ياسمين أيمن
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_أشار تقرير نشرته مجلة “بوليتيكو”، في 25 مايو 2025، إلى زيادة نفوذ منظمة غير ربحية مستقلة تُدعى “زمالة بن فرانكلين” ذات التوجهات المحافظة الداعمة لأجندة ترامب “أمريكا أولاً” داخل وزارة الخارجية الأمريكية، على الرغم من عملها خارج عباءة وزارة الخارجية منذ تدشينها خلال عام 2024. وتضم هذه المنظمة عدداً من كبار المسؤولين الحاليين في وزارة الخارجية الأمريكية، على غرار كريس لاندو نائب وزير الخارجية، فضلاً عن خبراء متخصصين في العلاقات الدولية، وهناك تدقيق كبير مطلوب لقبول عضوية الأفراد في هذه المنظمة التي تقوم على التبرعات.
ويشير الموقع الإلكتروني للمنظمة إلى ثمانية مبادئ تتعلق بتوجهات المنظمة بشأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، أبرزها ترشيد استخدام الموارد المحدودة، سواءً الميزانية أو الموظفين، بدلاً من الانخراط في توسع دبلوماسي دائم وغير ممول، بجانب تأكيد الحاجة على ضرورة استعادة الثقة في مكانة الدولار الأمريكي عبر التخلص من الديون وعجز الميزانية الفيدرالية الذي يقيد الحرية الاقتصادية للولايات المتحدة عالمياً، علاوةً على ضرورة تحجيم التدخلات الأمريكية في النزاعات الخارجية، بحيث يتم إعادة النظر في بعض التدخلات غير الضرورية شريطة أن يكون ذلك بموافقة الكونجرس.
فضلاً عن ربط سياسات الهجرة إلى الولايات المتحدة بما يحقق المصلحة الوطنية، وكذلك قوانين اللجوء، مع دعم المنظمة للمنظمات متعددة الجنسيات التي تضم دولاً قوية. علاوةً على تأكيد المنظمة على أن التعيينات في وزارة الخارجية يجب أن تقوم على جدارة الأفراد وليس على عرقهم أو انتماءاتهم وميولهم.
وعلى الرغم من عدم وجود خطابات رسمية أو مراسلات تؤكد تحكم هذه المنظمة في توجهات وزارة الخارجية، لكن دعم وزير الخارجية ماركو روبيو وكبار موظفيه لأفكار الزمالة، كما أن توقعات الدبلوماسيين الأمريكيين، تشير إلى زيادة احتمالية تنامي نفوذ هذه المنظمة داخل الوزارة خلال السنوات القادمة، لتلحق وزارة الخارجية ببقية المؤسسات الفيدرالية التي أصابتها أفكار ترامب وفريقه، وهو أمر قد تكون له تداعيات على المستوى الزمني القصير والطويل.
تبعات متوقعة
على الرغم من قلة عدد الموظفين الدبلوماسيين المؤمنين بأفكار هذه المنظمة أو المنتمين لها داخل السلك الدبلوماسي، إلا أنه أسوةً بما حدث مع بقية المؤسسات الفيدرالية، قد يقوم ترامب خلال ولايته الراهنة بتغييرات جذرية تعزز من وجود هذه المنظمة داخل وزارة الخارجية، ولذلك سيكون من المتوقع أن يكون لزمالة بن فرانكلين مجموعة من التداعيات على وزارة الخارجية الأمريكية، وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي:
1- مخاوف من تسييس وزارة الخارجية الأمريكية: من الطبيعي أن وزارات الخارجية داخل أي دولة تعمل على تمثيل مصالح الدولة، ولكن يرى بعض الدبلوماسيين الأمريكيين السابقين، أن زيادة نفوذ المنظمة ذات الميول المحافظة داخل الوزارة ستؤثر على توجهات وزارة الخارجية الأمريكية، وستدفع بعدد أكبر من الموظفين الذين يدعمون أجندة “أمريكا أولاً”، والذين يدعمون السياسات المتشددة تجاه الهجرة، مع تقنين استخدام موارد الولايات المتحدة خارجياً، خاصةً أن أعضاء المنظمة يرفضون المطالب المتعلقة بزيادة ميزانية وزارة الخارجية الأمريكية وزيادة رواتب الموظفين الدبلوماسيين، متهمين وزير الخارجية السابق خلال فترة حكم الرئيس جو بايدن، أنتوني بلينكن، بأنه أسهم في تسييس الوزارة، لا سيما مع دعمه سياسات التنوع والمساواة والشمول التي تسمح بتنويع عرقيات وانتماءات الموظفين التابعين لوزارة الخارجية، والتي ترفضها المنظمة، كما ترفضها إدارة ترامب بشدة.
2- تراجع مستويات كفاءة الموظفين داخل وزارة الخارجية: يرى بعض الدبلوماسيين السابقين أن زيادة نفوذ هذه المنظمة داخل وزارة الخارجية، سيسمح لها بالتحكم في الوظائف المتاحة المرتبطة بالأعمال الدبلوماسية، بما سيزيد من أعداد الموظفين الموالين لأجندة ترامب “اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” الذين تسعى المنظمة لاستقطابهم، دون النظر إلى مستوى الكفاءة المطلوبة لشغل بعض هذه الوظائف، بما سيؤثر على مستوى الموظفين المسؤولين عن تنفيذ أجندة السياسة الخارجية الأمريكية مستقبلاً.
وما يعزز تلك الفكرة، هو حديث عدد من المنتمين للمنظمة بجانب القائم بأعمال رئيس الموارد البشرية في وزارة الخارجية “لو أولوفسكي” في 2 مايو 2025 في اليوم السنوي للاحتفال بالشؤون الخارجية؛ مشيداً بالمنظمة وأفكارها، وهو الأمر الذي لاقى انتقادات بين أوساط الدبلوماسيين الأمريكيين، ممن انتقدوا افتقار أولوفسكي نفسه للخبرة اللازمة لشغل هذا المنصب، علماً بأن المنظمة تدعم استغلال قانون “الوظائف الشاغرة” الذي يسمح للرئيس بتعيين أشخاص مؤقتين في الوظائف الشاغرة التي تتطلب موافقة مجلس الشيوخ، لإجراء التغييرات اللازمة في الوزارة بأقصى سرعة ممكنة.
3- إعادة تشكيل ملامح السياسة الخارجية الأمريكية: كانت السياسة الخارجية الأمريكية تقوم على مجموعة من الأسس والمبادئ الداعمة لنشر قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، والدفاع عن الحريات والحقوق، وتقديم المساعدات الإنسانية التنموية في الدول الأقل نمواً، ولكن مراجعة مبادئ المنظمة المذكورة يؤكد على توافقها مع توجهات مدير إدارة كفاءة الحكومة إيلون ماسك، المتعلقة بتقليل النفقات الفيدرالية والتخلص من قيود البيروقراطية؛ حيث ترى المنظمة أنه يجب ترشيد النفقات المرتبطة بالدبلوماسية.
كما ترى المنظمة أن هناك تحيزاً أيديولوجياً واضحاً داخل وزارة الخارجية في الوقت الراهن، وعدم وجود مساحة للأفكار المحافظة داخل الوزارة؛ إذ تتواجد بعض المجموعات داخل الوزارة التي تدعم توجهات مختلفة، من بينها الأفكار التقدمية، ولذلك فتعيين بعض الشخصيات المنتمية للمنظمة سيفسح المجال لتنوع الأفكار والتوجهات داخل وزارة الخارجية التي تعمل في النهاية على تحقيق الصالح العام الذي ينص عليه الدستور الأمريكي.
4- إهمال فرص تمكين النساء والأقليات في وزارة الخارجية: بالنظر إلى مبادئ المنظمة سالفة الذكر والتي انتقدت بشكل واضح سياسات وبرامج التنوع والإنصاف والشمول، التي ساهمت في تمكين بعض العرقيات والأقليات، بما في ذلك النساء، فإن زيادة تغلغل أعضائها في وزارة الخارجية من شأنه أن يحد من فرص تمكين النساء والأقليات من تقلد المناصب المختلفة، ومن الحصول على الترقيات داخل وزارة اتهمت لسنوات بانحيازها للرجال البيض واستحواذهم على المناصب الهامة في المؤسسة، خاصة أن الدبلوماسي المتقاعد “فيليب ليندرمان”، ورئيس زمالة بن فرانكلين، قد أكَّد رفضه لسياسات التنوع والإنصاف والشمول خلال كلمته في وزارة الخارجية في احتفالية اليوم السنوي للشؤون الخارجية. كما أوضح خلال مقال منشور له أن هذه السياسات تتنافى مع مبادئ الجدارة التي وضعها قانون الخدمة الخارجية لعام 1980، والذي ينظم هيكل وأهداف وزارة الخارجية الأمريكية.
5- فك الارتباط الدبلوماسي الأمريكي بعدد من الدول: يرى البعض أن هذه الزمالة تسعى لتشكيل ما يسمى بمؤسسات “الدولة العميقة” داخل الولايات المتحدة، والتي تكون متحكمة في توجيه القرارات الخارجية، وبالنظر إلى مبادئ المنظمة التي تحث على عدم التوسع الدبلوماسي الذي لا طائل منه، فمن المتوقع أن ينعكس ذلك على الارتباط الدبلوماسي الأمريكي بمجموعة من الدول والمساحات الجغرافية المختلفة التي ستشكل عبئاً على الولايات المتحدة، على غرار ما يحدث الآن مع الحلفاء في أوروبا وكندا وحتى دول أمريكا اللاتينية والوسطى، بما سيسمح بتقلص نفوذ واشنطن العالمي مستقبلاً، مقابل نمو نفوذ قوى أخرى تعمل على بناء العلاقات الدبلوماسية الخاصة بها بحنكة وروية.
تغلغل فكري
إجمالاً، يمكن القول إن منظمة “زمالة بن فرانكلين” تتشابه مع بقية المنظمات التي كانت فاعلة في السياسة الخارجية خلال فترات حكم الرؤساء السابقين؛ حيث يسعى كل رئيس لتطبيق أجندته وأولوياته المتعلقة بالسياسة الخارجية، ولكن الفارق الأساسي بين ترامب وغيره من الرؤساء الأمريكيين، هو مساعي ترامب لتغيير طبيعة عمل وزارة الخارجية، وعدم الاهتمام بالمعايير الأخلاقية والأسس التي تم وضعها سابقاً والتي تضع نسباً محددة للتعيينات السياسية للرئيس؛ حيث ينظر ترامب لكافة شؤون السياسة الخارجية بمنظور تجاري في المقام الأول، ويرفض تقديم أي خطوات لا تصب في مصلحة واشنطن المالية حتى لو كان ذلك على المدى الطويل.
وفي حالة زمالة بن فرانكلين، فإن زيادة نفوذها، وزيادة تغلغل أفكارها داخل الوزارة خاصةً تلك المتعلقة بعدم توسيع نطاق الدبلوماسية الأمريكية بشكل كبير، سيصب في صالح بعض القوى الأخرى المناوئة لواشنطن، وعلى رأسها روسيا والصين اللتان تعملان في الوقت الراهن على استغلال حالة التخبط والضبابية التي تسببت بها سياسة الرئيس ترامب الخارجية لزيادة نفوذهما على الساحة الدولية.
انترريجورنال للتحليلات الاستراتيجية
