لماذا اختار الجندي الإسرائيلي الانتحار على القتال في غزة؟

Read Time:5 Minute, 23 Second

علي الرباج

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_خلال الأيام الأولى دخلت إسرائيل الحرب كردّ فعل عادي على السابع من أكتوبر، فما حدث في ذاك اليوم لم يكن بالأمر الهين، فقد وضع السنوار وأبطال غزة الدولة الأقوى في المنطقة حسب الكثيرين، حيث يجب أن تكون، أو أعادوها رمزياً إلى مكانتها، وحطموا خرافة التفوق الاستخباراتي بل والتفوق العرقي اللذين ما فتئت تتبجح بهما إسرائيل والغرب وحتى من بعض بني جلدتنا.

إن حدثاً كالسابع من أكتوبر استحق أن يُنظر إليه كحدث تاريخي له من الدلالات الكثير، وفيه من الدروس ما يستحق الاهتمام الذي ناله إقليمياً ودولياً، فقد اعتبره البعض بداية نهاية المشروع الصهيوني، ولعل الغريب أن هناك مثقفين من الكيان تبنوا هذا الطرح. وقد كشفت لنا أيام وأشهر العدوان الغاشم عن بعض تقاسيم وجه هذه النهاية المتوقعة.

فالجيش الذي يوصف غربياً بكونه الجيش الأقوى عجز عن السيطرة الميدانية على بعض كيلومترات، بل وفشل في رصد تحركات المجاهدين فكان يسقط مرة تلوى المرة في كمائن لا تنفع معها الأسلحة الأمريكية ولا الدعم الألماني والغربي، وحسبنا كمين مخيم جباليا الذي أعلن عنه أبو عبيدة واتضح من الإعلام الإسرائيلي أنه حادث لم يسبق له مثيل، وتبين للمحللين هناك أن مواجهة كتائب غزة أشبه بمواجهة جيوش أعتى الدولة، وتيقن جمعهم أن هذه الحرب بلا معنى، بل قد تكون القشة التي تقصم ظهر الكيان، فما كان من هؤلاء سوى معارضة نتنياهو وخططه، هذه المعارضة لم تفلح لينتهي الأمر بهم خارج الحكومة بعد تقديمهم للاستقالة.

وعلى المستوى الشعبي تتأرجح دولة الكيان بين فئة تؤيد نتنياهو وحربه الكيشوتية، لاعتبارات حزبية ودينية في المقام الأول، وحتى مع كونها تدرك بأن فارسها الذي سيحرر العالم من الشر مجرد عجوز أصابه الخرف، فهي تلعب دور سانشو بانثا وتغض الطرف عن حماقة فارسها المزيف. 

وبين فئة ترى ضرورة وقف الحرب والوصول لاتفاق بين الطرفين، نظراً لاستحالة تحقيق النصر وفداحة الخسائر التي يتكبدها جيشهم، وهذه الفئة تتشكل قاعدتها بالأساس من عائلات الأسرى، وعائلات معظم الجنود.

ففي الوقت الذي يتغنى المتحدث العسكري بعزيمة ورباطة جأش جيش العدو الصهيوني، تتحدث الصحف الإسرائيلية عن حقائق مغايرة لروايتها، فقد ذكرت الصحف أن بعض العائلات استأجرت أشخاصاً لضرب أبنائهم والتسبب لهم بإصابات تغنيهم عن العودة لغزة، وأخبار تتحدث عن رفض العديد من جنود الاحتياط المشاركة في العدوان، حتى بات الكيان يستعمل المرتزقة في عدوانه، وهذه تعتبر سابقة في تاريخ الكيان الذي يتفاخر بكون جيشه ممثلاً بأبناء صهيون، لتعرّي غزة عورته، التي سترها طيلة خمسين سنة بحروب خاطفة تفوق فيها على جيوش عربية منهكة وغير مسلحة وتنخرها الخيانة، وبصور يأخذها جنودها الجبناء وهم يعتدون على العزل وينتهكون حرمة بيوت بعد أن ضمنوا وضع أسودها في السجون الإسرائيلية أو في سجون سلطة رام الله.  

وحتى تكتمل حلقة الفضح صُدم المجتمع الصهيوني بانتحار جندي تم استدعاؤه مرة ثانية لمواجهة المجاهدين والالتحام بالأسود، فما كان منه إلا أن فضّل وضع حد لحياته.

ولأكون معكم صادقاً، فقد أحسن هذا الجندي صُنعاً، ولست أجد من يتعجب لفعله إلا أحمق، فضع نفسك مكانه، فكيف بك وأنت تقتل الأطفال وتتفاخر بهدم بيوت الأبرياء والاعتداء على النساء، وأخذ سلفي مع الدمار، بينما تتبول على نفسك عند سماع صوت المجاهدين وهم يكبرون “الله أكبر، وترى بأم عينيك كيف يرمون بأنفسهم في رمضاء الوغى مقبلين غير مدبرين كأنهم أشباح لا بشر من لحم ودم، وتشاهد شاباً فقد رجليه، عاري الصدر، في يديه بندقية، مبتسماً غير مكشر، ويصدق فيه قول الشاعر “إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم”، فكيف بك وكيف لعقلك ألا يطير؟

ثم أنت تتساءل “إنها أرضهم، وأنا وكل من بهذه الدولة وأجدادنا مجرد لصوص وقطاع طرق، ويوماً ما سينتهي احتلالنا لهذه الأرض ونعود من حيث جئنا، هذا من بولندا والآخر من روسيا، وذاك من الحبشة، وآخرون لا أدري كيف أصبحوا من نسل بني إسرائيل مع أنهم من قبائل آسيوية”، وهكذا تتقلب الليل كله تحاصرك أمواج الحيرة، وحين تحاول تجاهلها وبينما تقلب هاتفك، تشاهد مقطعاً لشاب فلسطيني على أحد الأسطح في غزة، يشتبك مع الجنود فيصاب، فيقوم مثقلاً بالجراح ليواجه وابلاً من الرصاص فيرتقي، وعوض أن يختبئ أصدقاؤه أو يحتموا بجُدر كما يفعل جنود أقوى جيش في المنطقة، ترى أحدهم يحمل عنه البندقية، ويكمل ما بدأه صاحبه فيرتقي هو الآخر، في مشهد لا تراه إلا مرة كل ألف عام، فماذا عساك تفعل؟، لقد اختار الجندي القرار الصائب.

وحين يضع هذا الجندي الذي كان بالأمس القريب يتفاخر بنفسه ومعداته خدا لحياته، فلا شك أن ذلك يعني أن العزيمة ألحقت بهذا الجيش منذ مدة طويلة، فإن كان أشدهم تفاخراً انتحر، فهذا يعني أن ما يمنع الآخرين من الإقدام على الانتحار لا يعدو الخوف من الموت، فهذا الجندي امتلك الشجاعة وقرر الراحة على أن يعيش بقية حياته يرتدي الحفاضات ليلاً ويتناول مهدئات وأقراصاً تساعد على النوم.

ولعل العجلة التي يبديها الأمريكيون في إيقاف الحرب إدراكاً منهم بهذا المعطى فآخر من قد يفكر في مصلحة المسلمين هو الحكومة الأمريكية وقد سبق أن صرح الشهيد أحمد ياسين -تقبله الله- في لقاء مع الصحفي أحمد منصور، فيما معناه أن أي تحرك أمريكي يعرف المجاهدون أنه لصالح الكيان مباشرة.

لا يسعنا سوى الوقوف إجلالاً لشعب فلسطين ولمقاومتها الشعبية، ولعزيمة أهلنا في غزة، وكلنا أمل في أن يتوقف العدوان قريباً، وبشروط المقاومة لا العدو، ورسالة لأي شخص ينتقص من المقاومة ويلمز في المقاومة ويستصغر ما تقوم به:

“اتقِ الله، فهؤلاء الذين تنالهم بلسانك يدافعون عن شرف الأمة لا عن غزة ولا عن القدس، واقرأ تاريخ حرب المستضعفين وتاريخ المقاومة في العالم، فليس هناك مقاومة مهمتها مواجهة العدو وجهاً لوجه في معركة كمعارك هوليود، ومواجهة كهاته ستنتهي بكارثة كما حدث مع المجاهد أحمد الهبة -رحمه الله- في معركة سيدي بوعثمان 1912، فحين اختار مواجهة الجيش الفرنسي المدجج بالمدافع في منطقة مكشوفة جغرافياً، تناثرت أجساد المجاهدين وانتهت المعركة بهزيمة كان لها الوقع الكبير على قلوب المغاربة، خاصة أنهم بايعوا الهبة كسلطان جديد، وهكذا اختارت المقاومة المغربية من بعده أسلوب الكر والفر، والمهاجمة ثم الاختباء، والتحصن بالجبال والأودية، فتجرع الجيش الفرنسي السُّم الزعاف في معركة الهري 1914 وبوغافر 1934، كما نال الإسبان خيبة تاريخية في معركة أنوال 1921، أمام قوات محمد بن عبد المريم الخطابي، رحمه الله. وفي الهند الصينية تاه الفرنسيون وحلف الناتو في معركة ديان بيان فو 1954، ضد المزارعين، الذين أسقطوا فيما بعد الجيش الأمريكي في دوامة خرج منها مكسور الجناح، ولا حاجة للحديث عن الأيرلنديين وكيف هزموا الإنجليز بحرب العصابات.

لهذا لا تنتظر من الكتائب أن تفتح تل أبيب وتعيد الأقصى الآن، فإذا كان العدو الصهيوني كلباً (وأعتذر للكلاب) فعلى المقاوم أن يكون الحشرة التي تمتص دماءه وتحرم عليه عيشته، حتى تنهك قواه أو يسقط صريعاً. ولا تتوقع أن تواجه الحشرة الكلب في نزال مباشر.

افهم  الدور الذي تلعبه في سياق التدافع الذي سنه الله تعالى في الكون، وفي إطار الدفاع المشروع عن الأرض وعن الإسلام.

وتأكد أن المقاومة تعرف ما تفعل وأن تسييرها للمعارك يدرس (وسيدرس دون أدنى شك)”. 

فلتحي البندقية، ولينتحر الغزاة عند أقدام المجاهدين.

عربي بوست

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
     
 

Previous post  تحديات استراتيجية صناعة الأسلحة
Next post “المجر لن تعرقل قرارات الناتو”