صفوح صادق شاعر فلسطيني
شجرةُ الزيتونِ لا تسألُ عن الفصول
تعرفُ طريقَها إلى الضوءِ
كما يعرفُ الجرحُ طريقَهُ إلى القلب
جذورُها…
ليست خشبًا في التراب
بل أيدٍ خفيّةٌ
تتشبّثُ بذاكرةِ الأرض
وتُربّتُ على عظامِ الأجداد
هناك… في العتمةِ الرطبة
تُخزِّنُ الوطنَ قطرةً قطرة
ملحَ الدموع
ورائحةَ الخبز
وصوتَ الأمّ حين تنادي ولا يعود أحد
نحنُ أيضًا
أشجارٌ تمشي
لكن جذورَنا لا تمشي
إذا اقتلعونا
ظلّت قلوبُنا حفرةً
بشكلِ البلاد
الوطنُ ليس خريطةً
بل قدرةُ الروحِ
أن تقولَ: هنا كنتُ إنسانًا
وهنا تعلّمتُ كيف أرفعُ رأسي
ولو انكسرَ العالم
من يفقدُ وطنَه
لا يصبحُ بلا أرضٍ فقط
بل بلا ظلّ
بلا اسمٍ يناديه حين يتعب
بلا نافذةٍ تفهمُ لغتهُ دون ترجمة
ومع ذلك…
نظلُّ نحفرُ في الهواء
نزرعُ خطواتِنا في الغياب
نصنعُ من الذكرى تربةً بديلة
لأن البقاءَ ليس أن تبقى حيًّا
بل أن تبقى متجذّرًا
حتى لو صار الترابُ فكرة
يا شجرةَ الزيتون
علّمينا
كيف نحملُ الوطنَ داخلنا
لا فوق أكتافنا
كيف نصيرُ أرضًا
حين تضيقُ بنا الأرض
وكيف
حين يسألون: من أنتم؟
نفتحُ صدورَنا
فتسقطُ منها
بلادٌ كاملة.
في الشتاتِ…
لا يغيبُ الوطن
بل يغيّرُ عنوانَهُ فقط
يصبحُ فنجانَ قهوةٍ مُرّة
نُعدّهُ كما كانت تُعدّهُ الأمهات
ونصغي لبخارهِ
كأنهُ يهمسُ بأسماءِ القرى
يصبحُ رغيفًا دائريًّا
نكسِرُهُ بحذر
كأننا نكسرُ دائرةَ الغياب
في المدنِ البعيدة
نبحثُ عن شجرةٍ تشبهُ زيتونَنا
عن حجرٍ يشبهُ عتبةَ الدار
عن عجوزٍ تشبهُ جدّتنا
كي نقولَ لأنفسنا: لسنا وحدنا تمامًا
الشتاتُ ليس مسافةً
بل زمنٌ مكسور
نمشي فيهِ للأمام
وقلوبُنا تمشي إلى الخلف
هناك…
نحملُ الوطنَ كندبةٍ دافئة
لا تُشفى
ولا نريدُ لها أن تُشفى
نعلّقُ مفاتيحَ البيوتِ القديمة
على صدورِنا
لا لأنها تفتحُ أبوابًا
بل لأنها تفتحُ البكاء
وكلما سألنا أحدهم:
من أين أنتم؟
تتعثّرُ الإجابة
بين اسمِ بلدٍ جديد
وحنجرةٍ قديمة
الوطنُ في الشتات
يصيرُ صوتًا داخليًّا
يصحّحُ لفظَنا
حين تخونُنا اللغات
يصيرُ حلمًا متكرّرًا
نعودُ فيهِ
ولا نصل
ومع ذلك…
نبتسمُ للأرضِ التي آوتنا
نسقيها تعبَنا
ونغرسُ فيها أبناءَنا
كما تُغرسُ الأشجارُ في تربةٍ مستعارة
لعلَّ جذورَهم
تتعلمُ لغةَ المكان
دون أن تنسى
لغةَ الطينِ الأول
يا وطنَنا البعيدَ القريب
لسنا غائبين عنك
نحنُ موزّعون فيك
نحملكَ في جيوبِنا
في لهجتنا التي لا تذوب
في دمعةٍ مباغتةٍ عند نشيدٍ قديم
وإذا طالَ الليلُ…
نضعُ رؤوسَنا على وسادةِ التعب
فنسمعُ تحتها
نبضَ أرضٍ
لم تتركنا
ولو تركناها.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
