)، هو تطور مهم. ولكنه تطور ونجاح ظل محدودا، وأرجو أن لايكون مؤقتا. فخطر العودة إلى المسار الطائفي، يبقى قائما مابقي الطابع الطائفي للنظام السياسي، القوى السياسية الطائفية، المكشوفة أو المستترة، والتي استثمرت في المشروع الطائفي، لازالت هي من تمسك بالحصة الأكبر، أو الجزء الأهم، من قرار السياسة والاقتصاد والأمن، وفي مؤسسات الدولة المختلفة، التنفيذية والتشريعية. لقد أكمل النظام الطائفي بنية النظام السياسي والدولة، على أسس طائفية، إلا أن استمرار فشل السياسات العامة الاقتصادية والسياسة والاجتماعية. وبقدر ماخلق ذلك أرضية ولادة قوى التمرد والاحتجاج على المشروع الطائفي، فانه سيدفع في ذات الوقت، بقوى المشروع الطائفي للتشبث بفكرة التوازن المكوناتي، كأهم مرتكزات هذا النظام . وهذا بالذات ما سيبقى بيئة حاضنة للمشروع وملائمة لخطر العودة إلى الاستعانة بالورقة الطائفية في أوقات اشتداد الصراع الاجتماعي الطبقي تحديدا. كما يحصل اليوم في هذه البلدان. ففكرة وسياسة التوافق الطائفي وثقافة التوازن المكوناتي، التي تتحكم بالنظام السياسي والدولة في هذه البلدان، هي أهم وأوضح أسس هذا النظام، والتي ستبقى على علاقة تناقض مع أي مشروع حقيقي للتحول الديموقراطي. التهديد بالطائفية، أو التلويح بخطر عودتها، بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر الدفع بشعارات طائفية صريحة في مواجهة حراك شعبي مطلبي غير طائفي، أو عبر ممارسات ومواقف سياسية، داخلية وإقليمية ودولية، مشكوك في أهدافها وتوقيتاتها، كإعادة بعض وجوه مرحلة الصراع الطائفي، (*) إلى المشهد السياسي في ظل حالة الاستعصاء الحالية، وبدعم من دول إقليمية ، رعت دائما المشروع الطائفي، ومن قوى سياسية محلية لها أدوارها وهويتها الطائفية المعروفة ، يضعنا أمام استخلاصين:
الأول. أن حماية مفهوم التوازن المكوناتي أو الطائفي، وإعادة الحياة لهذا التوازن، هو أساس حماية النظام والأسس الطائفية التي يقوم عليها. فإعادة رموز سياسية ، لعبت سابقا دورا هاما في مسرحية هذا التوازن المطلوب ، يمكن أن يساهم في إعادة الحياة لهذا النمط السياسي الذي، ثبت فشله وبات مرفوضا شعبيا. وكل هذه النخب هي ذات تمثيل طبقي واحد، هو البرجوازية بفئاتها وأشكالها الهامشية والطفيلية المرتبطة عضويا بالنظام الرأسمالي العالمي. وهي تقف اليوم في مواجهة تحالف اجتماعي طبقي شعبي، يتسع باضطراد ، عبرت عنه حركة احتجاج وحراك شعبي متنامي. إنهما معسكران متناقضان في المصالح والأهداف، السياسية والاقتصادية وفي رؤاهم الفكرية، نظرا لاختلاف تكوينهما الاجتماعي الطبقي، ومواقعهم من السلطة والقرار.
ثانيا. لقد تجاوز الشعب وحركته المعارضة والاحتجاجية، المنظومة الطائفية، كسياسة وثقافة ونظام حكم، رغم أنها لازالت تحتفظ بقاعدة اجتماعية، خلقتها ووفرت الحماية لها، و لازالت تدافع عن بقائها. وهي في اغلبها تتكون من جماعات اجتماعية ، فئات وطبقات ، تم إفسادها بصفقات فساد، ورشوات، أو عبر امتيازات ورواتب خيالية غير منطقية، وبذرائع مختلفة.
إن تأخر الطبقات الشعبية والمسحوقة في إدراك حقيقة المشروع الطائفي الطبقية وتعبيره عن مصالح القوى الموجهة له والمرتبطة به، هو ماسهل تمرير المشروع الطائفي، وجعل منها وقود صراعه. وهذا الإدراك بجب أن يستكمل أيضا بفهم مغزى تمسك القوى السياسية الطائفية، بفكرة التوازن الطائفي وأهميته في تحقيق وحدة البرجوازية الطبقية. إن الوقوع في فخ الطائفية، لم يكن ممكنا لولا تدني مستوى الوعي الاجتماعي العام والوعي الطبقي تحديدا.
أن المصالح الطبقية للبرجوازية، وحرصها على هيمنتها الطبقية وحماية مصالحها الاقتصادية، هي ما تحدد خياراتها السياسية. فتفجير الصراع الطائفي، في هذه البلدان أو تشجيعه، بشكل مباشر أو غير مباشر، من قبل، رأس المال العالمي والإقليمي، هو في النهاية تعبير عن، هيمنة النظام الرأسمالي ووحدة المصالح الطبقية للرأسمالية العالمية، في المراكز والتوابع.
وان مصالح الرأسمالية المحلية ، كجزء مكون في النظام الرأسمالي العالمي، هي في علاقة الارتباط والتبعية هذه، التي تتحقق من خلالها فقط، مصالحها كطبقة، وتحظى بدعم وحماية الخارج لها، ودعم القوى الاجتماعية والسياسية، المرتبطة بها في الداخل. ولذا فهي لاتجد مصلحة لها في تطور رأسمالي وطني، لا يوفر لها هذه الشروط. و ستبقى تعرقل هذا الطريق، ما أمكنها ذلك، ومها كانت التداعيات السلبية له، على مستقبل البلد، اقتصاديا وسياسيا. لقد تمكن الكثير من قادة النظام السياسي الجديد، في ظل الخدعة الطائفية، من تغير وضعهم الطبقي، وان يصبحوا جزء عضويا من الطبقة الرأسمالية(كومبرادور ووكلاء شركات وأصحاب بنوك، وراسماليون طفيليون – فاسدون وسراق ومرتشون). كما إن إفساد فئات مهمشة، وعاطلة عن العمل، بصفقات فساد وسرقة للمال العام، أو بأنواع من الرشا( صفقات فساد ورواتب ومكافآت غير منطقية) ، بذرائع شتى( الخدمة الجهادية، رفع الحيف عن المناضلين أو السجناء السياسيين، إضافة إلى تعدد الامتيازات والرواتب الخيالية، حتى للمقيمين منهم في الخارج أو أوربا، ولديهم دخل مستقر وكل مقومات الحياة الكريمة _ التي يفتقر للحد الأدنى منها، جمهور واسع من المحرومين من الطبقات والفئات الشعبية) ، هي ما شكلت الجزء الأخر من القاعدة الاجتماعية لهذا النظام الطائفي. وهي ذاتها المستفيدة من الفساد والإهدار والتصرف غير المسؤول بالمال العام، وسرقة دخل البلد وناتجه القومي. أن استفحال الفساد وشيوعه واتساع ظاهرة الإهدار في المال العام، هو احد الملامح الأساسية للتجربة الطائفية. وكانت احد مظاهر الوقاحة في غياب العدالة والإنصاف ، وانعدام المسؤولية في النظام السياسي وعمل الدولة. وشكلت في النهاية إعاقة جدية لمشروع الإصلاح الجدي المطلوب.لقد أفضت هذه العملية إلى إحداث تغيير في الوضع الطبقي لهذه الفئات والى تغيير في البنية الطبقية والاجتماعية للمجتمع، وتركت أثرها على لوحة الصراع الطبقي وموازين القوى فيه. وهي اليوم احد قوى الإعاقة الجدية لاستقرار فاعلية اصطفاف اجتماعي واسع ، من اجل الإصلاح أو التغيير، وتوفير متطلبات التنمية ودرجة من العدالة الاجتماعية.
استخلاصات
١. إن عدم امتلاك الطبقات الكادحة أحزابا سياسية مستقلة، تعبر عن مصالحها الطبقية، وضعف أحزابها و لأسباب موضوعية غالبا، جعل هذه الطبقات، موضوعيا، تابعة لهيمنة البرجوازية الطبقية، إيديولوجيا وسياسيا إضافة إلى هيمنها الاقتصادية. وان هذه التبعية الطبقية للبرجوازية، فكرا وسياسة وتنظيما سياسيا ، هي ماتسهل على البرجوازية إدخال هذه الطبقات في نفق الطائفية، واستخدامها أدوات في صراع لا مصلحة لها فيه كالصراع الطائفي. وهو مايساعد أيضا البرجوازية على الحفاظ على وحدتها الطبقية ووحدة مصالحها ، واستمرار هيمنتها الطبقية السياسية.
٢. إن الرأسمالية كطبقة ونظام اقتصادي سياسي، عالميا ومحليا، تستطيع التعايش، مع الإيديولوجية الدينية، والطائفية ماداما لايشكلان، تهديدا للنظام الرأسمالي العالمي ، ولمصالح الرأسمالية المحلية المرتبطة به ، والمعبرة عن مصالحه. وستبقى مصلحة هذه البرجوازية المحلية، مع إعادة أنتاح هذا الارتباط والتبعية وتجديدهما المستمر . ونظام التمثيل الطائفي، يظل شكلا ونظاما مناسبا، للرأسمالية المحلية والدولية ،مادام قادرا على حماية تجديد علاقة التبعية هذه. حتى وان كان ثمن هذا التجديد هو تجديد للازمات السياسية والاقتصادية والإيديولوجية ، الناجمة عن هذه التبعية.
٣. التأويل الطائفي للعقيدة الدينية، لايعني تماثلهما. فإذا كانت القراءة الدينية العامة، ذات منحى أنساني أخلاقي عام. فان الايديولوحية الطائفية، لايمكن أن تتجاوز طابع التعصب أو العنصرية فيها حتى وان حاولت إبقائها خفية. فهي قراءة ومشروع يقوم على ميل لتعصب عقائدي وتمييز عنصري خفي أو معلن.
٤. مشروع التوازن الطائفي أو (السلم الأهلي) ، الذي يطرحه المشروع السياسي الطائفي، لايلغي طابعه الطائفي،بل يكرسه. لأنه أصلا يقوم على فكرة، تقسيم المجتمع إلى طوائف ومكونات، لا إلى مجتمعات فيها جماعات اجتماعية متساوية الحقوق والقيمة، توحدها مصالحها الطبقية التي لا تنسجم مع معيار التمييز بينها على أسس طائفية. وثانيا أن هذا التوازن هو افتراض غير واقعي. لأنه لابد وان يقوم على هيمنة وسيادة طائفة ما. أي هو قائم على قبول توازن اللاتوازن. حتى بين برجوازيات الطوائف، رغم حاجته إلى وحرصه على حماية الوحدة الطبقية للبرجوازية وسيادتها الطبقية. (لاحظ الحالة اللبنانية والعراقية نموذجا معاصرا). فالقوى البرجوازية الحاكمة المختلفة طائفيا والموحدة طبقيا، تقيم (ديموقراطية) تجدد من خلالها سيطرتها الطبقية. واستمرارها بتقاسم مراكز السلطة وغنائم الاقتصاد وثروة البلد، وإشغال البلد بصراعات تستدرج إليها، الطبقات الشعبية ، هو تعبير عن هذه السيادة الطبقية لهذه البرجوازيات ذات الأصول الطائفية المتباينة. ه. فالطائفية وطابعها العنصري الخفي هي الشكل الرجعي لهذه الهيمنة الإيديولوجية الطبقية للبرجوازية. وهي سلاحها الأساسي في هذه الهيمنة. إن مايمنع الانتقال من الطابع الخفي للعنصرية إلى الطابع العلني، هو إن هذا الانتقال يهدد استقرار النظام القائم الذي تريده البرجوازية من كل الطوائف، وعلى هذا التوازن الطائفي، الذي تريده السائدة منها.
(*) بغض النظر عن شرعية ومصداقية الاتهامات، أو مشروعية ومنطقية الحق الشخصي في العدالة ، إلا أن طريقة العودة التي تمت أو تلك التي ستتم، والأطراف المشرفة عليها ، والتوقيت الزمني والية التصحيح، القضائي والحكومي، تضع علامات استفهام على هذه الخطوة. فالية التصحيح القانونية المدعاة ، كان المفترض بها، أن تبدأ بتصحيح أوضاع مواطنين عاديين كثر، وعدت الحكومة ذاتها مرارا، بإطلاق سراح أولا المحكوم ببراءتهم وإعادة محاكمة آخرين، يعتقد ببراءة) الكثير منهم، قضوا في السجون سنوات طويلة، قبل أن يتم البدء بتسوية ملفات شخصيات، كانت جزء أساسيا من مرحلة الاحتقان الطائفي. أن تعزيز مسار العدالة القضائية، بهذا المنهج الذي جرى تجريبه ، مرات عدة ومع شخصيات أخرى ، والاستمرار بذات الصفقات، يؤكد طبيعة الهدف المطلوب، إلا وهو الحفاظ على نظام التوازن الطائفي في مواجهة مشروع المواطنة والصراع الاجتماعي الطبقي، الذي يتصاعد جراء تفاقم مظاهر التفاوت والظلم الاجتماعي، وبات يهدد مصالح البرجوازيات الحاكمة. والاختباء خلف اليافطة الطائفية، لم يعد ممكنا. فتلك لعبة انكشفت للأغلبية الشعبية المتضررة من هذا المسار الفاشل.
الحوار المتمدن
