الخميس. فبراير 19th, 2026
0 0
Read Time:5 Minute, 53 Second

د. محمد عباس ناجي

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_يعكس موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتشدد إزاء منع إيران من تخصيب اليورانيوم، تصعيداً مدروساً في نهجه التفاوضي خلال المرحلة الراهنة من المحادثات النووية. ويبدو أن هذا التوجه الجديد يرتكز على مجموعة من المتغيرات المؤثرة، أبرزها تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخير الذي كشف عن استمرار طهران في اتخاذ خطوات نووية تصعيدية، وتراجع الآمال في التوصل إلى تسوية روسية–أوكرانية، بجانب ضغوط إسرائيل المستمرة على واشنطن لتفكيك البرنامج النووي الإيراني، وتعزيز الموقع الداخلي للرئيس ترامب مقارنةً بغيره من الرؤساء.

فرغم أن المفاوضات ما زالت مستمرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث تعكف الأولى حالياً على دراسة مسودة الاتفاق المقترحة من جانب الثانية للوصول إلى صفقة نووية جديدة؛ فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم ينتظر رد إيران؛ حيث أعلن عبر منصته على “تروث سوشيال”، في 2 يونيو 2025، أن أي اتفاق نووي محتمل قد يتم إبرامه بين الطرفين خلال المرحلة القادمة، سوف يتضمن توقف الأخيرة نهائياً عن تخصيب اليورانيوم، وهو الخط الأحمر الذي ما زالت إيران مصرة على عدم تجاوزه، حتى لو أدى ذلك إلى انهيار المفاوضات وعودة أزمة البرنامج النووي إلى مربعها الأول من جديد.

موازنة الضغوط

يمكن تفسير أسباب هذا الموقف الجديد الذي عبَّر عنه الرئيس ترامب في هذا التوقيت تحديداً في ضوء دوافع عديدة يتمثل أبرزها في:

1– تأثير تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية: كان لافتاً أن إصرار الرئيس ترامب على منع إيران من مواصلة عمليات التخصيب جاء بعد يوم واحد من إصدار الوكالة الدولية للطاقة الذرية التقرير الجديد عن الأنشطة النووية الإيرانية، الذي أشار بوضوح إلى أن إيران تعمدت اتخاذ مزيد من الخطوات التصعيدية قبل وخلال المفاوضات الحالية.

ففي الفترة بين إصدار التقرير السابق للوكالة في فبراير الماضي وبين إصدار التقرير الأخير، أي نحو ثلاثة أشهر، زادت كمية اليورانيوم المخصب التي أنتجتها إيران بنسب مختلفة بنحو 800 كيلو جرام، في حين زادت كمية اليورانيوم بنسبة 60% – وهو الأقرب إلى مستوى إنتاج القنبلة النووية – بنحو 130 كيلوجراماً. وهنا، فإن ذلك مثَّل بالنسبة إلى ترامب رسائل تحدٍّ من جانب إيران، دفعته إلى تأكيد أنها لن تقوم بعمليات التخصيب في حالة إبرام اتفاق جديد بين الطرفين.

2– تراجع الرهان على إبرام صفقة روسية–أوكرانية: تعمد الرئيس الأمريكي، خلال الفترة الماضية، الانخراط في أكثر من أزمة دولية وإقليمية؛ من أجل تعزيز فرص الوصول إلى تسويات بشأنها، لا سيما الأزمة التي أنتجتها الحرب الروسية–الأوكرانية، وأزمة البرنامج النووي الإيراني.

وقد كان ترامب حريصاً على إنجاز صفقة في أيٍّ من هذين الملفين تساعده على تحقيق الهدف نفسه في الملف الثاني، إلا أن رهانه على ذلك يبدو أنه يواجه عقبات عديدة فيما يتعلق بوقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا، في ظل الخلافات العالقة بين الطرفين التي لا تبدو ثانوية أو يمكن تسويتها بسهولة، فضلاً عن التصعيد العسكري المستمر الذي بدا واضحاً في العمليات الاستخباراتية التي نفذتها أوكرانيا بشكل لافت، وكان آخرها الهجوم الواسع النطاق على أربعة مطارات روسية تضم قاذفات استراتيجية، على نحوٍ أدى إلى تدمير نحو 34% من الأسطول الروسي من هذه القاذفات، فضلاً عن استهداف جسر القرم بعبوات ناسفة تحت الماء.

وهنا، فإن هذا الفشل في إنجاز صفقة في ملف الحرب الروسية–الأوكرانية دفع الرئيس ترامب إلى محاولة تعزيز فرص الوصول إلى تسوية في الملف الآخر عبر ممارسة ضغوط أقوى على إيران مع استغلال الظروف الحالية التي تواجهها، سواء على صعيد تراجع نفوذها الإقليمي، أو ضعف منظوماتها الدفاعية، بشكل كان له دور في تعمده إبداء قدر أكبر من التشدد فيما يتعلق بمنع إيران نهائياً من مواصلة عمليات التخصيب.

3– ضغوط إسرائيل لتفكيك البرنامج النووي الإيراني: لا تتوقف الضغوط التي تمارسها إسرائيل على إدارة الرئيس الأمريكي من أجل إنجاز صفقة مع إيران تقضي بتفكيك برنامجها النووي حتى في ظل الإجراءات التي يتخذها الرئيس الأمريكي، ويحاول من خلال احتواء تلك الضغوط، على غرار إقالة ثلاثة مسؤولين في الإدارة من المؤيدين لإسرائيل في 3 يونيو الجاري.

وقد استغلت تل أبيب التقرير الأخير الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أجل إضفاء وجاهة خاصة على الاتهامات المستمرة التي توجهها إلى إيران بالسعي نحو إنتاج القنبلة النووية، على نحوٍ يوجه، وفقاً لرؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تهديدات إلى الأمن العالمي بشكلٍ عام.

وقد توازى ذلك مع تعمد تل أبيب التهديد بإمكانية شن ضربة عسكرية قوية ضد المنشآت النووية الإيرانية إذا ما وصلت واشنطن وطهران إلى صفقة لا تستوعب مصالحها، أو لا تقضي بتفكيك البرنامج النووي الإيراني. وهنا، فإن هذه التهديدات كانت رسالة مباشرة؛ ليس إلى طهران، بل إلى واشنطن، ومفادها أن إسرائيل لن تكون ملزمة بالتعامل بإيجابية مع هذه الصفقة ما دامت لا تستوعب شروطها في كل الأحوال.

وقد كان لافتاً أن الموقف الأخير الذي اتخذه الرئيس ترامب بشأن منع إيران من مواصلة عمليات التخصيب جاء بعد اتصال هاتفي جرى بين نتنياهو وترامب؛ حيث كان الموقف من المفاوضات مع إيران هو محور الحديث بين الطرفين.

4– تعزيز الموقع الداخلي للرئيس ترامب: ما زال الرئيس ترامب يضع في اعتباره الوصول إلى صفقة مع إيران أفضل من الاتفاق الذي تم التوصل إليه معها في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما في 14 يوليو 2015؛ فقد انسحب الرئيس ترامب من هذا الاتفاق خلال ولايته الأولى، وتحديداً في 8 مايو 2018، ومن ثم فإن ذلك معناه أن أي اتفاق نووي جديد مع إيران يجب أن يتضمن بنوداً أكثر تشدداً معها، بدلاً من تلك التي يتضمَّنها الاتفاق الحالي، وتقضي بمواصلة عمليات التخصيب، وبالاحتفاظ بمختلف مكونات البرنامج النووي.

وهنا، فإن توقف إيران عن عمليات التخصيب سوف يكون هو الآلية الأساسية التي سوف تضفي نوعاً من الخصوصية على هذا الاتفاق النووي الجديد، والتي سيستغلها ترامب ليروج داخل الولايات المتحدة أنه استطاع إنجاز اتفاق مع إيران أفضل بكثير من ذلك الذي أنجزه أوباما، ومن خلفه الرئيس السابق جو بايدن الذي كان نائباً للرئيس في عهد الرئيس الديمقراطي.

قراءة متأنية

رغم ذلك، لم توجه إيران رداً مباشراً على الرئيس الأمريكي ترامب؛ إذ إنها ما زالت تقرأ العرض الذي تقدمت به واشنطن ووصل إلى طهران عبر وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي قام بزيارة مفاجئة إلى الأخيرة في 31 مايو الفائت. وقد أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى أن المقترح يتضمن بنوداً غامضة، ويطرح تساؤلات عديدة.

وربما يمكن تفسير ذلك في ضوء عاملين: الأول أن إيران لا تسعى إلى الاصطدام بترامب حالياً؛ حيث تبذل جهوداً حثيثة من أجل إنقاذ المفاوضات تجنباً لمواجهة الخيار الأصعب، وهو الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، وهو الخيار الذي ألمح إليه الرئيس ترامب في التغريدة نفسها التي أصر فيها على منع إيران من مواصلة عمليات التخصيب.

والثاني أن إيران ربما ترى أن الموقف الذي اتخذه الرئيس ترامب لن يكون هو الموقف الأمريكي النهائي، بما يعني أنه يمثل محاولة من جانب واشنطن لرفع سقف الضغوط التي تمارسها على طهران من أجل دفعها إلى تقديم تنازلات أكبر في الاتفاق النووي أو الموافقة على ما جاء في المقترح الذي أرسلته عبر مسقط.

وربما تستند طهران في ذلك إلى التباين الذي تتسم به مواقف المسؤولين الأمريكيين إزاء المفاوضات النووية التي تُجرَى معها؛ حيث ترى أن ذلك يمثل نوعاً من تقاسم الأدوار؛ بهدف الحصول على أعلى مستوى من المكاسب من أي اتفاق نووي قد يتم إبرامه معها خلال المرحلة القادمة.

وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إن رد إيران على المقترح الأمريكي سوف يحدد بدرجة كبيرة المسارات المحتملة التي يمكن أن تتجه إليها المفاوضات التي تجري حالياً برعاية سلطنة عُمان، وإذا ما كانت سوف تنتهي بإبرام صفقة جديدة تعفي طهران من المواجهة العسكرية المحتملة مع واشنطن أو تل أبيب، أم ستفشل في النهاية.

انترريجورنال للتحليلات السياسية

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code